البيانات الصحفية
بيان صحفي حول المساعدات الخارجية والديمقراطية
شنت عدة صحف مصرية مؤخراً، هجوماً على مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، وعلى رئيس أمنائه، د. سعد الدين إبراهيم، وتركّز هذا الهجوم على موضوعين رئيسيين
أولهما، ما أشيع عن قرار الكونجرس الأمريكي باقتطاع مليوني دولار، من المنحة السنوية التي تتلقاها الحكومة المصرية، وتخصصها لدعم مركز ابن خلدون
وثانيهما، بسبب ما نقل على لساني في محاضرات عامة بالداخل وبالخارج حول الديمقراطية، واستخدام التجارة والمعونات والاستثمارات الخارجية التي تقدمها البلدان الديمقراطية للبلدان اللاديمقراطية
1ـ بالنسبة للموضوع الأول، لم تذكر أي من الصحف الخمس التي تناولته، تاريخ أو رقم أو نص القرار الذي اتخذه الكونجرس الأمريكي بالنسبة للمساعدات لمصر، أو لمركز ابن خلدون. ولذلك صعب علينا لعدة أيام معرفة حقيقة الموضوع، بعد أول إشارة إليه في صحيفتي "العربي" بتاريخ 16/11/2003، و"الأسبوع" بتاريخ 17/11/2003، وبعد ذلك في صحف "الوفد"، "الأخبار"، و "أخبار اليوم
1ـ2 ولكن المحقق أنه إلى ذلك التاريخ، بل إلى اليوم 29/11، لم يصدر بعد أي قرار أو قانون من الكونجرس بشأن المساعدات الخارجية، لا لمصر، ولا لمركز ابن خلدون
1ـ3 إن ما انتهت إليه لجنتي الاعتمادات في مجلس النواب والشيوخ إلى تاريخه، لم يصوت الكونجرس الأمريكي بكامله عليه بعد، فهو مازال مشروع قانون، ينص على مساعدات عسكرية لمصر قيمتها 1.3 مليار ( 1300 مليون دولار)، ومساعدات مدنية قيمتها 575 مايون دولار، أي ما جملته 1.875 مليار دولار
1ـ4 لم ترد أي إشارة من قريب أو بعيد في مشروع القانون لمركز ابن خلدون، أو لاقتطاع دولار أو سنت واحد من المعونة الأمريكية المخصصة للحكومة المصرية لصالح مركز ابن خلدون، أو لأي مركز أو جمعية أهلية مصرية. أي أنه لا شريك للحكومة المصرية في المساعدات الأمريكية الرسمية
1ـ5 إذا كان ذلك كذلك، فكيف بدأت الإشاعة المذكورة عن منح مركز ابن خلدون مليوني دولار؟ ولماذا هذا التوظيف الاستعدائي البشع للاشاعة ضد شخص بعينه، وكأن القصد هو إحلال دمه على مذبح الوطنية أو أكل عيش الشعب المصري؟
من مراجعة مضابط الكونجرس، المتاحة على الإنترنت لكل من يرغب التحقق www.approniation.house.gov/index.cfm هو أن السيناتور باتريك ليهي (ولاية فيرمونت) هو الذي كان قد اقترح تعديل مشروع القانون، يوم 29/10 لكي "يضيف" لا أن "يستقطع" مليوني دولار لمركز ابن خلدون، لتعويضه عما لحقه من دمار أثناء سنوات المحنة (2000ـ2003). ولكن يبدو أن السيناتور تيد ستيفنز، رئيس لجنة الاعتمادات، وأحد أصدقاء مصر في مجلس الشيوخ هو الذي لم يدرج هذا الاقتراح في مشروع قانون المساعدات الخارجية. وكذلك جاء المشروع النهائي للقانون خالياً تماماً من أي إشارة لمركز ابن خلدون أو لاقتطاع مليم واحد، من المعونة المقترحة لمصر، لصالح أي جهة أهلية. وقد نشرت صحيفة الأهرام ويكلي، في عددها الأخير بتاريخ 27/11/2003، كل هذه التفصيلات. ويُحمد لها و "للأهرام" أنهما لم ينضما إلى موكب الاشاعات المضللة، وإلى حملة الاستعداءات التي تهدد حياتي وسلامة أسرتي
1ـ6 إذا كان الأمر على هذا النحو، فلماذا اندفع عدد من الصحف المصرية للحديث عن قرار الكونجرس، وعن مكافأة "سعد الدين إبراهيم"، و"رشوة لمركز ابن خلدون" واقتطاع مليوني دولار من خير المصريين لسعد الدين إبراهيم، وإن أمريكا تريد أن تصنع من سعد الدين إبراهيم حلبي.. عراقي آخر، أو "كرازي أفغاني آخر"... إلى آخر ما جاء من اتهامات وادعاءات غوغائية، القصد منها استثارة الحكومة واستفزاز الرأي العام، واستعداء الغوغاء على شخصي، وعلى مركز ابن خلدون والعاملين فيه؟
1ـ7 أغلب الظن هو أن الذين بدأوا هذه الحملة الاستعدائية لا يهمهم الحقائق ولا، المعلومات، حيث لم يسألني أحد، ولم يسأل أي منهم أي مسئول أمريكي. ولكن كان همهم التعبئة والشحن والبحث عن كبش فداء لتوجيه الاحباط الوطني والغضب القومي ضد أمريكا نحوه، وهو ما سنتناوله ونحن بصدد الموضوع الثاني للحملة
الديمقراطية والمساعدات الخارجية
2ـ الموضوع الثاني، الذي انطوت عليه الحملة ضد مركز ابن خلدون، واستهداف شخصي المتواضع بالأسم، هو بسبب ما نقل عني في محاضرات أو تصريحات حول اقتراح ربط المساعدات الخارجية بالتحول الديمقراطي في البلدان اللاديمقراطية في المنطقة، وأن ذلك جزء من الأجندة الأمريكية في عام 2003، أي بعد حرب العراقي.
2ـ1 وحقيقة الأمر أن دعوتي للديمقراطية وحقوق الإنسان يصل عمرها إلى أكثر من 35 سنة، وتحديداً منذ منتصف الستينات وخاصة بعد هزيمة 1967. وتصوري منذ ذلك الحين أن سبب الهزائم العربية هو الاستبداد وغياب المجتمع المفتوح، والمشاركة الشعبية الحقيقية في السلطة، والشفافية، والمحاسبة، وحكم القانون... وكنت وقت بداية الدعوة مازلت رئيساً للطلبة العرب أدرس في الولايات المتحدة
2ـ2 بسبب هذا الموقف المعلن تعرضت أنا وأسرتي للحراسة، التي فُرضت عليّ في سبتمبر 1966، وقطعت بعثتي الدراسية وسُحب جواز سفري المصري، لذلك نُصحت بالبقاء في الولايات المتحدة إلى أن تنقشع تلك السحابة القاتمة. وبعد ثماني سنوات، وتحديداً في منتصف 1974، قامت السلطات المصرية بإلغاء إجراءات الحراسة، وردت لي جواز سفري، فعدت بعدها بعدة شهور إلى الوطن... تاركاً ورائي منصباً أكاديمياً مرموقاً، ودخلاً مجزياً، وحياة مريحة
2ـ3 كان العمل الوحيد الذي عثرت عليه لدى عودي هو في الجامعة الأمريكية بالقاهرة... وكان القانون المصري قد تغير قبل سنة من عودتي بحيث سمح للمواطن المصري أن يحصل على جنسية بلد المهجر، دون أن يفقد جنسيته المصرية الأصيلة. وهذا ما حدث معي حيث احتفظت بالجنسيتين. وكذلك فعلت زوجتي الأمريكية الأصل، التي حصلت بدورها على الجنسية المصرية بعد أن استوطنت مصر. وأنا وهي وأبنائي لا نعتذر، ولا نفخر، لحمل جنسية أخرى. فهذا واقع فرضته ظروف المعيشة والزواج والعمل في وطنين. ولكن هذا لم يمنع، ولن يمنع، أن يكون ولائي الأول هو لمصر، فهي بلد مولدي، ووطني، وصباي، وأحلامي. وعودتي إليها قبل ثمان وعشرين عاماً كان "اختياراً" لا "إجباراً" ومازال هو اختياري واختيار أسرتي التي لا ترضى عن مصر بديلاً، رغم كل ما تعرضنا له من محن في السابق واللاحق، وخاصة في السنوات العشر الماضية، التي قضيت الثلاثة الأخيرة منها بين المعتقلات والمحاكم والسجون
2ـ4 منذ عودتي إلى مصر والوطن العربي عام 1975، وأنا لا أكُف عن النضال من أجل توأمي حقوق الإنسان والديمقراطية. وكان من العلامات الفارقة لهذا النضال قيامي وآخرون بتأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وتنظيم مؤتمر أزمـة الديمقراطية في الوطن العربي (ليماسول، قبرص 1983)، في مثل هذا اليوم منذ عشرين عاماً (29/11 ـ 2/12/1983). وقد انتُخبت في حينه أول أمين عام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان، وللحركة الديمقراطية العربية. وقد خلفني في هذين الموقعين زملاء أفاضل من المؤسسين للحركتين، أذكر منهم الأستاذ محمد فايق (مصري) ود. خير الدين حسيب (عراقي). وقد وثّقنا هاتين المبادرتين في مجلد ضخم، قمت بالإشراف على تحريره، تحت عنوان "أزمة الديمقراطية في الوطن العربي" (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1984)
2ـ5 إن الاستفاضة في هذا الخلفية ضروري لكي يتبين للكافة، أن نضالي من أجل توأمي الديمقراطية، وحقوق الإنسان، كان سابقاً لأحداث سبتمبر 2001، ولذعوة الرئيس الأمريكي بوش، لديمقراطية في المنطقة بعشرين عاماً على الأقل
2ـ6 حينما تجمعت نذر الحرب على العراق في صيف 2002، بعثت من السجن برسالة للرئيس العراقي صدام حسين (25/8/2002) أدعوه فيها للتخلي عن السلطة طواعية، تفويتنا للفرصة على أمريكا من شن حرب على العراق، وحقناً لدماء أبنائه، وحفاظاً على البنية الأساسية للعراق، وتحاشياً لمزيد من الهيمنة الأمريكية على مصائر شعوب المنطقة. وقد نُشرت الرسالة في حينه، وقبل الحرب بثلاثة شهور على الأقل في صحيفة "وطني" القاهرية وقبل تقديم الشيخ زايد اقتراحاً بنفس المعنى إلى مؤتمر القمة العربية في شرم الشيخ قبيل نشوب الحرب. وقد تجاهل صدام حسين رسالتي، كما تجاهلت القمة العربية اقتراح الشيخ زايد
2ـ7 ادعت أمريكا أن أحد أسباب حربها على العراق هو تخليص الشعب العراقي من براثن الطغيان البعثي، وبناء نظام ديمقراطي في العراق يكون نموذجاً للتحول الديمقراطي في بقية بلدان المنطقة. والقليل من العرب هم من يصدقون أمريكا، التي تفتقر إلى المصداقية، في مسألتي حقوق الإنسان والديمقراطية خارج حدودها، فضلاً عن كراهية الشعوب العربية والإسلامية لها بسبب موقفها المتحيّز بافتضاح لإسرائيل
2ـ8 ومع ذلك فإنني بشخصي، وليس مركز ابن خلدون أو مجلس أمنائه، ومن موقعي كداعية للديمقراطية أعلنت ترحيبي بكل دعوة للديمقراطية، سواء رددها أحد حكام المنطقة أو الرئيس الأمريكي أو أي رئيس آخر ومازالت العبرة لذي هي بالسلوك الفعلي لحكامنا أو حكامهم. وما أقوله هنا في مصر والصحافة العربية، هو ما أقولة في أوربا والولايات المتحدة ـ من ذلك سلسلة مقالاتي في الحياة، التي بدأت بتاريخ 13/8/2003 أو في الواشنطن بوست، التي بدأت في 19/8/2003، وكان آخرها يوم الأحد 23/11/2003
2ـ9 إن كراهيتنا للسياسة الأمريكية في فلسطين والعراق، لا لبس فيها ولا مواربة، وقد سجلتها في مقالي الأخير في الواشنطن بوست. ولكن هذه الكراهية لا ينبغي، من وجهة نظري المتواضعة والتي لا ألزم بها أحد أن تنطوي على تنكر للديمقراطية وحقوق الإنسان، لمجرد النكاية في أمريكا !، فهذه دعوتنا الأصلية، والتي بسببها تعرضت لإجراءات الحراسة، ودخلت السجون المصرية، قبل أن يأتي جورج بوش الصغير إلى السلطة، وقبل أحداث سبتمبر 2001. فمن المراهقة والصبيانية أن أتنكر لدعوة نذرت لها عمري منذ منتصف السيتنيات لمجرد أن رئيساً أمريكياً مكروهاً بدأ يدعو لها هو أيضاً في مطلع القرن الحادي والعشرين
2ـ10 إن استخدام أمريكا وغيرها من الدول المانحة للمعونات كأحد أليات سياستها الخارجية هو أمر معروف وليس بدعه هذا العام فقط. ففي ديباجة قوانين واتفاقيات هذه المساعدات، يرصد المانح شروطه بوضوح وجلاء، بما فيها تلك التي تقدمها الولايات المتحدة لمصر هذا العام والأعوام السابقة. هي ودول نادي باريس من قبل، ودول الاتحاد الأوربي من بعد، فعلوا ذلك من سنوات من أجل الإصلاح الاقتصادي. وكل ما أقترحته بعد حرب العراق هو أن تكون شروط المعونة من أجل الإصلاح السياسي أيضاً، بدلاً من استخدام القوة المسلحة. وهذا مجرد رأي واجتهاد لا إلزم به أحد، وليس لديّ أي قوة أو سلطة لفرضه على أحد. إن هذا الرأي وذلك الاجتهاد هو من وحي ضميري، الذي هو الرقيب الوحيد على ما يقوله أو يفعله أي مثقف مستقل
2ـ11 إنني وغيري من المصريين نتطلع إلى اليوم الذي تستغنى فيه مصر، حكومة ومجتمعاً، تماماً عن المساعدات الخارجية وأن يكون كل إصلاح لشأن مصر هو بإرادة مصرية داخلية خالصة. فهذا اليوم حين يأتي ستكون فيه مصر قد استعادت استقلالها وكرامتها كاملتين غير منقوصتين. ولن يأتي هذا اليوم في {اينا، إلا في مصر الديمقراطية
اقول قولي هذا وأستغفر الله للذين دبروا حملة الاستعداء الأخيرة بنفس الطريقة التي دبراو بها الحملة السابقة لتلفيق القضية والسجن، وإن ربك لبالمرصاد