|
مايو
2005 العدد 126 السنة
الحادية عشر
جنجويد مصر ورهاناتهم الخاسرة
نبيل شرف الدين
على مدار الأيام الماضية ارتكبت الصحافة الحكومية المصرية المسماة بـ "القومية"،
عدة جرائم بحق ملايين المصريين، حيث سكبت على رؤوسهم سيلاً من الأحبار الملوثة
بالزيف في أشد صوره سذاجة، والنفاق في أكثر أشكاله فجاجة، وتدني المعايير المهنية
لحد المجاهرة بما كنا نحسبه عورات في ما مضى، حتى وصل الأمر إلى السماجة، في تلفيق
قصص تهدف أولاً وأخيراً إلى تبرئة ذمة الحزب الوطني (الحاكم) من جرائم البلطجة وهتك
العرض،ولنا أن نتساءل عن سبب نشر خبرين كاذبين من العيار الثقيل خلال أقل من شهر
واحد فى صحيفة الأهرام، اضطرت معهما الصحيفة إلى الاعتذار عنهما. أما الخبر الأول
فقد كذبته رئاسة الجمهورية في بيان رسمي وصفت فيه النص الذي نشرته (الأهرام) لحديث
صحافي أجرته صحيفة كويتية مع الرئيس مبارك، بأنه "نص محرف تعوزه الدقة "، ومرت هذه
الواقعة ولا من يسأل ولا من يحاسب، ثم جاءت الطامة الأخرى حين نشرت الصحيفة خبر
يؤكد تلفيق الزميلة الصحافية التي هتك عرضها أمام نقابة الصحافيين للحادثة ثم تعود
الجريدة للاعتذار بأنها "لم تكن تقصد الزميلة"، ولعلني لا أبالغ ولا أتجنى هنا، حين
أصف هذا السلوك من قبل صحيفة يعمل بها أكثر من 1200 صحافي، فضلاً عن آلاف الإداريين،
بأنه يشكل ـ مع مراعاة أكثر الألفاظ تهذيباً ـ "سقطة مهنية"، فضلاً عن كونه "مهزلة
أخلاقية" بكل المعايير .
ولم تكتف الحكومة وحزبها وأجهزتها بالزفة الإعلامية التحريضية على طريقة وزير
الدعاية النازية "جوبلز"، بل وصلت إلى حد حشد "ميليشيات أرباب السوابق"، واستئجار "الصيّع"،
من أجل "هتك عرض المعارضة"، ولا يبقى أمام المرء فى هذا الموقف سوى مناشدة الزملاء
الصحافيين المصريين أن بلدهم يمر بمرحلة فرز حاسمة، لا مجال فيها لوضع قدم في الجنة
وأخرى في النار، فنحن إزاء مصلحة أمة، ومستقبل بلد، وسيكون الحساب عسيراً لكل من
راهن على استمرار هؤلاء "الجنجويد" في مؤسسة الفساد إلى الأبد، فالعالم تغير، ولسنا
جزيرة منفصلة عما يجري هنا وهناك، وأنصحهم بتجاوز أحجية "الإصلاح الذي لا ينبع إلا
من الداخل"، فهذه كلمة باطل يراد بها الباطل، إذ لم يعد هناك خارج وداخل في عالم
تداخلت فيه المصالح والحسابات، وحتى لو سلمنا ـ جدلاً ـ بصحة هذه المقولة الزائفة
المراوغة، فها هو الإصلاح يبدأ من الداخل بكلمة بسيطة هي "كفاية"، فلماذا تستفزهم
هذه الحروف الخمسة إلى حد التشنج والعصاب؟
|