نشرة
المجتمع المدنى
العدد
135 مارس
2006
تسلط ثم فقر
محمد عبد العزيز
فى مؤتمر ثنائي ضم وزير التجارة الخارجية المصري رشيد محمد رشيد
ونظيره الامريكى كارلوس جوتيريز أعلن الوزير المصري ان مصر غير
مستعدة للدخول فى علاقات واتفاقات تجارية مشروطة سياسيا
عدا تلك التى تتعلق فقط بالاستثمار والتجارة .
واشارا إلى أنه أوضح للجانب الأمريكي خلال منتدى "دافوس" أن الإصلاح
السياسي في مصر "شأن داخلي" ينظمه الدستور والقوانين المصرية. وقال
إن اتفاق التجارة الحرة مصلحة اقتصادية مشتركة لمصر وللولايات
المتحدة وليست "هدية أو هبة" من أمريكا لمصر. وأضاف وانه يتوجب على
كلا الطرفين المصري والامريكى ان يعى جيدا ان تلك الاتفاقية سوف تخدم
اقتصاديات البلدين وانه يتوجب ان تكون منفصلة تمام الانفصال عن
أرتفاع اوهبوط العلاقات بين البلدين. وقد جاء رد وزير التجارة
الخارجية المصرى على هذا النحو بعد ان اعلنت واشنطن الشهر الماضى
عزمها على تأجيل المباحثات المصرية الأمريكية حول إنشاء تجارة حرة
بين مصر وواشنطن حتى تثبت مصر انها بالفعل جادة فى عملية الإصلاح
السياسي . وجاء اعلان الولايات المتحدة لذلك عقب اعلان الحكومة
المصرية عزمها عن تاجيل الانتخابات المحلية لمدة عامين اضافة الى سجن
المعارض المصرى البارز ايمن نور بتهمة التزوير.
ومن ناحيته اعلن الوزير الامريكى ان الولايات المتحدة اذا ارادت عمل
اتفاق معين فانها تسعى دائما الى انجاح ذلك الاتفاق ، لذلك فالولايات
المتحدة لا تريد الدخول فى إتفاق فى وقت لا تسمح فيه الظروف الحالية
بإنجاحه . ومن ثم لا تستطيع الولايات المتحدة حاليا تحديد موعد لعودة
مفاوضات التجارة الحرة "لأن ذلك يتوقف على الوقت الذى قد تستغرقه مصر
فى عملية الاصلاح". واشار الوزير الامريكى الى وجود بعض العوائق
القانونية منها الروتين الحكومى، حيث توجد العديد من اللوائح المعوقة
إضافة الى التأخير فى اجراءات الجمارك، والتكاليف المرتفعة للدخول فى
السوق، ونظام قضائى تجارى بطئ الاستجابة، مؤكدا أن هذه الأمور تؤثر
على الاعمال وتعوق نمو مصر.
ويرى الكثير من المحللون بما فيهم النظام المصرى ذاته ان ربط تلك
الاتفاقيات بالاصلاح السياسى يعتبر تدخلا سافرا فى الشئون الداخلية
المصرية وان الاصلاح شأن داخلى تحدده مصر وفقا لظروفها واحتيجاتها.
لقد تناسى هؤلاء الذين لازالوا يعزفون على اوتار السيادة الوطنية ان
الاصلاح السياسى اصبح ضرورة عالمية ملحة عبرت عنها الدول الكبرى فى
العديد من المناسبات والمبادرات الدولية منها مبادرة " الشرق الاوسط
الكبير"و "الشراكة الأوربية المتوسطية"، و"مبادرة الشراكة بين
الولايات المتحدة والشرق الأوسط" . وتناسى هولاء ايضا ان التزايد
المضطرد فى عدد الأفراد المحرومين من حقوقهم السياسية والاقتصادية في
منطقة الشرق الاوسط سوف يؤدى بدوره الى زيادة التطرف والإرهاب
والجريمة الدولية والهجرة غير المشروعة. وقد استجاب بعض الزعماء في
الشرق الأوسط الكبير بالفعل لهذه النداءات واتخذوا خطوات جادة في
اتجاه الإصلاح السياسي والاقتصادي. واذا نظرنا الى تلك الاتفاقيات
التجارية التى تبرمها مصر مع الدول الغربية نجد ان مصر هى المستفيد
الاول من تلك الاتفاقيات نظرا لان مصر لا زالت تمتلك اقتصاد هشا لا
يمكنه الدخول فى منافسة مع اقتصاديات الدول الكبرى مثل الولايات
المتحدة . فأتفاقية التجارة الحرة المجمدة كانت ستسمح بأعفاء السلع
المصرية من دخول الأسواق الأمريكية تدريجيا على مراحل تمتد حتى سنة
2020 . الأمر الذى كان سيؤدى بدوره الى تشجيع المستثمر المصرى ويزيد
من كفاءة الانتاج. الا ان النظام الحالى لا يهمه سوى الابقاء على
تسلطه. فهو على استعداد تام بان يضحى بالكثير من المنافع الاقتصادية
التى قد تنعكس بالايجاب على حال المواطن المصرى البسيط الذى يعانى من
ازمات اقتصادية طاحنة ، مقابل ان يحافظ على بقائه وتسلطة . واذا كان
وزير التجارة الخارجية المصرى يردد دائما ان الاصلاح السياسى شان
داخلى فمن حق الطرف الاخر الذى سيقوم بابرام اتفاقيات اقتصادية معنا
ان يكون مطمئنا تمام الاطمئنان من نجاح تلك العلاقة، فهم يريدون
تعاملا إقتصادياً فى ظل بيئة سياسية مستقرة وهذا امراً طبيعياً .
فلا يمكن ان نتخيل ان تنجح تلك العلاقات والاتفاقيات الاقتصادية
والتجارية فى ظل وجود نظام سياسى يتسم بعدم الاستقرار والفساد و
يبتلع اى رخاء اقتصادى تشهده مصر.
واخيرا فان الرفض المستمر للنظام المصرى باجراء اصلاح سياسى حقيقى
يمكنه ان يؤدى بدورة الى عواقب وخيمة قد تصل الى قطع المعونات
السنوية التى تحصل عليه مصر من الولايات المتحدة مما قد يؤدى الى
تضاعف المشكلات الاقتصادية التى تعانى منها مصر. مما قد يؤدى الى
استمرار حاله التسلط والفقر التى يعيشها المواطن المصرى البسيط. لذلك
يتوجب على النظام المصرى ان يدرك جيدا ان اى اصلاح اقتصادى لن يؤتى
ابدا بثماره طالما ظل التسلط والاستبداد والفساد. واخيرا يجب على
النظام المصرى ان يبدء فورا في تسريع معدلات الاصلاح السياسي وتعميمه
وصولا الي أفضل معايير الأداء الديمقراطي وبصورة خاصة الغاء قوانين
الطواريء وضمان تحسن سريع وعميق في أوضاع حقوق الإنسان, واصدار
قانون استقلال القضاء الذي يطلبه نادي القضاة, واتخاذ خطوات كبيرة
في مجال الاصلاح الدستوري