نشرة المجتمع المدنى

العدد 135 مارس 2006

أرضية الإصلاح في عيون النساء

نجلاء الإمام

إن الإصلاح والتغيير أضحى مطلبا تنادى به كل القوى والحركات على اختلاف أنواعها . فمنذ عامين تقريباً تجمع حشداً من النساء يمثلن 21 جمعيه ومنظمه غير حكومية من 14 دوله عربيه قد اجتمعوا في الدار البيضاء لعرض تجاربهم وخبرات منظماتهم وعرض أشكال التعبئة والمبادرة في أوساط الحركة النسائية والمجتمعات المدنية العربية من أجل إصلاح قوانين الأحوال الشخصية. وقد توصل الحضور إلى أهمية التنسيق بين الحركات النسائية العربية بخصوص تغيير قوانين الأسرة في هذه البلدان بما ينسجم مع رؤى هذه الحركات حول موضوع التغيير وآلياته والشروط الضرورية

 له. وبناء عليه نتقدّم بهذه الأرضية (البلاتفورم) إلى الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، وإلى قوى المجتمع المدني في البلدان العربية، سعياً لإيجاد صيغ وآليات عمل مشتركة تسهم في دفع وتسريع عجلة الإصلاح في هذه البلدان. إنّ الحالة العامة السائدة في البلدان العربية مطبوعة بالظلم القانوني والمجتمعي الذى يمارس في حق المرأة، والذي يضعها في مرتبة القاصر الأبدي.

وانطلاقاً مما ذكر يمكن التوصّل إلى استخراج بعض عناصر التحليل والشروط القائمة حول التجارب المختلفة وظروفها وآليات عملها وإيقاعات الإصلاح وعناصر الجمود التشريعي الذي تم تشخيصه في العديد من البلدان العربية والتي أمكن تلخيصها كما يلي: 

1ـ دور النخب الحاكمة وحدودها:

لقد اتضح أن للنخب الحاكمة دوراً كبيراً فيما آلت إليه ظروف النساء في المجتمعات العربية، وأن قضية الأحوال الشخصية في العالم العربي ليست مرتبطة بالدين ولا بالشريعة إلا في جزء منها، واتضح أيضاً أن شرط وجود النخبة السياسية الحداثية، إذا كان ضرورياً  فهو غير كاف وينبغي أن يسانده عدد من الشروط التى لابد من توفرها لضمان نجاح عملية التحديث واستمرارها وأهم هذه الشروط هي:

ـ تحقيق الاستقرار السياسي على المدى المتوسط والبعيد بشكل يسمح بحدوث قراراتُ فوقية تؤدى الى تحولات داخل المجتمع تجعله يتملك فعلاً الإصلاحات ويحولها إلى مكتسبات ثابتة.

ـ التطور المتناغم داخل المجتمع ذاته، فالتحولات ذات الإيقاعات المتباينة في المجتمع الواحد قد تنذر بتناقضات صارخة وبخطر التراجع عن المكتسبات.

 ـ وجود نخبة سياسية عميقة الاقتناع بما تقدم عليه من إصلاحات وترفض التراجع عمّا تحقق في هذا الشأن مهما تعرّضت إليه من ضغوط.

 2ـ الانفتاح السياسي وقوة المجتمع المدني:

 لقد تبيّن أن خير ضامن لبقاء الإصلاحات الفوقية هو وجود مجتمع مدني قوي بمنظماته النسائية والحقوقية وأحزابه وثقافته المدنية والسياسية بحيث يكون هو المحرك الأساسي لبلوغ الإصلاح عندما تتلكأ النخبة الحاكمة في إجرائه وذلك من خلال نضاله وضغطه المطلبي. فنجاح عملية الإصلاح والتحديث يتوقف على قوة المجتمع المدني الذى يمكنه ان يساهم فى تحويل قضية قوانين الأحوال الشخصية إلى نقاش مجتمعي واسع، وذلك بصرف النظر عن الحدّة التي قد تتجلى في ردود أفعال القوى المناهضة لهاتين المسألتين. وتبين أيضاً أن هناك علاقة جدلية بين مطالب الحركة النسائية والديمقراطية، ودمقرطة المجتمعات العربية بإعتبارهما مسارين متكاملين يدعم أحدهما الآخر. وأن التعددية تفرز على المدى المتوسط ثقافة سياسية ومدنية مجتمعية قادرة على تجاوز معطيات التنمية الغائبة.

3ـ الحركة النسائية:

 الحركة النسائية جزء لا يتجزأ من الديناميكية والمدنية المشار إليها. ولكي تكون كذلك لابد لها من الحفاظ على استقلاليتها وتعاضدها في شكل شبكات دينكاميكية داخل البلد الواحد، بما يمكنها من بلورة آليات وثقافة نضالية تستفيد من هوامش الحرية المتاحة في كل مجتمع. ولا نعني باستقلالية الحركة النسائية القطيعة مع الأحزاب السياسية بل هي استقلالية تفرضها ضرورة خصوصية القضية النسائية فلسفياًو ثقافياً وتنظيمياً، وهي استقلالية مشاركة وتفاعل مع جميع الحركات السياسية بما يسمح لهذه الحركة باكتساب تأييد قوى المجتمع السياسي، لحظة النقاش، ويمكّنها من أن تلعب دوراً حاسماً في إيقاف كل عملية تراجع محتملة عن الإصلاح.

ولابد من الإشارة إلى ضرورة استخدام الإعلام بشكل خلاق وواقعي في معركة الإصلاح كما تجدر الإشارة أهمية العلاقة بين الحركة النسائية والنخب الفكرية في المجتمع بما يدفع هذه النخب للتفكير الجدّي في موضوع القضيّة النسائية واقتراح مشاريع إصلاحية، علماً بأن تحقيق ذلك مرهون بانفتاح المجتمع واتساع آفاق النقاش وحرية الصحافة.

4ـ العلاقة بالدين:

بالنظر إلى واقع المجتمعات العربية وموضوع علاقة قوانين الأسرة بالدين يتضح أن هناك حضور قوي للثقافة الدينية والأعراف والتقاليد داخل المجتمع ، إضافة إلى الحركات الأصولية التي تستخدم الدين كورقة سياسية. ولاشك أن الانتشار القاعدي للثقافة الدينية شبه الأصولية يشكل عائقاً أقوى أمام مبادرات الإصلاح من تلك الحركات السياسية الأصولية بخاصة أن ضعف المشروعية الديمقراطية لدى العديد من الأنظمة العربية يجعلها تختبئ وراء ما يزعمونه من احترام الشعور والتقاليد الدينية وتتخذه ذريعة كي لا تقدم على الإصلاحات الضرورية.

 وتختلف آراء ومواقف الحركات والفعاليات النسائية في البلدان العربية بين مدافعات عن المقاربة البيداغوجية التي تسعى لإعادة امتلاك الخطاب الفقهي وبلورة قراءة مقاصدية اجتهادية تساهم في ملائمة التشريعات العربية مع المنظومة القانونية العالمية في مجالات حقوق الإنسان، وبين اللواتي يدعين إلى الالتزام بالدفاع عن قيم العدل والمساواة والإنصاف المتعارف عليها في المواثيق الدولية انطلاقاً من متطلبات التحديث والتغيير في المجتمعات العربية، ومما يجدر ذكره أن الاختلاف في كلا الموقفين لا يؤدي إلى التعارض بينهما إذ هو اختلاف حول الوسيلة دون الغاية. إذ ان كلاً منهما يسعى، حتماً، إلى تحقيق إصلاحات شاملة، سياسية ومجتمعية، تعتمد على مبدأ المساواة التامة ومناهضة ورفع التمييز ضد النساء في البلدان العربية كيفما تجلّى في الأسرة والمجتمع والسياسات العامّة، وتستند في ذلك إلى معطيات التراث التحرري العربي والإنساني ومبادرات الإصلاح في البلدان العربية، وبخاصة منها، مبادرات المجتمع المدني والحركات الديمقراطية فيها، كما تستند إلى الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة وإلى المواثيق الدولية الأخرى.

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية