نشرة المجتمع المدنى

العدد135 مارس 2006

 

ابن خلدون المفكر وابن خلدون المؤسسة
د/ سعد الدين ابراهيم

في يوم 18 مارس 1406، رحل عن الدنيا، في أحد منازل القاهرة بمنطقة باب الفتوح، المفكر العربي الإسلامي، عبد الرحمن بن خلدون، قاضي قضاة المذهب المالكي، وبوفاته، تلاشى بقايا عصر الازدهار العربي ـ الإسلامي. فقد كان ابن خلدون آخر سلسلة من عظماء المفكرين، التي شملت الفارابي، وابن سيناء، والمواردي، والغزالي، وابن رشد، وآخرين.

ولكن أهم من تصميم وموقع مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، هو أن المركز استوحى روح هذا المفكر العملاق في التصدي لأهم مشكلات وتحديات العصر، والاجتهاد بشأنها، بلا حدود أو قيود. ومن ذلك دراستنا للاستبداد والفساد في عصرنا، وكذلك لهموم الملل والنحل والأقليات، ونقد الفكر الديني الذي تجمد، ثم تحجر خلال القرون العشرة الأخيرة. وسعى المركز لاقتراح الحلول والبدائل لمواجهة التحديات والمشكلات، وكما كان ابن خلدون خلافياً في حياته، وكما أغضب سلاطين عصره، فكذلك فعل المركز الذي اقتفى سيرته ومنهجه وشجاعته، فلقي المركز وما يزال نفس المصير. وآية ذلك ما تعرض له العاملون فيه من تشريد، وتنكيل، ومحاكمات وسجون، كان أخرها خلال سنوات من 2000 إلى 2003. وكما لم يخضع أو يخنع ابن خلدون في حياته، فكذلك المركز ـ المؤسسة الذي تبنى اسمه ومنهجه بعد ستة قرون من وفاته. والله أعلم.

إن هذا الفكر الخلدوني كان وما زال مبهراً لمعاصريه ثم للأوروبيين طوال القرون الأربعة التالية ويقال أنه كان ذو تأثير مباشر أو غير مباشر على ميكافيللي، وخاصة في صياغة ومضمون كتابه الأشهر، وهو "الأمير"  الذي كان مستشاراً لحكام الجمهوريات الإيطالية، والتي أسدى فيها نصائحه، وضمتها المقولة الذائغة الصيت وهي أن "الغاية تبرر الوسيلة". ولكن الأكثر تأثراً بالفكر والمنطق الخلدوني في المغرب. ثم انتقل ابن خلدون إلى المشرق، حيث عمل مستشاراً وقاضياً ومعلماً في القاهرة والحجاز، ودمشق. وفي هذه الأخيرة التقى بالغازي المغولي تيمور لنك، وحاوره، على أمل أن يثنيه عن تدمير ونهب المدن والأقطار التي يغزوها. وطبعاً، لم يعمل تيمور لنك بنصيحة ابن خلدون، ولم يوقف الزحف المغولي ـ التتاري إلا بالجيوش المصرية ـ الإسلامية التي قادها أمراء المماليك، وخاصة الأميرين عز الدين قطز والظاهر بيبرس.

عاد ابن خلدون من جولته المشرقية ليستقر في مصر، وبدأ كتابة أهم أعماله على الإطلاق، وهو "المقدمة في أخبار العرب والبربر". وأرسل الرجل لأسرته التي كانت تعيش في تونس لتأتي وتستقر معه في مصر. ولكن الباخرة التي حملتها غرقت قرب شواطئ الإسكندرية. فحزن ابن خلدون حزناً عميقاً، واعتكف عن الناس وعن الحكام، وتفرغ للكتابة بقية حياته.

والسؤال هو لماذا تنّقل ابن خلدون كثيراً بين بلدان المغرب والأندلس والمشرق، وعمل مستشاراً لحوالي عشرة من حكامها؟

كان الرجل موهوباً، وكانت سمعته هي التي تجعل الحكام يطلبونه ويحتفون به. ولكن ابن خلدون كان يعتز باستقلاليته، ويحرص على حرية الفكر والحركة، وعلى قول "الحقيقة" للسلطان. ولأن معظم السلاطين لا يرحبون بمن يراجعهم، أو يختلف معهم أو ينتقدهم، فقد كان عمر ابن خلدون قصيراً في قصورهم. وكثيراً ما كانت تحاك ضده المؤامرات والدسائس، لا فقط من أعوان السلطان، ولكن أيضاً ممن يحترفون الكتابة والقضاء وعلوم الدين، غيرة من ابن خلدون وتميزه في هذه وغيرها من المجالات وقد سجن ابن خلدون أكثر من مرة، بل وصدرت الأوامر بإعدامه. ولكنه كان يفر في آخر لحظة، وينجو من الهلاك. ونادراً ما عرفت الحضارة العربية الإسلامية في عصورها الوسيطة شخصية جمعت بين العبقرية الفكرية، والخدمة العامة، والدهاء السياسي، والشجاعة الدينية، مثل عبد الرحمن ابن خلدون.

فماذا عن ابن خلدون المؤسسة؟

لم يعد اكتشافه بواسطة أبناء ثقافته وأمته العربية الإسلامية إلا في أوائل القرن العشرين، أي بعد خمسة قرون من وفاته. فبين القرنين الرابع عشر والتاسع عشر عاش العرب والمسلمون عصر انحطاط فكري وسياسي، بسبب إقفال باب الاجتهاد وانتشار الاستبداد، والفساد، والخرافات، والخزعبلات. وفي مناخ مثل ذلك لم يكن هناك لا مكان لأمثال ابن خلدون أو ابن رشد، ولا طلب على فكرهم النقدي العقلاني، بينما كان العكس صحيحاً تماماً في أوروبا. وفقط حينما بدأ العرب يستيقظون في القرن العشرين، ويعيدون اكتشاف أوروبا، فإنهم من خلالها أعادوا اكتشاف أمجاد أسلافهم الأعظمين، ومنهم ابن خلدون. ومع أعادة الاكتشاف هذه، بدأوا يشيدون بهم، ويحيون تراثهم، ويكرّمون سيرتهم. وظهرت عشرات الكتب ومئات المقالات التي تناولت أعمال ابن خلدون. وسميت مدارس وشوارع وميادين باسمه في أنحاء متعددة من الأقطار العربية والإسلامية. واعد كثير من رواد النهضة العربية الحديثة في القرن الماضي رسائل الدكتوراه، وهم طلاب   يدرسون في الخارج، عن هذا الجانب أو ذاك من الفكر الخلدوني. ولعل أشهر هؤلاء طه حسين من مصر وهو يدرس في فرنسا، وعلي الو ردي من العراق وهو يدرس في الولايات المتحدة.

وحينما نضجت في ذهن كاتب هذا المقال فكرة إنشاء مركز مستقل للبحوث والدراسات الاجتماعية، لم يجد هو وزملائه الذين تحمسوا للفكرة اسماً أفضل من اسم ابن خلدون لإطلاقه على المركز الوليد، عام

1988. وصمم بناية المركز على النسق الأندلسي المعماري المصري العظيم الراحل حسن فتحي، واحد تلاميذه عمر الحكيم، واختيرت ربوة تلال المقطم كموقع للمركز، على مقربة من قاهرة المعز، حيث عمل ابن خلدون في سنوات إقامته في مصر، وعلى مرمى حجر من باب الفتوح، حيث مات ودفن عام 1406.

كانت عظمة ابن خلدون هي أنه جمع بين عبقرية الفكر النظري من ناحية والتطبيق العملي من ناحية أخرى. تجلت عبقرية ابن خلدون النظرية في اكتشافه لعدد من قوانين حركة المجتمعات والعمران البشري. فقد لاحظ الرجل الأنماط الرئيسية الثلاثة للعمران في زمانه، وهي معيشة "الحضر" (المدينة)، و "البداوة" (القبيلة)، و"الريف" (القرية) ولاحظ أن العلاقة الجدلية بين هذه الأنماط الثلاثة (أي الشد والجذب، الكر والفر) هي التي تفسر دورة صعود، وانحلال، ثم سقوط الممالك والدول في زمانه، ثم صعود وانحلال وسقوط غيرها، وهكذا. وكانت آلية وروح هذه العلاقة الجدلية، هي ما أطلق عليه ابن خلدون "العصبية" ـ أي الولاء المطلق لأقرباء الدم، والتحيز لهم، والتهيؤ لنصرتهم، ظالمين أو مظلومين. والقبيلة أو البداوة هي المخزون الأكبر "للعصبية". فهي التي تمكن أحد القبائل من الزحف على الريف، ثم على الحضر، حيث تكون الأسرة الحاكمة في مجتمعها قد فقدت روح عصبيتها وانغمست في حياة الترف والملذات، ففسدت وضعفت. ومن ثم تسقط كبيت من ورق، تحت هجمة أصحاب العصبية الجديدة، الذين يصبحون أسرة حاكمة جديدة، يجري عليها ما جرى على ما سبقها من ضعف وفساد وتحلل. 

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية