نشرة المجتمع المدنى

العدد 137 مايو2006
 

القضاة وشرك النظام
محمد عبد العزيز

فى اواخر شهر مايو قامت محكمة النقض القضائية بتبرئة ساحة احد القضاة ( المستشار محمود مكى) و المتهم بأفضاح ما حدث من انتهاكات شابت الانتخابات التشريعية الماضية، بينما وجهت المحكمة اللوم الى المستشار هشام البسطويسى ، الذى سقط مريضا اثر ازمة قلبية نقل على اثرها الى المستشفى وذلك قبل ساعات قليلة من انعقاد المحكمة.

وأخيرا يجب الا يقع القضاة والمجتمع المدني فى الشرك الذي نصبته الحكومة والمتمثل فى الأحكام الصادرة تجاه المستشارين المحالين للتأديب ، والذى تحاول الحكومة عن طريقة تخدير الشارع المصري والقضاة ومنظمات المجتمع المدنى حتى تتاح لها الفرصة لتمرير مشروعها الغير معلن . فاذا كان المشروع المقترح من قبل الحكومة سيؤدى بالطبع الى استقلال القضاء فلماذا لاتخرجه الحكومة الى النور؟  هل ينتظر ترزية القانون ما ستأتى به الاحداث حتى ينتهوا من التفصيل ؟ نعم ، فاذا عاد المعتصمون الى ثكناتهم فلن يبذل هؤلاء الترزية جهدا كبيرا للانتهاء من مشروع القانون ، اما اذا استمرت الاعتصامات وزادت حدتها ، فلن يجد الترزية مفر من تفصيل مشروع نصف اصلاحى ، يهدأ غضب الشارع..

والخوف كل الخوف فى ان يؤدى غلق ملف مكى والبسطاويسى الى تراخى قوى المجتمع المدنى الذى قد يعود الى كهفه ليقضى الصيف فى ثبات عميق ، معتقدا ان الازمة قد انفرجت وان المعركة قد انتهت ، فى حين ان المعركة الحقيقية مازالت هناك تحت تصرف الاجهزة التشريعية.

ففى الوقت الذى ما زالت ترفض فيه الحكومة تداول وطرح قانون السلطة القضائية المقدم من طرفها ، والذى بالطبع لن يقدم اى اصلاح ولن يؤدى الى استقلال السلطة القضائية، يتخوف الكثير من المحللون من ان تقوم الحكومة بدفع مشروعها الى البرلمان دون ان يأخذ المشروع  نصابه القانوني الصحيح ودون طرحه  للمناقشة .

ووسط تلك الاضطرابات والصخب الشديد والاعتصامات التى حدثت تضامنا مع القضاة المحالين للتأديب ، استمر نادى القضاة.

فى ضغوطه المطالبة بتفعيل قانون الإصلاح القضائي  المقدم من قبله ، وبدء شيوخ القضاة فى الظهور فى برامج حوارية فى القنوات الفضائية المتعددة ، ونزلوا الى الشوارع فى اعتصامات و مظاهرات ، التقوا خلالها بدعاة الديمقراطية والنشطاء . واشترك الطرفان فى عزف سيمفونية واحدة تنادى بالعدل والديمقراطية. والمثير فى هذا كله هو خروج الإسلاميين متمثلين في حركة الأخوان المسلمين وممثليهم  فى البرلمان الى الشوارع لأعلان تضامنهم مع القضاة

وعلى الجانب الاخر نجد القضاة المواليين للنظام يعلنون دائما انه لا يوجد هناك اى مشكلة وان السلطة القضائية مستقله بالفعل. وهم يرون ايضا ان هؤلاء القضاة المطالبين بالإصلاح يشوهون سمعتهم نظرا لانهم يتحولون الى ما يشبه الحزب المعارض ، الأمر الذى يتعارض مع مكانتهم كسلطة ثالثة.  نعم فالقضاء يفترض به ان يكون سلطة ثالثة ولكنها للأسف ليست مستقلة ، وإذا ما  فقد القضاء استقلاله فلن يكون هناك مجال للتحدث عنه كسلطة على الاطلاق لا ثالثة ولا رابعة.

وقد وصف الكثير من المحللون الحكم على انه مراوغة تقوم بها الحكومة للتراجع عن موقفها تجاه المستشارين المحالين للتأديب ، مع العمل على حفظ ماء الوجه . فأذا اقترضنا لأى سبب من الأسباب إن المستشار هشام البسطاويسى  أطال الله فى عمره  لن ينجح فى تخطى محنته المرضية ، حينها لن تصبح القضية محل نقاش  ، وساعتها لن تجنى الحكومة سوى مزيدا من الغضب الشعبى والاعتصامات المتتالية التى انفجرت مؤخرا فى قلب العاصمة المصرية وعلى مسمع ومرأى وكالات الانباء العالمية. اما اذا تشافى البسطاويسى من مرضة ، ساعتها ستحاول الحكومة حل الازمة بشكل هادىء بعيدا عن الاضواء وصخب الشارع .  لذلك فتوجيه اللوم للمستشار البسطاويسى وتبرئة ساحة المستشار مكى يعتبر تراجعا واضحا للحكومة عن موقفها تجاه القضاة نظرا للضغوط الدولية والداخلية الكبيرة التى واجهتها من قبل الغرب والتى ادانت الوسائل الوحشية التى اتبعها جهاز الامن فى قمع المعتصمين المؤيدين للقضاة بما فيهم القضاة انفسهم.

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية