نشرة المجتمع
المدنى
العدد
137 مايو2006
العولمة وقضية
التنمية
فاروق العشري
حينما أثار
المفكر الأمريكى "فرنسيس فوكو ياما " فى صيف عام 1989 لفظاً فكريا
عارما ، حين نشر مقالة بعنوان "هل هي نهاية التاريخ ؟"، . كان يرقب
وقتها المشاهد المثيرة والمبهرة لثورات شعوب أوربا الشرقية على
الهيمنة السوفيتية ، وهي ثورات بلغت ذروتها بإنهيار سور برلين وموت
الإتحاد السوفيتى بالسكتة القلبية ، وتهلل فوكوياما فرحان وهو يقول
: هذه نهاية التاريخ ، بمعنى انتصار الليبرالية والرأسمالية ، وعكف
على أفكاره يبلورها في كتاب شهير اصدرة عام 1992 بعنوان "نهاية
التاريخ والإنسان الأخير. " وقد جرى التساؤل علي مدار تلك الفترة
إلى أى مدي تصدق بنؤة فوكوياما ، وأنبرى الكثيرون من ورائه مرددين
أنه الانتصار النهائى في حركة التاريخ ، معلناً تبوأ النظام
الرأسمالى وبقيادة الغرب وعلي رأسة الولايات المتحدة تحديدا لعرش
الامبراطوراية العالمية.
وطول تلك الفترة كان يجرى التبشير بالعولمة علي اساس كونها حلقة
جديدة من حلقات التطور الانسانى ، يتحدد فيها الشطر الاعظم من
الحياة الاجتماعية بفعل تحولات كونية GLOBAL تذوب فيها الثقافات
القومية ، والانتصارات القومية والحدود القومية ؛ بما يعنى أن
الدولة القومية في طريقها إلي أن تختفي وتزول ،. أنها إذا بقيت
ستبقى عاجزة عن التخطيط والرعاية الإجتماعية للبشر الذي تحكمهم ،
وترتبت علي ذلك تخريجات في مجال القانون الدولي تستبيح التدخل فى
الشئون الداخلية للدول الأخري ، تحت ستار حماية حقوق الإنسان او
نشر الديمقراطية ،او ماشابة ذلك من مفاهيم هي بطبيعتها نسبية وغير
محدودة بدقة ، وموضوع خلاف في التعريف ، ولكن المهم لدى البعض انها
ستكون تكئات مقبولة لضرب بقدسية مبدأ إحترام سيادة الدولة القومية
وعدم التدخل الخارجى في شئون هي من صميم سيادتها الداخلية .
العولمة الإقتصادية:
وتعتبر العولمة الافتصادية هى جوهر عملية وأفكار العولمة، وهي تعلن
في افكارها أن أهدفها هو تحقيق التنمية الاقتصادية على أساس أقتصاد
عالمى ( كونى ) يؤدي إلى اندماج كافة الإقتصاديات والبلدان في إطار
الاقتصاد العالمى ، والحقيقة الماثلة للعيان اننا في اطار التجليات
الاقتصادية للعولمة تواجة عملية إنتقائية واضحة المعالم يحاول
الغرب المتقدم بقيادة الولايات المتحدة أن يفرضها على الجميع
بالصور التى تحقق مصالحة في المقام الاول . فالعولمة كا يراه لغلاة
الليبراليين تقتضى حرية انتقال السلع والخدمات رؤوس الاموال
والافراد على حد سواء ، ولكن التطبيق العملى لهذه القاعدة يستثنى
منها الافراد ، او بالأحرى " العمالة " بشكل حاسم ويركز على حرية
التجارة ( انتقال السلع والخدمات ) وحرية رؤوس الاموال بكل صورها
من الاستثمار في البورصات وغيرذلك ، اما حرية انتقال " العمالة "
من بلد إلى بلد فتلك قضية أخرى تحول دونها الحوائل الطبيعية. ويريد
الغرب عولمة انتقائية تسمح لرؤوس اموالهم وشركاتهم بالإنتقال الى
اسواق العمل الرخيصة فى البلدان النامية للأستفادة من انخفاض
الاجور في هذه البلدان النامية والفقيرة بالانتقال العكسى إلى
اسواق العمل ذات الاجور المرتفعة فى الدول الغنية حتى لو كان هذا
الانتقال فيه حل لأعتى مشكلات البلدان النامية وهما الفقر والديون
. وهكذا يتأكد شعارات المنافسة والحرية والعولمة من جانب الغرب ،
انما ترتبط بشرط وحيد هو ان تحقق لهم مصالحهم ، ولا تترك للأخرين
سوى الفتات .ويجرى فرض العولمة والترويج لها ، كنظام كونى ، تعمل
الدول الغربية على فرضة ، وتقرر مصائر الشعوب ، وتفرض من خلاله
رؤاها ولو بالقوة وكذلك من خلال خمس منظمات كبرى هى منظمة التجارة
العالمية ، وصندوق النقد الدولى ، والبنك الدولى ، ومنظمة التنمية
والتعاون في اوربا، ومنظمة حلف شمال الاطلنطى " الناتو "،، ومن
خلال ترتيب وعقد مؤتمرات واشكال تنظيمية فوق الدولية تتمثل حاليا
في مؤتمرات دافوس الدورية ، الذى وصفته الدول الثمانى الكبرى فى
اليونسيف 2004 إقراراً للمشروع الذى تقدمت به الولايات المتحدة
الأمريكية منذ عام 2002 تحت اسم الشرق الاوسط الموسع ، وبالنسبة
للوطن العربى تحديداً ، ولفرض ادماج دولة الكيان الصهيونى قي
المنطقة ، كانت اتفاقات الكويز، واتفاقية الشراكة الاوربية ،
وعملية برشولونة ، والشراكة الاوربية ، ومنبر المستقبل ، والمنتدى
الاقتصادى ، وترتيبات واجتماعات منظمة التجارة العالمية وترتيبات
حلف الناتو الاخيرة بين مجموعة من الدول العربية ( سبع دول وعلي
رأسها مصر واسرائيل لتوفير الجانب الامنى وإجراء المناورات
المشتركة تحت سيطرة الحلف .. كلها أدوات ووسائل وأساليب لفرض
الهيمنة الامبرالية الامريكية الصهيونية تحت ستار العولمة .
العولمة وانهيار العدل الإجتماعى.
في ظل المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التى ظهرت مع تطبيق سياسة
وأفكار العولمة ، فأن دائرة الفقر والتخلف تزداد اتساعا بين الدول
الغنية والدول الفقيرة ، كما انعدم العدل الأجتماعى أزادادت
حدة الفقر والتفاوت فى الدخول على مستوي الدولة الواحدة ، وفى
تقديرى أن الصراع والصدام الحقيقى الذى سوف يشهده العالم فى
المستقبل ، وسوف يكون صراع وصدام طبقات " داخل المجتمع العربى نفسه
وليس مع العرب او المسلمين او غيرهم ، فى الدول المتقدمة والنامية
معا ، واصبحت قضية قابلة للنمو المتزايد ، ومن ثم انخفضت قدرات
المستهلكين ، واتسعت دائرة المحرومين ، وبدأت تغييب عن الافق دولة
" الرفاه" التى كان ينعم بها الغرب ، والتى كانت حلما يراود بلدان
العالم الثالث وتبرز الاحصائيات أن 358 مليار فرد فى العالم
يمتلكون ثروة تضاهى مايملكه 2.5% من سكان المعمورة ، وان هناك 20%
من دول العالم تستحوذ على 85% من الناتج العالمى والاجمالى وعلى
84% من حجم التجارة العالمية . وان الفقراء أخذت تسحقهم ألة
العولمة الامريكية المتوحشة ،والامثلة الصارفة على ذلك ، هى ان
الفجوة بين الاغنياء والفقراء فى العالم فى اتساع مستمر ، فلقد
كانت النسبة بين الغنى والفقير فى عام 1960 تساوى 30 الى واحد ، ثم
قفزت فى عام 1990 لتصبح 60 الى واحد ، واصبحت 74 ألى واحد فى عام
1997 والارقام لاتزال تتوالى والفجوة تتسع وتتعمق ، وفى بداية
الالفية الجديدة يعيش نحو 1.5 مليار شخص فى فقر مدقع بينما 15% من
ثروة 225 شخصا ومن الاكثر غنى على كوكب الارض تكفى لمواجهة متطلبات
التغذية والسكن والصحة والتربية لفقراء العالم مجتمعين . وهناك نحو
150 شركة عابرة للقارات ومقرها فى الدول الصناعية الكبرى . تمثل
الموتور المحرك للعولمة الاقتصادية ، وتتأثر بنحو 70% من حركة
التجارة العالمية ، وتقود 80% من الاستثمارات الاجنبية المباشرة ،
ومع ذلك لا تقوم بتوظيف سوى سوى اقل من 3% من العمال فى العالم .
وبات راسخا فى الذهان ان عولمة الاقتصاد على الطريقة الامريكية ولم
تؤد الا الى شيئبن :
الاول : زيادة الاقوياء قوة ، والاثرياء ثراء ، والفقراء فقراَ .
الثانى : تكريس عدم الاندماج بين الفئات الاجتماعية بعضها البعض فى
المجتمع الواحد ، او بينها وبين البيئة المحيطة . وحدث انقسام بين
شرائح الطبقة العاملة التى كانت من اقوى الطبقات تماسكا فى المجتمع
الصناعى ، فهناك فئة تعانى البطالة ، وفئات اخرى تزداد الطلب عليها
وترتفع مستويات دخولها . ولذلك اصبحت الطبقة العاملة بمختلف شرئحها
تتعرض الى نوع من انقسام والتفتت المستمر ومن جانب اخر ولم يعد
الانقسام الاجتماعى الطبقى فى اطار من يملكون ومن لا يملكون كما
كان المجتمع الصناعى ،وانما بين من يعرفون ومن لا يعرفون ، وهو
مايعنى تغير جزرياً فى مفهوم العدالة الاجتماعية والوظيفة
التوزيعية للنظم السياسية المعاصرة .
العولمة
والدول النامية .
تتسم الدول النامية إنخفاض معدلات الناتج المحلى ، والتخلف العلمى
والتكنولوجى ، ونقص الموارد، وتدنى نسبة المدخرات المحلية لأنخفاض
مستوى الدخل القومى ، وزيادة معدلات الفقر وتدهور مستوى الخدمات
الصحية ، والنظم التعلمية ، وعجز الصادرات ، وانتشار الامية ،
وزيادة حدة البطالة وهى مشاكل بنوية لعجز القطاع الخاص والاستثمارى
، وتقصر موارد الهيئات والمنظمات والجمعيات الاهلية عن امكانية
مواجهتها منفردة ، لذلك يصبح هناك دورا محوريا وجوهريا للدوله
بكافة امكانياتها وطاقتها واجهزتها للتدخل فى تخطيط او توجية او
قيادة الاقتصاد القومى ، ليعمل فى نطاق أليات كلا من الدوله (
القطاع العام ) والقطاع الخاص والقطاع الاستثمار والتعاونيات
والافراد والمجموعات فى تكامل وتناغم لتحقيق عملية تنمية شاملة (
اقتصادية واجتماعية وبشرية ) تتكاتف فيها كافة موارد الدولة
والمجتمع ومايمكن ان تحصل عليه من موارد خارجية سواء فى شكل منح او
هبات او قروض او مساعدات " غير مشروطة " وهو التكامل الذى تعمل
العولمة على حزبه بالكامل وإضعاف دور الدول بل تلاشيه تحت شعارات
القطاع الخاص والسوق الحرة والمنافسة قادرة على تحقيق مصالح
المجتمع دون تدخل من جانب الدولة ... ومن هنا وضعت سياسيات واساليب
العولمة العديد من المعوقات لإخساف دور الدولة وعدم تمكينها من
المشاركة فى احداث عملية التنمية الشاملة بوجهيها الاقتصادى
والاجتماعى الذى تحتاج اليه الدول النامية ، من ذلك سياسة استنزاف
الموارد والخامات بأبخس الاسماء من الدول النامية ، والعمل على
ادماج اقتصادها فى الاقتصاد العالمى حتى تصبح صناعة الدولة
واقتصادها مجرد حلقة لسلسة انتاجية ، لا تملك فيها الدول النامية
قرارها او حرية ارادتها وفرض القيود على حرية القرار الوطنى عن
طريق فرض دور وتتدخل منظمات دولية او إقليمية او مشاريع ومؤتمرات
للهيمنة ، القيود على نقل التكنولوجيا وحرية انتفال الافراد ،
إغراق البلاد النامية فى الديون حتى تعجز عن الوفاء بأقساط سدادها
وتصبح خاضعة لشروط الدائنين ( دول نادى باريس ) لاملاء شروطهم
النمط والالتزمات الاقتصادية اوالاجتماعية التى يقيدون الدولة
المدنية بها ، تحرير تجارة الخدمات لضمان التدخل وتحقيق استمرار
التفوق السيطرة ، روشته البنك الدولى والصندوق فى فرض نظام السوق
واللبرالية عنوة على الدول المقترضة ، مما يترتب عليه اهمال البعد
الاجتماعى تدريجيا من جانب الدولة ، مما يزيد قوة الفقر واتساع حدة
الصراع الطبقى .