نشرة المجتمع المدنى

العدد 137 مايو2006

تقرير التهوين
محمد عبد العزيز

لقد حاول المشرفون على التقرير الاول للمجلس القومى لحقوق الانسان اتباع نفس المنهجية العلمية والموضوعية التى تتبعها كلا من المنظمات الدولية والمنظمات المصرية الغير حكومية فى صياغتهم وتناولهم للتقارير التى يصدرونها. وقد اضاف ذلك بالطبع قيمة اخلاقية كبيرة لذلك التقرير بالرغم من تضمنه فصلا كاملا تناول بالمدح والتجميل نظام التشريع المصرى متغافلا بذلك القصور الشديد الذى يعانى منه ذلك النظام. وعلى الرغم من ان التقرير الاول للمجلس لم يقدم معلومة جديدة واحدة عن حال حقوق الانسان فى مصر ، الا ان التقرير يمكن ان يوصف على انه تقرير شبه جيد.
اما بالنسبة للتقرير الثانى الذى صدر مؤخرا فأنه على حد وصف د. كمال أبو المجد نائب رئيس المجلس القومى لحقوق الإنسان " إنه قيم حالة حقوق الإنسان فى مصر فى عام 2005 تقييما أمينا ومسؤولا وشجاعا وهذا ملحوظ فى التقرير بدرجة جيد جدا" . وهناك من يرى ان التقرير لم يأت منتقدا السياسة الحكومية كما توقعه الكثيرون وجاء مواربا مهادنا للحكومة ورأى اخرون ان ذلك ليس غريبا فالمجلس مولود من رحم الدولة.
وبالنظر الى التقرير الثانى للمجلس نجد انه افتقد لفكرة التقييم بمعنى انه لم يقوم بقياس مدى التطورات والتراجعات التي حدثت فى مجال حقوق الانسان فى مصر منذ اصدار التقرير الاول فى العام الماضي وحتى إصدار التقرير الثاني هذا العام. وقد اتبع التقرير بتحييز ملحوظ توصيات الحكومة وخطابها فيما يخص قانون مكافحة الإرهاب الذى تشرع الحكومة فى اصداره ليحل محل قانون الطوارىء الحالى. لذلك وبالرغم من ان معظم المتابعين للساحة السياسية المصرية يدركون تماما الاثار السلبية التى قد تترتب على صدور ذلك القانون من انتهاك لحقوق الإنسان ، الا ان التقرير الثانى للمجلس حاول ان يطفى مزيدا من الشرعية على ذلك القانون وليس ذلك فقط فالسيد نائب رئيس المجلس عرض تطوعه للمشاركة فى إعداد ذلك القانون.
وقد تبنى التقرير الثانى الخطاب الحكومى فى تناوله لموضوع الأقباط، فقد استخدم التقرير بعض الصياغات القانونية  المغلوطة التى هونت بشكل كبير من المسائلة القبطية وأرجعت أسبابها الى شعور الأقباط بعدم المساواة ، وكأن التمييز لا يمارس بالفعل بل انه مجرد شعور بالتمييز. كما القى التقرير اللوم على اقباط المهجر الذين على حد وصفه يؤججون من نار الفتنة .
وقد تعارضت تلك النظرة السطحية للأزمة القبطية مع المواقف التى عبر عنها المجلس من قبل والتى طالب فيها الحكومة بالا تهون من حجم الازمة نظرا لخطورتها الشديدة وتداعياتها المحتملة. وتناقض ذلك ايضا مع المبادرات التى اتخذها المجلس سابقا فى هذا الشأن وعلى راسها انشاء لجنة خاصة لبحث مشاكل الاقباط. وهون التقرير ايضا من ظاهرة التعذيب المنتشرة فى السجون المصرية واصفا اياها بانها ناتجة عن مشاكل ثقافية وتشريعية يمكن حلها والتعامل معها بعمل بعض التعديلات القانونية . واذا كان الامر كذلك فهل القوانين الحالية تشرع وتحلل ممارسة التعذيب فى السجون ؟
وجاء دور التهوين الاكبر حين تجنب التقرير موضوع استقلال القضاء ، فالتقرير لم يبدى اى تعليقات حول مشروع قانون القضاة الذى قدم من 15 عاما من قبل نادى القضاة والجمعية المصرية للقضاة ، ومدى استجابة الحكومة لهذا القانون. واغفل تقرير المجلس ايضا التقرير الذى اصدره نادى القضا ة حول الانتهاكات التى شابت الانتخابات التشريعية الماضية. واخيرا تجنب التقرير اجراء اى تقييم حول التعديلات التشريعية اتى قدمتها الحكومة فى العام الماضى وقانون الأحزاب السياسية. واخيراً يمكنا القول بأن تقرير التهوين الثانى الصادر عن المجلس القومى لا يساوى ثمن الورق والحبر الذى استخدم فى اخراجه .

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية