نشرة المجتمع المدنى

العدد 142اكتوبر 2006

ميلو دراما طلعت السادات

هل ورث النائب طلعت السادات عن عمه الرئيس السابق أنور السادات أو كبير العائلة المصرية . كما كان يحب دائما أن يلقب. النزوع الداخلى لخلق جو درامى والخيال المحلق فى الآفاق. وبناء تصورات ذهنية لا وجود لها فى عالم السياسة ورغبة عارمة لا تقاوم فى اجتذاب عدسات التصوير. ربما يكون هذا صحيحا فى خطوطه العريضة. إلا إنه يظل قاصرا عن تحليل الحدث الذى فجر قنبلة فى توقيت غير ملائم يبدو فيه الضمير العام مستغرقا فى ممارساته الدينية وطقوسة التعبدية وحفلات الإفطار الوطنية. سناتور تلا الذى خاض انتخابات 2005م برمز الأسد لم يتورع عن استئجار سيارة نصف نقل وحمل عليها أسدا كبيرا ووضع على ذراعيه شبلا صغيرا وطاف بالأسدين والسيارة جميع أنحاء الدائرة.

وتلقى مركز شرطة تلا بلاغا من أهالى الدائرة بالواقعة المثيرة. إنه مشهد سينمائى بكل تفصيلاته الفنية وإن كان لا يخلو من تراجيدنا مصرية. فكيف خرج الأسدين بكل هذه السلاسة من السيرك القومى؟
وماذا كان سيحدث لو قفز الأسد من السيارة والتهم واحد أو اثنين من جماهير الناخبين. الذين يخطب النائب الموقر ثقتهم للتصويت ل صالحه؟ ثم إلا يعد ذلك تعريضا لحياتهم للخطر؟ وهل تمت محاسبة المسئولين فى السيرك؟ عن استخدام حيوانات مفترسة فى دعاية انتخابية بغير موافقة كتابية من هما؟ أو حماية حقوقهم المشروعة فى الحياة الطبيعية بعيدا عن مثيرات الصخب و صيحات الجمهور المستفزة؟ أغلب الظن لا. فلا توجد محاسبة لمسئول أو وزير أو رئ يس فى مصر المحروسة. أما الحجة التى أعلنها السادات لتعليل هذه الدعاية الطر يفة.

 إنه كان يبغى إسعاد ابناء الدائرة (جمهوره فى قاعة المسرح) فانتهز فرصة أ ن رمزه الانتخابى الأسد (لاحظ أنه رمز غير مألوف فى الانتخابات البرلمانية) و يعبر عن صورة يحاول ابن شقق الرئيس الراحل ترسيخها فى أذهان النائبين وعرضه مجانا على جماهير الناخبين بعد إحضاره من السيرك القومى. أى انه نظم زيارة لل حيوانات لمحافظة المنوفية لمن لم يذهب من المنايفة لحديقة الحيوان بالجيزة بدون تحمل مشقة السفر أو تكاليف الانتقال أو رسوم الدخول. وحتى بعد فوزه هو وش قيقه محمد بمقعدى الفئات والعمال بدائرة تلا فى سابقة نادرة فى تاريخ الحيا ة النيابية. صرح بسعادة انتقص من عنفوانها سقوط الشقيق الثالث عفت فى دائرة غ ربال بالإسكندرية. انه يسعى لتسجيل رقم قياسى ليس لنفسه ولكن لأسرة الرئيس ا لسادات. حيث كان يتمنى أن يشكل الثلاثة هيئة برلمانية من أبناء عصمت السادات على حد تعبيره.

 فهل كان الحضور السياسى لأسرة الرئيس الراحل بكل هذه القوة؟ أ و الأضواء التى تركزت على النائب طلعت السادات والأحاديث التى كان يدلى بها عن الممارسات المشينة لفساد الطبقة السياسية دور فى ما ينعرض له الان. هل الم طلوب الا توجد كاريزما لسياسى أو شعبية لوزير أو مصداقية لمفكر تنافس أو تخط ف أو تخلق بديلا لزعامة القائد الملهم أو ولى عهده المنتظر؟ بصراحة هل طلعت ا لسادات هو الهدف الثالث على قائمة الشخصيات المصرية المرشحة لاغتيالها معن ويا بعد سعد الدين ابراهيم وأيمن نور؟ هل نحن فى عصر تجريف الفضاءات المصرية من الرموز الفكرية والثقافية والسياسية؟ الشئ اليقينى أن ما ذكره طلعت السا دات فى برنامج القاهرة اليوم الذى يقدمه الأعلامى عمرو أديب ليس جديدا بل تم ترديده آلاف المرات منذ الاغتيال المأسوى لبطل الحرب والسلام. فطلاسم جريمة المنصة.

 لم تفصح بأسرارها بعد. فمن شهر واحد صدر مؤخرا فى الولايات المتحدة ا لأمريكية كتاب مثير "مقدمة للإرهاب" أدوين ويلسون وميراث شبكات المخابرات ا لخاصة الأمريكية لـ جوزيف جى. ترينتو الكاتب المتخصص فى شئون المخابرات وصا حب أهم كتاب عن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية "التاريخ السرى للـ سى. أ ى. ايه. فى كتابة الجديد بكشف عن شبكة خاصة نشأت داخل وكالة المخابرات المركزي ة الأمريكية ومن مجموعة من ضباط هذه الوكالة نفسها وتحولهم إلى دول حارقة دا خل سى. أى. أيه وتحالفهم مع عدد من السياسيين المصريين الملتفين حول أنور السا دات فى عمليات بيزنس مشبوهة. السادات حسب تحليل المؤلف راح ضحية هذا التحالف الذى توطد منذ منتصف السبعينيات. وكان اكتشاف السادات لهذه العلاقات الخفية قبل بضعه أيام من مقتله قد أصابه بالذهول. وكان ينوى التخلص من هذه الشبكة ال أمريكية التى كانت هى المسئولة عن النظام الأمنى الخاص به إلا أنها اغتالته قبل أن يتمكن من الإطاحة برموزها فى مساء اليوم نفسه بعد انتهاء العرض العسك رى. أسماء السياسيين الفاسدين المحيطين بالسادات مذكورة بالاسم فى الكتاب و كذلك الشبكة الخاصة داخل وكالة المخابرات المركزية.وهو ما يدعونا إلى البحث عن حيثيات أخرى وراء تحويل طلعت السادات للمدعى العام العسكرى للتحقيق معه بتهمه ترو يج الشائعات وإهانة القوات المسلحة وهى تهمة تفتقد التحديد القانونى والجر ائم الواردة على سبيل الحصر.

فهناك فارق موضوعى بين تقييم الأداء العسكرى أو السياسة الدفاعية أو انتقاد مسئولين عسكريين حاليين أو سابقين وبين إهانة ا لقوات المسلحة كمؤسسة فى ذاتها والقول بغير ذلك يعطى لمؤسسة من مؤسسات الدو لة قداسة أو حصانة مطلقة فى حين المفترض أن تخضع جميع مؤسسات الدولة للقانون والدستور ثم هناك مسألة بيان جمال السادات نجل الرئيس السابق الذى أكد نفيه لتصريحات ابن عمه وهو نفى يفتقد الدلائل التى تؤيده. فهناك حوادث أو ظواهر أو حتى وقائع لا نستطيع إثباتها أو نفيها وتظل ملفات مفتوحة لإعادة قراءتها أى أن يكون الحكم عليها أو دحضها للتاريخ ولأجيال لم تأتى بعد وليس لشخص مهما بل غت قرابته. ثم أن جمال السادات بدا متجنيا لدرجة فظيعة حين أدعى أن طلعت لا يم ثل أسرة الرئيس. كيف وقد ظل يتحدث باسمها لسنوات. وهل يمكن أن يتحول الدم إلى م اء؟ هل تعيين جمال السادات رئيسا لمجلس إدارة شركة المحمول الثالثة "اتصالا ت مصر" بعد أيام من إدلائه بتصريحاته دخل فى الموضوع؟ هل كان يقصد حماية استثم اراته؟ وإنقاذ صداقته لنجلى الرئيس مبارك على حساب طلعت السادات وميراث.

 الغصب الذى يحمله فى داخلة ضد النظام المباركى الذى وضع أباه فى السجن بتهمه ال فساد واستغلال النفوذ؟ انها تساؤلات مشروعة لواقعة أخذت حجما أكبر مما تستح ق ونخشى أن تتضخم وتتعملق ككرة الثلج المنحدرة من القمم الشاهقة لتلحق أضرا را فادحة بالسهول المنبسطة ونزيد من عوامل الاحتقان السياسى لوطن ينبغى أن يركز كل نضالاته من أجل تنمية قدراته الاقتصادية وإنجاز الإصلاح السياسى وا لدستورى. العقل يقتضى إغلاق الملف. تاركين الحكم على أحداثه الدرامية وانتص اراته العسكرية وانكساراته السياسية لأجيال فى رحم الغيب ولصفحات التاريخ التى تنتظر من يكتب سطورا على قلبها الذى ينزف وتخومها التى تبكى على مستقبل ضيفناه من بين أيدينا

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية