نشرة المجتمع المدنى
العدد
142اكتوبر 2006
حوار حول الاصلاح والتعديلات
الدستورية للدكتور يحى الجمل استاذ القنون الدستورى
أجرت الحوار / ماجدة سعيد
د
يحيي الجمل عميد الدستوريين المصريين . واحد من جيل الأربعينات
العظام . شاهد على تجربة ما بعد يوليو وساهم في انتصاراتها
وانكساراتها . عمل مع الرئيس عبد الناصر والسادات وحتى الرئيس حسني
مبارك كان يستشيره في المسائل الدستورية والقانونية . أحد فعاليات
الحركة السياسية المصرية تقلد الوزارة ولم يتغير فكره أثناء
ممارسته مهامها . كان نائبا لرئيس حزب التجمع واستقال منه . دخل
الحزب الوطني واختلف وخرج . انفتاحه على كل القوى الوطنية حتى
الإخوان المسلمين يثير للإعجاب . إسهاماته لا يحدها ضفاف دوره في
تأسيس الحركات الاجتماعية الاحتجاجية . الجبهة الوطنية للتغيير
أثناء الانتخابات البرلمانية 2005 وأخيرا حزب الجبهة الوطنية .
بالإضافة إلى إنجازاته العلمية كأكاديمي بارز له مؤلفات قانونية
ودستورية وآلاف المقالات والمحاضرات فكان لابد من اللقاء معه وكان
هذا الحوار ..
بداية هل يحتاج دستور 71 الى
تعديل أم تغيير ؟!
أنا لى موقف بالنسبة لهذا الموضوع ،دستور 71 وضع فى ظروف تختلف
بالكامل عن الظروف التى نعيشها الآن من كل الجوانب الأقتصادية
والسياسية والأجتماعية ، ولكن من ناحية أخرى فيه الكثير من النصوص
أكثر من جيدة ،مثلا: "سيادة القانون هى أساس الحكم فى الدولة ،
والدولة تخضع للقانون " وغيرها من النصوص . نحن لدينا تراث دستورى
منذ 1923 ، وبعد الثورة كان هناك مشروع دستور من أحسن الدساتير عام
1954 .أنا أرى أن وضع القضية : التعديل أم التغيير كما لو كانا
متناقضين غير سليم وغير علمى ،لابد من الأستعانةبتراثنا الدستورى
بداية من دستور 23 ومشروع دستور 54 ودستور 71 لأن الدستور عقد
اجتماعى ،ثوب كامل لايصلح فيه الترقيع، اذن أنسج ثوب جديد ليتناسب
مع الوضع الأجتماعى الجديد.كذلك يمكننا الأستفادة من التراث
الدستورى العالمى مثل جنوب أفريقيا والهند ،الى جانب الدول
المتقدمة القديمة
اذا لم تذكر دستور 64 ؟!
دساتير الثورة حولت المجتمع الى مجتمع اشتراكى وأكدت السلطة
التنفيذية وألغت النظام الديموقراطى .
تنص المادة (2) على أن مبادىء الشريعة هى "ا لمصدر الأساسى
للتشريع ، ( وقد أضيفت الألف واللام الى (مصدرا أساسيا ) فى تعديل
(80) فلمذا تم هذا التعديل ، الشق الآخر للسؤال أن مرشد الأخوان
وصف هذه المادة بأنها خط أحمر لايمكن أن تمس ، مارأيك؟
هذا التعديل من مصدر الى المصدر نوع من النفاق الأجتماعى الهدف
الأساسى منه كان أطلاق مدد رئيس الجمهورية ، طبعا هذه "غصة" ، هذه
" كلكوعة مرارة " يراد تشريبها للناس ، فكيف يبلعها الناس ؟!، وهذا
الكلام أنا ذكرته فى الكتاب الدستورى الذى يدرس فى جامعة القاهرة ،
كان نوعا من دغدغة المشاعر والمحكمةالدستورية أصدرت حكما بأن هذا
ليس تعديلا حقيقيا ، وأن مسألة أحكام الشريعة التى لا تقبل جدلا في
إسنادها أو في تفسيرها هى المبادئ وهى تعد على الأصابع ، القواعد
الشرعية قطعية الثبوت وقطعية الدلالة لاأحد يستطيع مخالفتها ،
ولاأحد يطالب بذلك . مثلا المادة (5) تم تعديلها ، وبعدها مباشرة
أفرغت من مضمونها .
لماذا لانقول فى هذا السياق ( تكون الشرائع السماوية مصدرا
للتشريع ) هناك رأى ينادى بذلك بحجة اننا دولة بها مسلمون وأقباط ؟
أنا فرد من الجمهور وليس لدى مانع من هذا ، ربما ثقافتى
ودراستى السابقة فى مقارنة الأديان تجعلنى أقبل ذلك ،وأعلم أن هذا
النص سيثير مشاكل عديدة مثل نص العمال والفلاحين ، رغم أنه لم يحقق
أية مكاسب لهم ورغم الأختلاف حول تعريف العمال
والفلاحين. هذا النص وضع سنة 54 أو 56 ونحن الآن جميعا أبناء عمال
وفلاحين.
اذن ترى وجوب الغاء نسبة ال 50% للعمال والفلاحين بمجلس الشعب ؟
طبعا ، لأن هذا تمييز مجحف وغير مطلوب ، لماذا لأن هذا النص
كانت له قيمة ومعنى بعد الثورة مباشرة ليخدم طبقات محرومة، اليوم
رئيس الجمهورية ابن موظف بسيط ،أنا ابن موظف بسيط ،هذا غير محاولة
استغلال هذا النص لصالح فئات معينة .
على هذا لاترى صحة أو وجاهة
أن تكون هناك نسبة أو ( كوته) للمرأة أو للأقباط ؟
لا للأقباط يقينا لا ، لأن هذا سيخرجنا عن مبدأ المواطنة، ولكن لو
كانت لدينا حياة حزبية حقيقية فطبيعى أن يكون هناك أقباط ونساء
عظام ، عندما كان الوفد " حزبا حقيقيا" قبل الثورة ، كان رئيس مجلس
النواب قبطيا ، ووزير الخارجية قبطيا ، ولم تكن هناك مشكلة مثارة
فى أذهان الناس ، ولكن الآن لايوجد قبطى لأنه لاتوجد أحزاب تدخل
الأنتخابات وتنجح ، يعنى نشاط حزبى حقيقى.
معنى هذا أنك لاترى الآن أحزابا ذات تأثير على الساحة السياسية
؟
هو الحزب الحاكم ليس مؤثرا ، ولكن لأنه (حاكم)، وكذلك الأخوان
المسلمين لأنهم موجودون على الساحة ، ولكن لايمكن أن تستمر
مصر هكذا ، لأن الحزب الحاكم قائم على المصالح ، مظلة السلطة وبعض
المصالح ، واذا رفعت عنه مظلة السلطة سيتفكك ويتحلل وينتهى .
الأخوان لأنهم وبأمانة شديدة غيروا خطابهم السياسى فى الفترة
الأخيرة ،واستطاعوا أن يبنوا صلات بالجماهير ، لعبوا سياسة صح !!
ولكن ألا ترى أن تغيير هذا الخطاب السياسى من جانب الأخوان
تكتيكى أو مرحلى ؟
الله أعلم ، أنا لاأستطيع أن أظلم الناس وأقول لهم انكم تقولون
كلاما جيدا ولكن (أصلكم وحش ) !
نعم ، ولكن تاريخهم يقول ذلك ....ولكنهم يقولون أننا تطورنا ،
عندما أجلس مع (عصام العريان) - فك الله كربه- و (عبد المنعم أبو
الفتوح ) ، ناس كثيرون منهم فى غاية الأستنارة وفى غاية العقل
وكلامهم ممتاز .
هل معنى ذلك أنك ترى أنه لابأس من قيام أحزاب دينية ؟
لا , أنا ضد نوعين من الأحزاب ، الأحزاب العسكرية والأحزاب التى
تدعو الى قيام دولة دينية ، لكن لابأس من الأحزاب التى لها مرجعية
دينية ، فأوروبا مليئة بالأحزاب التي لها مرجعية دينية ولكنها
لاتدعو الى الدولة الدينية . الدولة الدينية مرفوضة ، والأسلام لم
يعرف الدولة الدينية والتى تفرق فى عضويتها بين المواطنين على أساس
الدين ، فلا تقبل الا المسيحى أو اليهودى أو المسلم ، هذا غير وارد
لأن الأساس فى الدولة الحديثة هو المواطنة .
ماالذى كنتم تتوقعونه من مؤتمر الحزب الوطني ( الفكر الجديد
والانطلاقة الثانية نحو المستقبل ) ؟
كنت أرجو أن يحدث شيئا ... لم تكن هناك رغبة حقيقية في الأصلاح ، لأن الرغبة
ا لحقيقية المسيطرة هى بقاء الأمور على ماهى عليه ، وتأكيد الأوضاع
القائمة . وأنا أزعم أن هناك مؤسسة قائمة فى مصر الآن اسمها ( م
ؤسسة الفساد ) ، وهى أقوى المؤسسات وهى التى تسيطر بالفعل على كل
المؤسسات وعلى كل الأتجاهات ، فى ظل هذه الأوضاع يصعب القول بح دوث
اصلاح .
هل يعنى هذا أنك تعتقد أن الفريق التشريعى الموجود فى (الحزب
الوطنى) ا لآن لايمكنه تقديم تعديلات دستورية ذات قيمة فعلية ؟
ياسيدتى المسألة مسألة ( ا لبوصلة) ، ماهى بوصلتك ؟ هل هى (مصر) أم أشياء
أخرى ؟! ، لو بوصلتى مصر سأفعل أشياء رائعة ، أما اذا كانت بوصلتى
بقاء النظام ، وقه ر الناس ، وتقييد السلطة ، وعدم تداول السلطة
؟.... البوص لة هى التى تحدد ، كان لنا أستاذ زمان يقول أن المشرع
ترزى ، نعم المشرع ترزى و لكن اذا طلبت منه بدلة بصفين أزرار سوف
يفصل لك بدلة بصفين ، واذا طلبت بصف وا حد فسيصنعها بصف واحد ! ،
المسألة هى أين تتجه البوصلة وماذا تريد ، هل حرية تك وين أحزاب؟
اذن تلغى قانون الأحزاب وتلغى لجنة الأحزا ب ، عايزة قهر ؟ اذن
تبقى على اللجنة وتجعلها من الحزب الحاكم أو وزير الداخلية .
هل يمكننا استنتاج (البوصلة) من بعض الأسماء الموج ودة داخل تلك
اللجنة ؟ وهل ترى أنها مسئولة عن الأبتعاد عن العهد الليبرالي
خلال ال30 سنة الماضية ؟
أغلبهم ... اما زملائى أو أصدقائى أو تلامذتى ، وأنا لاأحب الكلام عن الأشخا
ص .
يثار الجدل حول المادة (88) ، فالبعض يرى أن تعديلها ص ورى ،
وأنها تقدمة لتوريث الحكم ، والبعض يرى أنها صيانة لأستقلال القضاء
. ما رأيك؟
بصراحة ، منذ 20 عاما بدأت بدراسة تجربة الهند ، بها ج هاز رائع مستقل وقائم
بذاته للأشراف على الأنتخابات اشرافا حقيقيا ، وزراء سقطوا ، وسقط
رؤساء وزراء ! المسألة هى الجدية فى شىء ، ونحن لسنا جادين فى شىء
بل الجدية هنا فى شىء واحد : هو ابقاء الأمور على ماهى عليه
وتجميدها .لكن لو كنا جادين ، لكنا عدلنا المادة (88) وكونا هيئة
مستقلة، وأبعدنا القادة ع ن مشاكلها ، وهذا حدث فى الهند واليمن ،
وللمرء أن يستعجب من أن الأمور فى الي من أحسن من عندنا قليلا .
أيضا هم قبلوا الرقابة الدولية على الأنتخابات !
بلاش رقابة،نسميها اشراف دول ى ، ملاحظين دوليين !
نعود للمادة (88)
اما أن يكون استقلال قضاء واشراف قضائى حقيقى يدير ا
لعملية الأنتخابية بالكامل ، وليس كما حدث عندنا ، نحن مسخنا
المحكمة الدست ورية العليا لتشويه الأنتخابات
بعض
الأحزاب قدمت مقترح لتعديل الدستور وأبرزها كتلة الأخوان ، مارأيك
؟
لن أذيع سرا ، لأن أى (أحد) يطلب منى رأيي الدستوري أعطيه له ،
مجلة( روزاليوسف) كتبت ذات مرة أننى مستشار الأخوان المسلمين ،
وهذا غير طبيعى وغي ر متصوّر ، أنما هم طلبوا رأيي وجلسوا معي مرة
واثنتين وثلاثة كلهم كمجموعة ، وتكلمت معهم ، أنا كأستاذ قانون
دستورى لاأحرم أحدا من معرفة رأيي الدستوري ، فلما سألونى اقت رحت
الكثير من التعديلات والصياغات ، وطلبوا منى عمل مشروع قانون
الأحزاب و وضعته وأعطيته لهم ، وأقول هذا علنا ، ولو طلب الحزب
الوطنى منى الرأى سأقوله لهم !
ألم يطلب منك (الحز ب الوطنى ) الرأى أبدا ؟!
زمان فى الثمانينات الأولى كان الرئيس (مبارك) دائما يسألنى رأيي في المسا ئل
الدستورية ، ولكن يبدو أن رأيي (وحش) فلم يعد يسألنى ! ، حقيقة
لاأعرف لماذا؟
ننتقل الى تعديل المادة (77 ) أو المطالبة
ب...........
( مقاطعا)..... ، كل المصريين يطالبون بتعديل المادة ( 76) تعديلا حقيقيا لكى
تسمح بالتعددية فى الترشيح سماحا حقيقيا وليس صوريا كما هو حاصل فى
ظل التعديل ال ذى أسميته (خطيئة دستورية ) منذ اليوم الأول ،ليس
هناك مايمنع وجود "ضوابط" ولك ن المادة 76 تضع موانعأ ،أما الما دة
(77) فهى تؤبد السلطة ، ولكى يكون هناك اصلاح فلابد من تعديل هاتين
المادتين ، ويكفى أن يكون فى المادة(76) و(77) ضوابط، مثلا مدة
الرئاسة مدتين كل منهما 6 سنوات أو ثلاث فترات كل منها 4 سنوات ،
نفرض أن (الرئيس مبارك) أعطاه الله الصحة والعمر أكمل حتى عام 2011
، ثم جاءنا شاب صغير عمره 40 سنه فيظل فى الحكم كمان 40سنة أو 50
سنة ،وتتحول مصر فى حقيقة الحال الى (الملكية) ، وينتهى نظ ام
الجمهورية ، ومن يأتى يعمل حسابه أيضا أن ابنه ان شاء الله يكون
رئيسا للجم هورية خمسون أو ستون سنة أخرى ،
هذا الكلام مرفوض ومعاكس لتيار التاريخ ، ومن يفكرون فيه يحاربون
بالفعل تيار التاريخ ، ومحاربة ال تاريخ تنتهى بأحد أمرين : اما-
والعياذ بالله- تدمير الكيان كله ، والعواصف ته دم كل شىء ، واما
بالأستجابة لتيار التاريخ ، والعاقل هو من يستجيب لحركة التاريخ .