نشرة المجتمع المدنى

العدد 142اكتوبر 2006

فشل الاصلاح..
أ/ حسن الصواف

يبدو بعد وقفة طويلة من التأمل في أوضاعنا المتدهورة أن المصابين باليأس المطلق في أي أمل في الإصلاح في مصر كانوا على صواب. فبعد عام حافل بالوعود والشعارات التي كانت في الحقيقة مجرد أدوات تخدير للمرور بهدوء من مسرحية الانتخابات عاد.كل شئ لما كان عليه إن أردنا معرفة أسباب تلك الظاهرة المحبطة يجب أن نواجه بعض الحقائق المؤلمة وأن نلتزم بالصراحة والشجاعة في معالجتها.

أولا" لا يعقل أن نتوقع أن يساهم مرتكب الجريمة في علاجها. فالنظام الفاسد المستبد الذي حول هذا البلد الجميل إلى جحيم لا يمكن بأي منطق أن يكون طرفا" في إصلاح مهما فاض بالشعارات والوعود. إذ أن البقاء في السلطة مدى الحياة دون أدنى اعتبار لمعاناة الطبقات الكادحة هو كل ما يشغل النظام. وعلى ذلك لابد من البدء في التفكير أن الإصلاح لن يأتي بمعاونة النظام بل رغم أنفه.

ثانيا" إن القوى المحلية الراغبة في الإصلاح لا تمتلك آليات الإطاحة بالنظام وفرش الطريق لمن يمكن أن يبدأ في الإصلاح الحقيقي. فإن نظرنا إلى حركة كفاية أو وقفة القضاة كأمثلة لمقاومة داخلية جادة تهدف لتغ يير فعلى سنجد أن التفوق العددي المذهل لقوات الأمن التي تصدت لها تحول بوضوح دون توقع أن تجدي أي محاولة شبيهة بأي نتائج عملية.

ثالثا" إن سبب انتشار التطرف الديني في مصر هو القمع الغير منقطع لأي معارضة ذ ات طابع علماني. بصرف النظر عن رأينا في أيمن نور ونعمان جمعة وهما أكثر المرشحين جدية في الانتخا بات الرئاسية- فهل بمحض الصدفة أن انتهى يهما الأمر في السجن؟ فالنظام بدناوته وسفالته أصبح متخصصا" في اختراق أحزاب المعارضة بغر ض إضعافها وتفكيكها وإظهارها بأسوأ مظهر ممكن.

رابعا" علينا الوقوف وقفة طويلة أمام سيناريو الحكم الديني قي مصر من زاوية ا حتمال الوصول للحكم وهو أمر مستبعد كما تشير نسبة الح ضور الضئيلة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة. إذ أن الحركة الدينية في مص ر حركة منظمة جندت غالبية أتباعها في عملية التصويت أي أن معظم من لم يصوتوا ل يست لديهم ميول دينية ولن يختاروا الحكم الديني إن شعروا برغبة جادة في الإدلاء بأصواتهم

.خامسا" الزاوية الأخرى للنظر في الحركة الدينية هى مح اولة تخيل وجودهم في الحكم والفزاعة التي نجح النظام في غرزها في عقولنا جمي عا" سواء داخل مصر أم خارجها. إن النظام قد أقنع حتى الطبقة المثقفة من هذا الش عب أن الإخوان لو حصلوا على السلطة لانتهى بنا الحال كإيران أو أفغانستان وأ نهم لو وصلوا للحكم ديمقراطيا" فسيكون ذلك آخر ما نسمعه عن الديمقراطية في مصر و سنحكم بالشريعة الإسلامية وبعقلية العصور الوسطى. ويجب هنا التوقف لحظة للتعامل مع تلك النظرة السطحية الخاطئة. يخلو التاريخ الحديث من أمثلة لدول وصل فيها حكم ديني للحكم ديمقراطيا" ثم أطيح بالديمقر اطية في سلة المهملات.

هذا بخلاف أن المناخ القومي المتسم بالحرية وبالتصميم على التمسك بالحقوق المهدورة الذي سيصل من خلاله الحزب الديني للحكم لن يس مح بطاغية جديد مهما تزين بالرداء الديني. ولكنني أعتقد أن أكثر العوامل تأث يرا" في منع أي حكومة دينية من العودة بنا إلى القرون ا لوسطى هو الفقر الذي سيقف سدا" منيعا" ضد أي محاولة للمساس باقتصاد البلد من خ لال محاولة الالتزام بقوانين الشريعة الإسلامية كتعديل النظام المصرفي أو إنهاء السياحة. فالحاكم مهما أغراه التطرف عليه إطعام شعبه
وإلا تعرض هو للم شاكل كما حدث للسادات عندما حاول رفع سعر الخبز. إننا لسنا كإيران الغنية بال بترول والتي يستطيع الطغاة الذين يحكمونها عزلها عن العالم الخارجي دون أن يجوع الشعب.ويبقى هنا سؤال واحد وهو هل هناك أمل أن يتحسن الوضع با لإصغاء لما ينادى به النظام؟

سادسا" ربما يبدو للبعض وهو تحليل يمكن تبريره بسهولة- أن النظام يحبذ تواجد الحركة ا لدينية المتطرفة كي يتمحك بعذر مقنع لاستمرار القمع والتعذيب وكبت الحريات وتأجيل الديمقراطية إلى الأبد. وبالتالي فلا منطق وراء الاعتماد على النظام لتخفيف خطورة الحركة الدينية.سابعا" إن النظام قد أدرك أن باستطاعته أن يفعل ما يشاء طالما حصل على رضاء الأمريكان. لقد باتت المعادلة سهلة وواضحة : رضاء أمريكا يساوى البق اء في السلطة. ولذلك فقد سخر النظام إمكانيات ضخمة لتلك المهمة وأصبحت الدبل وماسية المصرية لا يعنيها شئ غير إقناع الحكومة الأمريكية بخطورة المجازفة بالديمقراطية التي أصبحت تقارن بسلاح خطير أو بقنبلة زمنية. وللأسف أن النظ ام المصري قد أجاد هذا الدور بمساعدة إدارة أمريكية ساذجة تخشى على مصالحها فتزيد الطين بله وتساند الحكومات الفاسدة التي تصنع الإرهاب.إن كنا جادين في موضوع الإصلاح فعلينا أن نسعى لإقناع الإدارة الأمريكية بضرورة الضغط على النظام المصري خ اصة من خلال المعونة التي يجب أن يرتبط استمرارها بالإصلاح السياسي الملموس وبتنفيذ الوعود الانتخابية العديدة التي لم نرى منها شئ حتى الآن.إنني لست متشائما" بال درجة التي قلما أراها من حولي ولكنني مدرك إدراكا" عمي قا" أن المشوار طويل وأن نقطة البداية تكمن في العقل المصري.

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية