نشرة المجتمع المدنى

العدد 142اكتوبر 2006

نحن والغرب ...مرة اخرى
د/ حازم الببلاوى

 المواجهة بين الشرق والغرب هاجس قديم عند الكثير من شعوبنا، تغذيه ذكريات عن الحروب الصليبية قبل نحو عشرة قرون، ثم تاريخ حديث للاستعمار حتى منتصف القرن الماضى، زاده تأججا إنشاء دولة اسرائيل وأخيرا جاءت أحداث 11 سبتمبر، فإذا بالعدوى تنتقل إلى أقوى دولة الولايات المتحدة- لتعلنها حربا على الارهاب ضد عدو أطلق عليه حينا "الإسلام الفاشى" وحينا أخر "الإسلام الأصولى" وكان قد هيأ لهذه الأفكار المفكر الأمريكى صامويل هانتجتون فى كتابة "صدام الحضارات". وفى هذا الوقت الذى يتقارب فيه العالم وتزول أو تتراجع الحدود والعقبات بين مختلف الشعوب، ويتعمق الترابط الاقتصادى بين مختلف أجزاء المعمورة، وتزداد المعرفة و المعلومات بين الشعوب، يبدو أن أنصار الصراع بين "الشرق والغرب" فى تزايد على الجبهتين.
والأكثر طرافة فإنه رغم كراهية انصار العداء والمواجهة فى كل من الجبهتين، لبعضهما بعضا، فإنهما من الناحية الموضوعية حلفاء يدعون إلى قضية واحدة وهى العداء بين الشرق والغرب وحتمية المواجهة بينهما. وكنت قد نشرت فى هذه الجريدة منذ عدة سنوات مقالا ثم كتيبا بعنوان "نحن والغرب" وانتهيت فيه إلى القول بأن "الغرب" وأيا كان تعريفه وحدوده، ليس عدوا ولا صديقا، بل فيه العدو والصديق. وهو أيضا ليس ضررا كما أنه ليس نفعا بل فيه النفع كما فيه الضرر. وكما أن الشرق ليس خيرا كاملا، فإن الغرب ليس شرا دائما. ففى كل منهما الخير والشر. "فالغرب" ليس كله شياطين، كما اننا لسنا كلنا ملائكة.
والسبب فى معاودة الحديث فى هذا الموضوع هو ما صدر اخيرا من بارات مسيئة للإسلام من بابا الكنيسة الكاثوليوكية فى روما، بنديكيت السادس عشر، وما ترتب عليها من ردود فعل غاضبة فى الشارع العربى والإسلامى. ولا شك أن ما قال به الحبر الأعظم يمثل هفوة كبيرة وهى لا تنم فقط عن جهل بالأفكار والمذاهب الإسلامية المختلفة، وإنما تعكس أيضا سوء تقدير سياسى خطير لمثل هذه الأقوال ممن هو فى مركزه. ولذلك فقد أضطر إلى إبداء الأسف والتنصل مما قاله. وإذا كان البابا قد أشار إلى موقف ابن حزم- كما استقاه من مصدر فرنسى- بأنه فى الإسلام لا يتقيد الله بأحكام العقل، فإن هناك تيارا إسلاميا مهما وهو "المعتزلة" يضع العقل فوق كل شئ، وعنده أ ن الأحكام الإلهية لا يمكن أن تخالف العقل (الحسن والقبح). مما دعا إحد
ى الصحف الفرنسية- لوموند- إلى الإشارة إلى أن القرأن قد أشار إلى العقل فى أكثر من خم سة وأربعين موضعا. ولكن ليست هذه هى القضية. القضية الأساسية هى موقفنا من "ا لغرب". ففى كل وقت يظهر رأى لكاتب أو مفكر أو سياسى يهاجم الإسلام أو المسلمين- علما بأنه يظهر عندنا أيض
ا من حين لأخر من يتعرض للأديان ال أخرى بالتهجم أو حتى بالإساءة- تثار قضية العلاقة مع الغرب. والسؤال، هل ننظر إلى مثل هذه الآراء باعتبارها ممثلة لأصحابها أم هى تعبير عن موقف "الغرب" فى مجموعة وبالتالى فإننا نكون على عداوة مع "الغرب"؟ ونظرا لأن الموضوع هام و
خطير ويحتاج إل ى مناقشة واسعة، ومع ضيق المساحة، فإننى سوف أضطر إلى تلخيص موقفى فى عدد من ا لنقاط أتناولها بشكل سريع نظرا لأن المكان لا يسمح بالحديث بإفاضة تتفق مع ج لال الأمر. النقطة الأولى، هى أن التاريخ حمال أوجه، بمعنى أن تفسير حوادث التاريخ يمكن أن يؤكد أو ينفى أى قضية فالحديث التار يخى هو دائما عمل انتقائى لفترة معينة ولأحداث معينة يراها الباحث أكثر دلا لة. ومن هنا يمكن أن نجد فى التاريخ ما يثبت قضية أو ما يثبت عكسها وذلك بتغبير الأحداث او الفترات محل الدراسة ومن هنا فإننا يمكن أن نقول أن "الغرب" كان دائما معاديا "للشرق"، ونذكر أحداثا تاريخية تؤكد ذلك من حروب الإغريق مع الفرس ، إلى حروب العرب مع الفرنجة، إلى الحروب الصليبية ثم إلى الاستعمار. ولكن هذ ا التاريخ نفسه يؤكد لنا أن تاريخ أوروبا هو أيضا حروب الدول الأوروبية فيما بينها. صحيح أن الإغريق حاربوا الفرس، ولكن الصحيح أيضا أن الحرب الأكثر أهم ية كانت بين أثينا وإسبرطة. وعندما بسطت روما نفوذها على البحر المتوسط كانت حروبها مع البرابرة من القبائل الجرمانية فى أوروبا، أما أهل المشرق فقد كا نوا مواطنين فيها يشتركون معها فى نفس العبادات وبعد ذلك استمر تاريخ أوروب ا فى حروب متصلة، غلب على بعضها حروب دينية بين بروتستانت وكاثوليك. ومع بروز فكرة الدولة الحديثة فى القرن السادس عشر كانت الحروب الأساسية هى بين فرنس ا وانجلترا، وكثيرا ما تحالفت فرنسا- منذ فرانسوا الأول- مع الدولة العثماني ة ضد انجلترا. هناك كذلك الحر
وب الفرنسية الألمانية والروسية البولندية، وا لقائمة طويلة. ولعلنا لا ننسى هنا أن أوروبا ولدت من جذور شرقية، فإذا ك انت أوروبا بنت الإغريق فإن هؤلاء وباعترافهم يدينون إلى الحضارة المصرية أ ما جذورها المسيحية فهى أيضا من الشرق فى فلسطين بل أن اسمها- أوروبا- مشتق من الأس
طورة القديمة باعتبارها بنت ملك صور فى لبنان وهكذا، فلا داعى للمبالغة فى الحجة التاريخية. فالتاريخ حمال أوجه. النقطة الثانية "الغرب"، كما "الشرق" ليس كتلة صماء تفكر بن فس الطريقة وتسلك نفس السلوك ففى كل مجتمع هناك فئة أصولية دينية حينا، وعرق ية أو عنصرية حينا أخر. ولكن هناك فئات أخرى أكثر اعتدالا و هى تمثل الغالبية وهذه الأغلبية تكون عادة أكثر تفتحا للاستماع إلى أراء وح جج الأخرين، وهى على قدر معقول من الإنصاف والرغبة فى معرفة الحقيقة ولذلك ف إذا استمعنا إلى رأى متشدد أو متعصب فى إنجلترا أو الهند أو الولايات المتحد ة الأمريكية فإن ذلك لا يعنى أن الشعب الانجليزى أو الهندى أو الأمريكي كله ي ؤمن بهذه الأفكار. فالساحة مفتوحة للجميع لإبداء آرائهم، والجائزة هى الوصو ل إلى عقول وقلوب الناس بالمنطق السليم والنموذج المشرف وفيما يتعلق بالأدي ان، فينبغى أن نتذكر أنه رغم أن الدين سمة طبيعية وموجودة فى كل الشعوب، فإن د ول "الغرب" من أكثر مناطق العالم التى عرفت معارك طويلة للتحرر من سلطة الكنيس ة وهيمنة الدين على السياسة وقد قامت ثورة التنوير كلها على أساس الدفاع عن "ا لعقل" وكانت الثورة العلمية أوضح مظاهرها وقد حققت معظم ال
دول فصلا بين الدي ن والدولة الأمر الذى يعتبر أحد أسس الدستور الأمريكى كما هو أحد أهم مقومات المجتمع الفرنسى بعد الثورة الفرنسية. النقطة الثالثة، أن الحديث عن "شرق" و"غرب" هو استمرار لتقا ليد ورثناها منذ العصور الوسطى وقبل ظهور مفهوم الدولة والمواطنة بالمعنى ا لحديث ففى ذلك الوقت لم يكن هناك حديث عن دول وإنما كان الح ديث فى أوروبا هو عن "المسيحية Christendom
"، والمقاب ل فقد كانت الخلافة الإسلامية تتحدث فى ذلك الوقت عن "دار الإسلام" و"دار الحر ب" وفى فترات عندما زادت المعاملات بين المسلمين وغيرهم خلال الحروب الصليب ية أضيف الحديث عن "دار الهدنة" أو "دار الأمان". ومنذ القرن السادس عشر فقط بدأت فكرة "الدولة الح
ديثة" فى الظهور ثم جاءت الثورة الصناعية فى القرن الثامن عشر فى انجلترا ثم باقى الد ول الأوروبية ثم الولايات المتحدة الأمريكية. النقطة الرابعة، إن الانقسام الحقيقى فى العالم ليس بين شرق وغرب بقدر ما هو بين "شمال" و"جنوب" وقد عرفت دول الشمال الثورة الصناعية مب كرا فحققت تفوقا اقتصاديا وعسكريا فى مواجهة دول الجنوب التى مازالت على أع تاب هذه الثورة الصناعية فالثورة الصناعية بدأت فى أوروبا المسيحية فى حين قاومتها العناصر الأصولية من علماء المسلمين فى الدولة العثمانية والتى كا نت مهيأة حينذاك للالتحاق بهذه الثورة الصناعية وظلت الثورة الصناعية قاصر ة على أوروبا حتى تمكنت اليابان منذ نهاية القرن التاسع عشر، وخاصة خلال الق رن العشرين من البزوغ كقوة اقتصادية عالمية وغير مسيحية. والآن تمثل اليابا ن ثانى أكبر اقتصاد فى العالم وفى نفس الوقت تتقدم الصين بخطى سريعة للحاق به ا. فالتقسيم السياسى للعالم الأن هو بين دول متقدمة وأخرى متخلفة وإذا نظرنا إلى الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها أكبر قوة فى العالم، فإن ما يساع دها على الاستمرار فى النمو والازدهار إنما هو- إلى حد كبير- استثمار الفوائض المالية للصين واليابان فى الأسواق المالية الأمريكية فالاقتصاد الأمريك ى الغربى لا يعيش فقط بدعم من اليابان من الشرق ومن خارج المسيحية بل أيضا من الصين التى لا تزال ترفع شعار الشيوعية، الأمر الذى يؤكد
أننا نعيش فى عالم م ن المصالح الاقتصادية وبصرف النظر عن المعتقدات الدينية أو العقائدية. النقطة الأخيرة، هل لنا مصلحة فى العداء مع الغرب؟ هذا مو ضوع مهم يستحق مناقشة مستقلة ولكنى سوف اقتصر على الإشارة إلى تجربة تاريخي ة ليست بعيدة عنا، وهى مشكلة اليهود مع الغرب. ماذا فعلوا وأين وصلوا؟ إن التا ريخ اليهودى كله هو تاريخ الاضطهاد والطرد والتعذيب والإبادة فى أوروبا الم سيحية وليس فى الدول العربية والإسلامية. فماذا فعلوا؟ لم يحاولوا أن يجدوا الحل فى المواجهة او الصراع مع الغرب، بل على العكس حاولوا- مع الاحتفاظ بهوا يتهم ا
لمطالبة بحقوقهم مع التأكيد على عدم التناقض مع الغ رب إن لم يكن الانتماء لهذه الثقافة بل والإدعاء بمشاركتهم فى صنعها. ولعلى أضيف أن سياسة إسرائيل فى صراعها مع العرب حول فلسط ين كانت التأكيد على أن عداء العرب للاستيطان اليهودى إنما هو عداء "للغرب" ول يس مجرد ر
فض للاحتلال فلاستراتيجية الإسرائيلية هى محاول ة إقناع العالم بأن العداء العربى لها ليس عداء لاحتلال الأرض وإنما هو تعبي ر عن عداء العرب والمسلمين "للغرب" فدعوة عداء العرب للغرب لا تخلو من مسحة إس رائيلية. الغرب ليس كتلة صماء متجانسة بل هو تيارات متعددة والغرب ليس فقط أوروبا أو أمريكا المسيحية بل الغرب هو الدول الص ناعية المتقدمة فى اليابان أيضا كما فى الصين وربما قريبا فى الهند وكوريا. ا لغرب هو "شمال" أكثر مما هو "غرب" وهو الصناعات المتطورة ومراكز العلم والبحوث ومظاهر النهضة الفنية وهو أشياء كثيرة بعضها طيب
وبعضها خبيث. العالم ليس في ه شرق أو غرب وإنما هى حضارة عالمية ذات روافد متعددة ونحن شركاء فيها ولنا في ها مصالح تتوافق وتتعارض مع البعض فى بعض الأحيان الخلاف وارد وأحيانا مطلو ب أما العداء فهو غالبا ضار.

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية