نشرة المجتمع المدنى
العدد
142اكتوبر 2006
الأرض بتــتــكلــم كـــورى
أ/رماح ترك
جاء فوز بان كى مون وزير خارجية
كوريا الجنوبية بأرفع منصب دبلوماسى دولى ليصبح ثامن أمين عام
للأمم المتحدة وثانى أسيوى يشغل هذا المنصب منذ 35 عاماً أى بعد
انتهاء فترة ولاية يوثانت 1971. فى دورة جديدة للزمن عندما يعانق
التاريخ.
تبدأ من يناير 2007 ليجسد لحظة فريدة فى تاريخ المنظمة العتيدة.
لحظة صارت فيها الامبراطورية الأمريكية. القوة العظمى بلا منازع
تستحوذ على أكبر ترسانة عسكرية منذ هبوط الانسان على الارض. فليس
غريبا فى عصر التفوق الامريكى أن يأتى السكرتير العام منذ بطرس
غالى من دول تدور فى فلك السياسة الأمريكية. لينتهى التقليد
العالمى بأن يكون المنصب المرموق من دول محايدة أو غير منحازة أو
فى المستوى الادنى لا ترتبط بتحالف استراتيجى مع الولايات المتحدة
الامريكية مع تسجيل حقيقة كاشفة أن تصعيد كوفى آنان للإدارة
العليا. بمثابة ترقية لموظف تكنوقراطى قضى 40 عاماً فى دهاليز
المبنى الزجاجى بما يتسق مع معايير السياسة الامريكية. فلم تسمح
توازنات القوى الدولية أو ميكانزمات اتخاذ القرارات داخل مجلس
الأمن.
بظهور شخصية عملاقة فى حجم داج همرشولد السويدى الذى حظى باحترام
عظيم وقدرة على التأ ثير فى مجريات الأحداث. بان كى. مون اكتسح
منافسيه بتأييد ق وى من الولايات المتحدة الامريكية التى استخدمت
كل ما لديها من أوراق الضغط لاقناع اعضاء مجلس الامن بالتصويت له
ليطيح بالمرشح الهن دى ساسى ثارور مساعد السكرتير العام الحالى
للاتصالات والذى يبعث على الدهش ة أن الأردن أعلنت عن ترشيح
مندوبها الدائم فى الأمم المتح دة الأمير زين ابن رعد ولكنه أخفق
حتى فى الحصول على دعم دولة قطر الممثل العربى فى مجلس الأمن
حالياً.واصطفت الكتلة العربية والاسلامية خلف المرشح الكورى دون
اجراء مشاورات لا ستطلاع موقف دولته من قضايانا العربية أو توجهاته
السياسة تجاه النزاعات المسلحة فى العالم. أى اننا انسقنا وراء
العربة الامريكية د ون أن نحاول تقاضى الثمن أو ربما الوعد
بالمكافآة فيما بعد .
أى أن الذين يحلمون بعالم
متعدد الأقطاب. قد تتمكن فيه القوى الصاعدة من الم نافسة لاحقاً
عليهم أن ينتظروا قليلاً. فمراكز القوى الجد يدة لم تتجرأ بعد فى
الخروج من بيت الطاعة الأمريكى. على الأقل فيما يتعلق بقض ايا لا
تتصل مباشرة بمصالحها الحيوية. فإدارة بوش وضعت الس كرتير العام
الجديد فى منصبه لأنه لم يخذلها قط لا أثناء خدمته فى سفارة بلاد ه
فى واشنطن أو تمثيله للسياسة الخارجية الكورية. ظل دائما ً مدافعاً
صلداً عن اتجاهات السياسة الامريكية ومعتبراً أن المواجهة المفتعلة
بين الولايات المتحدة والمنظمة العالمية غير عملية.
فالمنظمة الدولية تحتاج الولايات
المتحدة. بقدر ما تحتاج الولايات المتحدة ا لمنظمة الدولية وقد
تباينت الرؤى حول شخصية الأمين العام الثامن. ففى حين لا يرى البعض
فيه إلا رجلاً هادئاً. خفيض الصوت. مهذب العبارا ت. لا يتمتع
بقدرات غير عادية. يذهب الكثيرون إلى تقدير شخص يته الواقعية وعمله
الجاد الدءوب والطابع المتفاعل فى تناوله للأزمات المح لية
والاقليمية والدولية وموهبته فى الانصات لوجهات النظ ر المتناقضة
وكراهيته للعمل تحت الضغط لأنه يولد الأخطاء وهو يؤمن بحكمة اس
تنبطها من تدفق الماء الجارى يلخصها. "عندما يتأمل الانسان الماء
الجارى فى ا لجداول فإنه يستخلص درساً مهماً. فالماء الجارى إذا
واجهته صخرة تسد طريقه ف إنه يبدأ بهدوء فى الانحناء جانباً
متلافياً الصخرة وهكذا.
فالماء لا ينسى هدفه. كما أنه
لا يتوقف وهو يسير دائماً نحو هدفه النهائى.إنها فلسفة عميقة رغم
بساطتها وإن كانت لا تحقق نتائج سريعة وإنما تطهر آثار ها على
المدى البعيد وتحتاج الى صبر لا ينفذ وإصرار لا يعرف التراجع
وعزيمة ل ا يفتر عضدها. ولكنه لم يستطرد ليجيب عن اشكالية.
ماذا لو كا نت الصخرة من
الضخامة بحيث تسد تماماً مجرى النهر. هل سننتظر آلاف السنين حتى
يتمكن النهر من اختراقها أو الدوران حولها أو شق مجرى جديد.
وبمعايير أخلاقية ودينية ألا يعد ذلك نوع من الانسحاب امام
الظالمين و دعاة الهيمنة ومفكرى الصدام. وإن كان يشفع له أن
معالجته للأزمة النووية الكورية الشمالية اتسمت بالحصافة والرؤية ا
لعملية فهو لم يحيد عن سياسة الحوار مع الشمال وتقديم المساعدات
الانسانية وصياغة المبادرات لتخفيف حدة التوترات فى خطوط التماس.
مع اعلانه أن البرنا مج الصاروخى والنووى الكورى الشمالى يشكل
تهديد حقيقى لن ظام منع الانتشار فى العالم بأسره الى جانب ما
يمثله من خطر على الأمن الأقلي مى وحث كوريا الشمالية على التراجع
عن أى عمل يمكن أن يفاقم الأزمة ويعود بال محادثات السداسية الى
نقطة البداية والاعراب عن أمله فى اعلان شبه الجزيرة الكورية منطقة
خالية من السلاح النووى. ويرى بان كى .
مون أن الأمم المتحدة يج ب أن
تسير فى طريقها نحو تحقيق الاصلاح المؤسسى انطلاقاً من عدم قدرة
اطار ال عمل الحالى داخل المنظمة على مواجهة التحديات الجديدة
للقرن 21 وأن يشمل الاص لاح عملية مراجعة لسياسات وبرامج الأمم
المتحدة لاستغلال وتوظيف الموارد المحدودة باسلوب فعال واطلاقه
نداء تجدي د الثقافة واسلوب التفكير لدى العاملين داخل المنظمة
واستعارة أفضل ما فى ا لقطاع الخاص من ممارسات وهى عملية طويلة
الأمد تتطلب الاستمرارية والتراكم. والجدير بالتسجيل هو ما فعلته
كوريا لان جاح مرشحها فقد وعت بمساعدات للمنظمة الدولية فى حالة
فوزه تصل الى عشرات ال ملايين من الدولارات واتفاقية تجارية جديدة
مع دول الاتحاد الأوروبى للقضا ء على الاصوات المعارضة لبان مون
التى تعتقد أنه سينصاع تم اماً لواشنطن ودعم مالى جديد للدول
الافريقية.إنه وجه عقلانى لدولة قوية على موعد مع المستقبل. بينما
نحن يفترسنا الأسى فت رشيح بطرس غالى كان باقتراح من موبوتو سيسكو
رئيس دولة زائير سابقاً والكون غو الجديدة حالياً ولم نقدم لدعم
ترشيحه سوى الكلمات وما دونها.
من
هو بان كى مون ؟
ولد بان كى مون فى عام 1944 بايمسيونج بمقاطعة شنجشيونج الشمالية
وذلك قبل تقسيم الكوريتين وبعد تخرجه وحصوله على درجة البكالوريوس
فى إدارة العلاقات الدولية من جامعة سول الوطنية عام 1970.
اجتاز اختبار الانضمام الى المؤسسة الدبلوماسية. حيث خدم فى سفارات
بلاده بالعديد من الدول مثل الولايات المتحدة والنمسا والهند وشغل
منصب نائب وزير الخارجية منذ عام 2000 قبل ان يتم تعيينه وزيراً
للخارجية والتجارة عام 2004 وهو متزوج من السيدة يوو سووف تايك وله
منها ولد وبنتان.