نشرة المجتمع المدنى

العدد 142اكتوبر 2006

الى متى سنظل نلوم الخارج على مشكلاتنا ؟
د/ سعد الدين ابراهيم

اقرأت في صحيفة المصري اليوم (13/10) تصريحات لوزير الأوقاف ولنقيب المحامين، ولأحد أولياء الأمور، يجمع بينهما ـ رغم اختلاف موضوعاتها ـ عامل مشترك، وهو لوم الخارج على مشكلاتنا الراهنة، في خريف 2006!
وهذا تضليل مقصود، أو حسن نية لدرجة البلاهة المؤسفة، أو غوغائية انتهازية لكسب التصفيق أو ابتزاز المسئولين. ولكن لذلك كله بداية... وإن لم تبد له في الأفق نهاية. فما هي البداية؟. نشأنا، نحن جيل الستينات، على مقولات ثورة يوليو، التي غرست في عقولنا وقلوبنا، أهمها أننا دائماً مستهدفون من قوى خارجية معادية، تريد بنا شراً، سواء لاستغلال ثرواتنا، أو احتلال أرضنا، أو إخضاع شعبنا، ومعه بقية شعوب الأمة العربية والإسلامية. وكانت تستند هذه المقولات على ما يكفي من الأدلة والشواهد التاريخية لتصديقها، بلا شك أو مراجعة. فقصة الحملة الفرنسية (1798)، ثم الاحتلال البريطاني (1882)، ثم نكبة فلسطين (1948)، ثم العدوان الثلاثي في أعقاب تأميم قناة السويس (1956)، ثم حرب يونيه وهزيمتنا المروعة (1967) كانت ماثلة في كتب التاريخ أو أمام عيون جيلي ومن خلال خبراته المباشرة.

ولكن هزيمة يونيه 1967، كانت أيضاً من البشاعة والهول، بحيث لم يعد ممكناً الاستمرار في لوم الخارج على هذه الهزيمة، مع أن عبد الناصر حاول ذلك في البداية، بادعاء أن سلاح الطيران الأمريكي ساعد إسرائيل في تدمير طائراتنا على الأرض صباح اليوم الأول للحرب (5 يونيه). ولكنه أدرك أن قطاعاً كبيراً من الشعب لم يصدق هذه الرواية، فاضطر الرجل أن يعلن استقالته، ويتحمل مسئولية الهزيمة... لولا أن مئات الآلاف خرجت متظاهرة يومي 9 و10 يونيه، ومطالبة إياه بأن يظل في السلطة، إلى أن يزيل آثار الهزيمة (أو العدوان، أو النكسة).

فأذعن عبد الناصر للرغبة الشعبية العارمة، وظل في السلطة، يستعد ويعد مصر لحرب يزيل بها آثار ما حدث. ولم يمهله القدر لتحقيق ذلك، حيث رحل عن عالمنا بعد ثلاث سنوات من الهزيمة، وتولى المسئولية نائبه أنور السادات، الذي أكمل استعدادات سلفه، وخاض حرباً في أكتوبر 1973 كان أداؤنا فيها مبهراً لنا ولأعدائنا وللعالم. ولكن بعد فترة قصيرة، عدنا إلى نفس مقولة "أننا مستهدفون من أعدائنا بالخارج. وأضفنا عليها مقولة جديدة، وهي أن حروبنا مع إسرائيل من أجل فلسطين والعرب هي التي أفقرتنا. وظلت المقولتان تترددان إلى الوقت الحاضر، على نحو ما سنرى من وزير أوقافنا النابه د. محمد حمدي زقزوق، ومن نقيب محامينا المفوه سامح عاشور. ولكن مقولة ثالثة زحفت إلى خطابنا السياسي في السنوات العشر الأخيرة، وانضمت بامتياز إلى المقولتين المذكورتين أعلاه (وهي الاستهداف من الخارج والإفقار بسبب حروبنا من أجل العرب). والمقولة الثالثة هذه هي "أن الحكومة تسعى لتدمير التعليم الديني والأزهري، تنفيذاً لتعليمات خارجية". فلنبدأ بتصريحات وزير الأوقاف في الصالون الثقافي للأوبرا الذي يديره الكاتب الصحفي أسامه هيكل، زميلنا على صفحة الرأي بصحيفة المصري اليوم. فطبقاً لما نقله مراسل الصحيفة، أحمد البحيري، وكان الوزير يرد على بعض مستمعيه الذين لاموا الحكومة على تقاعدها في نصرة لبنان وقت تعرضها للعدوان الإسرائيلي في الصيف الماضي.

قال الوزير: "الكل يعلم جيداً أن مصر هي الدولة الوحيدة التي تعمل من أجل العرب. وما أكثر الجهود التي بذلتها من أجل القضية الفلسطينية، ولمنع الحرب على العراق، وأتحدى أن تأتوني بدولة عربية واحدة فعلت ما تفعله مصر، أو خاضت أربع حروب من أجل العرب... والذي أفقر مصر هو أنها تبنت القضايا العربية..." وليس د. زقزوق وحده الذي يردد هذا الكلام، لدرجة التصديق واليقين، دون مراجعة أو حتى تساؤل، وهو الذي درس الفلسفة، ومنها الفلسفة الجدلية الألمانية، التي تعتمد منهجية الشك الديكارتي. فحقيقة الأمر أن مصر لم تدخل إلا حرباً واحدة من أجل فلسطين، وهي الحرب الأولى عام 1948، ولم تكن وحدها، ولكن كان معها عدة بلدان عربية أخرى (سوريا، العراق، والأردن، وحتى السعودية واليمن ولبنان)، وهزم الجميع. ولم يعاودوا الكرة أبداً. أما الحروب الثلاثة الأخرى (1956، 1967، 1973) فقد كانت حروباً مصرية ـ إسرائيلية على أراضي مصرية، ومن أجل مصر، وليس من أجل فلسطين أو العرب. بل إن العكس هو الصحيح فإن عرباً آخرون ـ بنفطهم، وسلاحهم، وأموالهم ـ هم الذين وقفوا مع مصر. وأرجو من د. زقزوق أن يعود إلى المراجع التاريخية الموثوقة في هذا الصدد، بدلاً من ترديد ما يقوله السياسيون الاعتذاريون لتبرير خيبتهم في الحرب وفي السلام. فها هي إسرائيل التي خاضت معنا كل هذه الحروب وحروباً أخرى مع اللبنانيين ومع الفلسطينيين، ومع ذلك فإن معدلات التنمية فيها لم تتوقف أو تتراجع. وكان متوسط الدخل الفردي فيها عام 1948 مثل مصر أو أقل قليلاً. ولكن هذا المتوسط وصل الآن إلى خمسة عشر مثلاً لمتوسط الدخل الفردي في مصر المحروسة. ولتذكير د. زقزوق، أن حروبنا السابقة مع إسرائيل، حدثت بين عامي 1948 و1973، أي خلال الربع قرن الأول من تاريخ الدولة العبرية. وقد توقفت حروبنا مع إسرائيل منذ 33 عاماً.

أي أن فترة السلام معها فاقت فترة لحرب. ومع ذلك ظلت مصر فقيرة. بل إنه في العام الأخير وحده أو طبقاً لتقرير "التنافسية الكونية"، تقهقر مركز مصر من المرتبة 52 إلى المرتبة 63، بينما ارتقت إسرائيل من المرتبة 23 إلى المرتبة 15 ـ رغم حروب الاستنزاف التي تخوضها مع الفلسطينيين واللبنانيين. وفيما عدا هذه المؤاخذة على كلام الوزير، فإن بقية حديثه عن الحجاب والنقاب والإسلام كان غاية في الاستنارة، ربما لأنه كان يسبح في بحر يعرفه تمام المعرفة. أما أخونا سامح عاشور، نقيب المحاميين المصريين والعرب، فطبقاً لما نقلته عنه "المصري اليوم" في حفل إفطار بمحافظة البحيرة "أن مصر هي المحطة التالية بعد العراق وسوريا والسودان... وأن التدخل الأجنبي في السودان خطوة وهدف للوصول إلى قلب القاهرة..." ولم يفصح النقيب عن القوى التي تهدف إلى الوصول إلى قلب القاهرة عن طريق السودان... ولا لماذا الآن؟ فإذا كان لنا أن نخمن، فلا بد أنه يشير إلى أمريكا، فهي التي غزت العراق، وتضغط على سوريا، وتؤيد التدخل الدولي في السودان. ولم يسأل النقيب نفسه، ومن الواضح أن أحداً لم يسأله، إذا كانت أمريكا هي المقصودة فعلاً، ألا يعلم الرجل أن ها لا تحتاج إلى إرسال قوات لمصر، حيث أن لها وجود عسكري واقتصادي وسياسي ثقيل في مصر بالفعل، وأن تأثيرها ونفوذها في مصر لم يكن بدا بالدرجة التي وصل إليها الآن طوال ثلاثمائة سنة هي عمر أمريكا، وطوال ستة آلاف سنة هي عمر مصر... ولكن على ما يبدو فإن سيادة النقيب لم يجدد، أو يراجع خطابه منذ الستينيات. ومن الطريف أن تصريحاته وصورته ظهرت في نفس الصفحة التي ظهرت فيها صورة وخبر عن السيد عمرو موسى، أمين عام جامعة الدول العربية. وخطاب الرجلين متشابهان إلى حد التطابق. فيا لها من صدفه وهنيئاً لكل منهما بالأخر، وإبحارهما الدائم في محيط الذكريات! أما المقولة الثالثة عن "الاختراق" و "التدمير" للثقافة العربية والديانة الإسلامية بواسطة حكومتنا، "تنفيذاً لأوامر خارجية"، فقد ردده السيد نور البهنساوي، عضو لجنة الوفد في سوهاج في معرض شكواه الغاضبة لوجود 1500 مدرس عجز في المعاهد الأزهرية في محافظته، التي هي أيضاً مسقط رأس د. محمد سيد طنطاوي، شيخ الجامع الأزهر. العجز أساساً هو في مدرسي اللغة الإنجليزية.

ويبدو أن السيد نور البهنساوي لا يستوع ب أن يكون هناك نقص مثل هذا في محافظة شيخ الأزهر، وفي المعاهد الأزهرية، إلا إذا كانت هناك "مؤامرة من الخارج"، لتدمير التعليم الأزهري. فإما أن الشيخ طنطاوي ضالع في المؤامرة، أو هو مغلوب على أمره، حيث لم يستطع إفساد هذا المخطط الخارجي الخبيث! هؤلاء الثلاثة ـ وزير أوقاف، ونقيب محامين، وعضو لجنة الوفد في سوهاج ـ ربما لا يعرفون بعضهم البعض. ولكن يجمع بينهم منهج فكري واحد، وهو لوم "طرف خارجي"، لوجود مشكلات في الداخل المصري. هذا رغم أن مصر ح صلت على استقلالها السياسي عام 1923، ثم استكملته وكرّسته في منتصف خمسينات القرن الماضي ـ أي منذ أكثر من نصف قرن. وحتى صراعنا المسلح مع إسرائيل توقف عملياً منذ عام 1973، أي منذ ثلث قرن. ومع ذلك يستمر بعض مسئولينا في استخدام الخارج كشماعة لتعليق نقائصنا، وكأن هؤلاء المسئولون، ومن سبقوهم في نفس المواقع لا تثريب عليهم بالمرة... ولسان حالهم يقول "نحن أبرياء من أي تقصير أو إهمال أو جهل أو فساد". ومن كثرة ترديد هذه الاسطوانة المشروخة، صدقها المواطنون العاديون، ثم بدأوا يرددونها هم أنفسهم ـ على شاكلة السيد نور البهنساوي، الذي يفسر النقص في مدرسي اللغة الإنجليزية، بوجود ضغط خارجي لتدمير التعليم الديني والأزهري في محافظة سوهاج.

ولعله يقصد بالأطراف ا لخارجية التي تضغط كل من بريطانيا (الاستعمار القديم المجرم) وأمريكا (الاستعمار الجديد الأكثر إجر اماً بالطبع). وربما لم يخطر ببال هذا المواطن أن يكون التقصير من حكومتنا أو من وزارة التربية والأزهر تحديداً. فالأسهل لديه، كما لنقيب المحاميين ولوزير الأوقاف أن يشجب قوى خارجية، ولتكن أمريكاً أو ربيبتها بريطانيا وإسرائيل. ولم يخطر ببال السيد نور البهنساوي أنه لو كان هناك مخطط أمريكي ـ بريطاني لتدمير التعليم في مصر، فلن يكون باستهداف مادة "اللغة الإنجليزية" تحديداً. فهذه المادة هي لغتهم، وسلاحهم للاختراق والتدمير. فنرجو من السيد البهنساوي في سوهاج، كما نرجو من وزير أوقافنا النابه، ومن نقيب محامينا (المدافع عن حمى العراق وسوريا ولبنان والسودان وقلب القاهرة) أن يراجعوا خطاباتهم، وأن يجددوا في لغتهم، وأن يطوروا منطقهم. وليسقط كل المتآمرون علينا من الخارج. ولتسقط أمريكا، حتى يستريح الجميع. وعيد فطر مبارك! .

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية