نشرة المجتمع المدنى

العدد 142اكتوبر 2006

jتحامل الغرب على الاسلام ...لماذا؟
د/ محمود اسماعيل

لم يخطى "إدوارد سعيد" حين كتب فى ثمانينات القرن الماضى كتابه "تغطية الإسلام" الذى تنبأ فيه بأن الاسلام مرشح ليكون خصما للإمبريالية بعد انهيار الكتلة الشرقية التى تنبأ أيضا- أنذاك- بسقوطها على المدى القريب. لم تكن نبوءته تلك من قبيل قراءة الطالع أو الرجم بالغيب بل كانت مؤسسة على استشراف علمى مستقرأً من معطيات واقعية من تلك المعطيات نجاح المقاومة الإسلامية فى مواجهة الوجود السوفيتى فى أفغانستان، هذا النجاح الذى كان مؤشرا على انهيار الكتلة الشرقية بل ربما كان سببا من أسبابه. منها أيضا نجاح الثورة الإسلامية فى إيران التى كانت فى عهد الشاة بمثابة قاعدة أمامية للغرب الإمبريالى لمواجهة السوفيت بل أداة- إلى جانب إسرائيل- للحفاظ على النفوذ الغربى فى الشرق الأوسط. لقد قدم المجاهدون فى أفغانستان والأيديولوجيا الشيعية فى إيران أنموذجا لإسلام "جديد" New Islam، أو إسلام "ثورى"- حسب اصطلاح الغربيين آنذاك- أثار دهشة الغرب الذى كان يعتبر الإسلام غطاء أيديولوجيا للتخلف والاستبداد فى أن ولعل هذا يفسر اهتمام مراكز البحث فى الغرب بتلك الظاهرة بهدف مواجهتها قبل انتشارها فى العالم الإسلامى، بما يهدد مصالح الغرب، ولعل هذا يفسر لماذا اندلعت حرب الخليج الأولى- التى استمرت ثمانى سنوات- بهدف إجهاض النموذج الاسلامى الثورى.

كما يفسر أيضا هلع الغرب من تعاظم المد الأصولى فى أفغانستان إلى حد إقامة حكومة طالبان الإسلامية. وجدير بالملاحظة أن الغرب أطلق على مجاهدى أفغانستان مصطلح الأصولية Fundimentalism إبان نضالهم ضد السوفيت بما يعنى أصحاب الإسلام الصحيح، ثم استبدله بمصطلح Terrorism الإرهاب- حين ناهضوا النفوذ الغربى..!. بعد انهيار الكتلة الشرقية وظهور القطب الأوحد الأمريكى لفرض هيمنته على العالم تحت شعار "العولمة" تحدث منظرو الإمبريالية عن ظاهرة "صراع الحضارات" التى كانت تعنى وتعبر- على استحياء- عن القطب الإسلامى الجدي د كخطر محدق يهدد مصالح الغرب ويستهدف الإطاحة بحضارته. وتحول الأمر من مرحلة الصراع الأيديولوجى إلى مرحلة الص راع العسكرى المباشر، خصوصا بعد وقوع كارثة 11. سبتمبر 2001 التى نسبت إلى الإرها ب الإسلامى، فكان ما كان من غزو أفغانستان ثم العراق والتل ويح بغزو دول أخرى أهمها سوريا وإيران باعتبارهما يمثلان "محور الشر" وهو تعب ير أخلاقى يخفى ويضمر مفهوما دينيا بل إن "بوش" أفصح صراحة فى أحد أحاديثه عن "ص ليبية" جديدة موجهة ضد الإسلام، كغطاء ايديولوجى لمشروع الهيمنة على "قلب ال عالم"- العالم الإسلامى- توطئة للسيطرة على العالم، لأنه "إذا ما سقط القلب، ت هاوت الأطراف". حسب تنظيرات "ماكندر" و"سبيكمان" فى مجال الاستراتيجيات. وبديهى أن تظهر كتابات غريبة متنوعة- من كتب وصحف ورسائل وإنترنت وغيرها- تتحامل على الاسلام كعقيدة تلفيقية عدوانية وعلى نبيه"محمد"- صلى الله عليه وسلم- وعلى المسلمين بعامة باعتبارهم أشر ارا متخلفين وعدوانيين. بديهى أيضا أن تبدأ محاولات محاصرة الإسلام فى عقر دياره بالتدخل فى صياغة برامج التعليم والثقافة بعامة تحت دعاوى الإصلاح وتجديد ا لخطاب الدينى .. الخ.

على أن تعاظم المقاومة الإسلامية فى أفغانستان والعراق وفلسطين ولبنان وطموح إيران لتكون دولة عسكرية نووية أفضى إلى تهديد المشرو ع الأمريكى- الصهيونى وفشله ولو إلى حين وكان الغزو الأمريكى- الاسرائيلى لل بنان بهدف القضاء على "حزب الله" بمثابة محاولة لاسترجاع الهيبة الأمريكية ا لمهدرة توطئة لشن حرب ضارية على إيران وسوريا للقضاء على المد الثورى الإسل امى توطئة للشروع فى تحقيق مشروع "الشرق الأوسط الجديد".

ولعل هذا يفسر تعاظم الحملة على الإسلام متمثلة فى الرسو م المسيئة إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم- كمنطاد اختبار لردود الفعل فى العالم الاسلامى التى أثبتت تقاعس الحكومات والمؤسسات الديني ة بما يشجع على المضى قدما فى تحقيق الضربة القاصمة إلى حزب الله فى لبنان. لكن انتصار الأخير وما أسفر عنه من تعاظم جماهيريته بين ا لمسلمين، وفضح النظم العربية الموالية لأمريكا وتطاول إيران إلى درجة التح دى كل ذلك يفسر تعاظم الحملة على الإسلام ونعته بأبشع الصف ات، فقد تحدث "بوش" عن تحديه للإسلام الفاشستى وأفصح بابا الفاتيكان عن تهم مو جهة للإسلام مقتبسة من أضابير العصور الوسطى الصليبية. والسؤال: ما الأسباب والدوافع الكامنة وراء حملة التشهي ر تلك؟ بديهى أن الإمبريالية الجديدة أدركت حقيقة ناصعة م فادها أن الإسلام يشكل أيديولوجية ثورية مناهضة للمشروع الإمبريالى- الصهي ونى من ناحية وللنظم المحافظة والموالية للغرب من ناحية أخرى بما يحبط هذا ا لمشروع فى مهده فالثابت أن المقاومة لهذا المشروع تضطلع بها قوى وأحزاب إسل امية بالدرجة الأولى كإيران وحماس والجهاد وحزب الله فضلا عن تنظيم القاعدة وما يدور فى فلكه من منظمات أخرى. كما أدركت أهمية الإسلام فى مواجهة الاستعمار الاستيطا نى من قبل وتحقيق التحرر الوطنى ، مثال ذلك الحركة المهدية فى السودان والحز ب الوطنى فى مصر والحركة السنوسية فى ليبيا والأمير عبد ال قادر الجزائرى وابن باديس فى الجزائر وحزب الاستقلال فى المغرب بزعامة علال الفاسى.. الخ وكلها حركات نهلت من مفهوم "الجهاد" فى الإسلام. كما كان هذا المفهوم من وراء تعاظم حركة الفتوح الإسلامي ة الأولى التى أسفرت عن تحقيق وحدة "دار الإسلام
" وتطلع لغز و أوروبا ونجاحهم بالفعل فى فتح الأندلس وجنوب فرنسا كما غزوا جزر البحر الم توسط وجنوبى إيطاليا وهددوا بسقوط روما مرتين وأسقطوا القسطنطينية فيما بعد على يد الأتراك العثمانيين الذين توسعوا فى أوروبا الشرقية ووصلوا إلى أس وار "فيينا".

لقد انعكست تلك الانتصارات على نظرة ال غرب إلى الإسلام خلال العصور الوسطى فشنت الكنيسة البيزنطية والبابوية حمل ة شعواء على الإسلام والمسلمين وجرى اعتبار الإسلام كنحلة مأخذوة عن المسيح ية الشرقية ونظر إلى القرآن الكريم على أنه تصور بدوى للتوارة مبتسر ومخل. اما الرسول- صلى الله عليه وسلم- فهو زير نساء يقتنص البغايا فى نظر "توما الإكوينى" أو مريض عصابى بداء الصرع ووضعه "د انتى" فى الدرك السفل من الجحيم على أن تلك النظرة الكنسية المتعصبة ما لبثت أ ن خفت إبان عصر الأنوار، خصوما بعد ترجمة معانى القرآن إلى اللغات الأوروبي ة يظهر ذلك جليا فى كتابات "فولتير" و"جوته" على سبيل المثال. وبرغم ما أسفرت عنه حركة الاستشراق من كشف عن حقائق الترا ث الإسلامى إلا أن الكثيرين من المستشرقين تأثروا بالرؤية الكنيسة الموروث ة عن عصور الظلام فقد شكك بعضهم فى الفكر الاسلامى واعتبروا جوانبه المشرقة محض نقل وترجمة عن التراث الكلاسيكى الأوروبى بل منهم من ح كم على العقلية السامية بالجدب وعدم الابتكار. بديهى أن يعمد منظروا الإمبريالية حاليا- من أمثال برنار دلويس وتلامذته- إلى إحياء تلك النظرة المجحفة للإسلام والمسلمين وتوظيفها لخدمة المشروع الأمريكى- الصهيونى المعاصر وما اتهام باب ا الفاتيكان الإسلام باللاعقالانية والإرهاب إلا ترديدا لدعاوى مأخوذة عن خطاب العصور الوسطى باعترافه. وإذ ظهرت كتابات منصفة للإسلام حديثا- مثل كتابات جارودى وموكاى وحتى نيكسون رئيس الولايات المتحدة الأسبق- وذهب بعضهم إلى تزكية ال إسلام ليكون دين البشرية فى المستقبل فإنها أزعجت دون شك ا لأوساط السياسية والدينية فى الغرب إذ ثبت أنه بعد حدث 11 سبتمبر وإطلاع الكثي رين فى الغرب على حقيقة الإسلام كثر اعتناق الكثيرين منهم الدين الذى يحاول الساسة تشويهه. لذلك وغيره حاولوا القيام بحركة تبشير للمسيحية فى الدول الإسلامية بصورة تسترعى الانتباه كما عولوا على إثارة ا لأقليات المسيحية فى تلك الدول على النظم الحاكمة بدعاوى الاضطهاد توطئة لإ قامة كيانات طائفية ضمن مشروعهم عن الشرق الوسط الجديد. ناهيك عن سوء معاملة الاقليات الإسلامية فى الغرب تمهيد ا لطردها فى المستقبل القريب. خلاصة القول إن تحامل البابوية وبعض حكام الغرب والأحزا ب اليمنية على الإسلام والمسلمين ينذر بصليبية جديدة كغطاء ايديولوجى لمشر وع الهيمنة الأمريكية- الصهيونية ومن أسف أن يحدث هذا فى القرن الواحد والعش رين لكن حركة التاريخ كفيلة بوأد هذه الظاهرةتأسيسا على  قيقة توجه صيرورة التاريخ صعدا وإلى الأمام.

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية