نشرة المجتمع المدنى

العدد 142اكتوبر 2006

هل فشلت المرأة المصرية فى ارتياد الانطلاقة الثانية نحو المستقبل ؟.
أ/ مختار قاسم

 بضعة ليال تفصل بين انحسار الأضواء عن مؤتمر الحزب الوطنى الديمقراطى "الفكر الجديد والإنطلاقة الثانية نحو المستقبل" الذى طرح قضية تعديل النظام الانتخابى بحيث يتم تبنى نظام أفضل لتعزيز وجود المرأة فى البرلمان وتصريح د. مفيد شهاب وزير الشئون البرلمانية والدستورية "أن فكرة تخصيص مقاعد للمرأة فى البرلمان" تواجه مشاكل عديدة بسبب ظهور أراء معارضة حزبية وبرلمانية ترفض تمييز المرأة عن الرجل" على خلفية موسيقى الاحتفال بمرور نصف قرن من الزمان على دستور 1956 الذى أتاح للمرأة المصرية ممارسة حق الترشيح ثم الاحتفال باليوبيل الذهبى لدخول المرأة البرلمان (1957 -2007) وهو ما ينبئ عن الخطاب المراوغ لحزب الحكومة الذى يرفع شعارات لا يستطيع أن يطبقها فى الواقع المحسوس يتفنى بإصلاحات لا تخرج أبدا عن إطار الآمال المعقودة أو التمنيات المنشودة. والمفارقة أن الصورة التى يرسمها لنفسه والمتخلقة من عالم تصورات وهمى.

لا يشاهدها إلا قياداته المنعزلة فى ضبابية من صنعها كحزب للأغل بية الكاسحة. يجعل من أولوياته تغيير البيئة السياسية لصالح قيم التحديث وا لنهضة. والابتكار المخطط للدفع بأكبر عدد من النساء داخل المجلس التشريعى. و أين كان هؤلاء. المعارضين أثناء مؤتمر الحزب؟ وهل ظهرت هذه المشاكل والعوائ ق فجأة؟ وكأنها لم تكن معلومة؟ مع ان ضآلة الدور السياسى التشريعى للنساء ال مصريات معضلة اجتماعية نعانى منها منذ انتخابات 1957 وحتى انتخابات 2005 فلم تزد ن سبة مشاركة المرأة عن 2.5% تتدنى أحيانا إلى 1% مع استثناءات بسيطة تمحورت فى محا ولة وضع نصاب معين للمرأة عن طريق التمييز الايجابى بصدور القانون رقم 21 لسنة 1979 الذى خصص ثلاثين مقعدا على الأقل فى مجلس الشعب لا يجوز التراجع عنها كآلية لتمكينها فى المجال العام استنادا أن المادة 28 من الدستور تقضى بأن تكفل الد ولة تكافؤ الفرص لجميع المواطنين. ولكنه الغى باعتباره غير دستورى ويتناقض مع مبدأ المساواة وبعده صدر القانون رقم 114 لسنة 1983 الذى تضمن النص على أن تشمل ق ائمة المرشحين فى إحدى وثلاثين دائرة.

 عضوا من النساء باعتبارهم من الفئات ا لضعيفة والمهمشة لأسباب اجتماعية ومورثات ثقافية ولكنه الغى أيضا لحرمان ا لمستقلين من حق الترشيح خارج الأطر الحزبية مما أدى إلى الحكم عليه بعدم الد ستورية. وقد لا يكون نظام الكوتا أو الحصص التمثيلية حتى ولو كان لفترة محدود ة هو الحل الأمثل أو العصا السحرية التى ستؤدى إلى انطلاق الدور السياسى للم رأة. فالتجربة المصرية أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن حصول النساء على حق الت رشيح وتولى الوظائف القيادية دون نضال حقيقى أو ملحمة كفاح ضمن منظومة المك تسبات الاجتماعية والسياسية لثورة يوليو أضعف وضعيه المرأة داخل المجتمع و خلق ظاهرة الحقوق التى لا تستخدم وغيب فى أجواء اللامبالاة بلورة حركة سياس ية منظمة لتبوأ المرأة مناصب الصدارة تعبيرا عن تفاعلات ديناميكية فى البيئ ة الاقتصادية والاجتماعية فقد جاء التمثيل الذى اصطنعته السلطة مخيبا لطمو حات حواء واحتلت مقاعد المجلس التشريعى سيدات لم يدافعوا يوما عن حقوق النس اء أو أحلامهم المشروعة بل تبنوا دوما التشريعات التى تقهر المرأة وتنقض من حقوقها.

 الإشكالية فى اعتقادنا هى افتقا د الحزب الوطنى لرؤية واقعية للدور الذى يمكن أن تلعبه المرأة فى الحياة الس ياسية. فلجنة السياسات المختصة بتسويق الفكر الجديد. صرح المتحدث باسمها د. م حمد كمال أن الانتخابات البرلمانية ليست مسابقة لملكه جمال مصر (جريدة الحي اة. الصفحة الخامسة 9/11/2005) فالفكرة المسيطرة على أدمغة قيادات الحزب وإن تجملت بكلمات مرسلة لا تعنى شيئا. أن المرأة لا تصلح للمشاركة السي اسية لأنها أسوا خطا فى المنافسة وأقل قبولا لدى الناخبين (رجال ونساء) فهى لا تستطيع الحصول على توقيعات الوزراء أو الاستيقاظ فى منتصف الليل لأداء واج ب تجاه مواطن فى الدائرة ولذلك لم يرشح الحزب إلا 7 سيدات من أصل 444 بنسبة 1.57% فى ان تخابات 2005 فى مقابل 11 سيدة من أصل 444 فى انتخابات 2000 وهو ما انعكس أيضا على النتائج . فعدد المشاركات فى مجلس الشعب فى دورته السابقة (2000م- 2005) كان 13 عضوه من إجمالى 454 ب الأعضاء المعينين بنسبة 3% وانخفضت المشاركة فى برلمان المستقبل (2005م -2010) لتصل إ لى 8 عضوات بنسبة 1.9% وحتى الوزيرتين الحاليتين فايزة أبو النجا أو عائشة عبد ال هادى غير معروف عنهما اهتماماتهما بقضية المرأة أصلا فهما ينظران إلى بحاجا تهم المهنية إنها ظاهرة استثنائية لا تتكرر كثيرا.

والمثير للدهشة أن مجهود ات المجلس القومى للمرأة فى تسجيل 1.3 مليون ناخبة جديدة من المناطق المهمشة و الفقيرة باستخراج بطاقات انتخابية لهم وتدريب الف امرأة على تخطيط الحملات الانتخابية وخوض المعارك البرلمانية والمحلية والمهنية تم تطويع المخرجا ت النهائية لها لخدمة ظواهر انتخابية ساهمت فى تعطيل مسيرة التطور الديمقرا طى فقد طرح المليون ونصف صوت الجديدة بالإضافة إلى 8 مليون صوت من أصوات النسا ء فى بورصة الأصوات لمن يدفع أعلى سعر. فإذا كانت نسبة التصويت وفقا لمصادر حك ومية لم تتعدى الـ 20% فان معنى ذلك أن 20% من جملة 38% الذين يمثلون القاعدة التصويت ية للنساء ذهبت أما إلى جماعة الأخوان المسلمين الذين برعوا تاريخيا فى تعب ئة الصوت النسائى وحشده للتصويت لصالحهم لأداء واجب الشهادة او تنظيم تجمره ن أمام لجان الاقتراع فى تظاهرات جاذبة لكاميرات وكالات الأبناء. بينما صوت ت الفقيرات والمهمشات والمنبوذات اللائى يعشن فى بؤر سكانية اقرب إلى عصر ا لبدواة لمرشحين الاكسترا لارج من أمثال المرشح الذى حل محل سلطة الدولة وأع لن منح معاش شهرى موازى لمعاش السادات ومبارك لكل فقير من أصحاب البطاقات ال انتخابية طبعا دون اشتراط شهادة الفقر التى تشترطها وزارة الشئون الاجتماع ية سابقا. أى أن هناك حد أدنى للمعيشة فى دوقية المرشح السوبر فى دائرة المال والأعمال مصر الجديدة ومدينة نصر. أو المرشح الذى رفع قيمة الصوت إلى 1000 جنيه ف ى دائرة بولاق أنه فشل ذريع لآليات عمل المجلس القومى للمرأة وعضواته من الم ثقفات وأساتذة الجامعات وسيدات الأعمال الغير مقيدات فى جداول الناخبين وع ازفات عن المشاركة أكتفاء بتصدر منصات مؤتمرات فنادق الفايف استارز أو الظه ور فى الفضائيات أو تشكيل جمعيات لسيدات الأعمال بدلا من الوقوف فى طوابير ا لمصوتين والتعرض لظواهر العنف المفرط أو إفساد تسريحه شعورهن أو تعريض بشرت هن الناعمة أو قوامهن الملائكى لحرارة الصيف أو عوادم السيارات. تاركين الس احة خالية لجماعة الأخوان المسلمين والأثرياء الجدد وأموالهم المكدسة الم شكوك فى شرعيتها لاستغلال محنة النساء الفقرات.

فى ضوء هذه المعطيات الحيات ية فإن تعديل التشريعات لن يغير الصورة فى مجملها دون أحداث تغييرات فى الوا قع الاقتصادى والاجتماعى يجعل التدخل الدستورى منتجا لأثاره القانونية وخ لق حركة نسوية متحررة إلى حد معقول من اخفاقات خمسين عاما من التراجعات والا نكسارات ودعم حزبى وسياسى قوى لتوفير الأجواء المواتية للقوى التحديثية ال تى تكسر القبلية والعصبية والشللية التى تحكم الاختيارات وتغيير النظرة ال دونية التى تعامل النساء بعقلية الحريم فى حرملك أفندينا وتؤطر لانتخابات أ شبه بحلبات المصارعة أو حرب المليشيات أو مذابح التطهير العرفى حيث الأموال والسلاح هما الناخب الحقيقى الذى يحدد اسم الفائز. وفى كل الأحوال فإن الانتخابات يتم تزويرها. فلا عزاء للسيدات. المطرد وات من جنة الحزب الوطنى الديمقراطى. والمحرومات م ن ارتياد الانطلاقة الثانية نحو المستقبل المجهول. فربما يكون هذا لصالحهن والله أعلم.

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية