نشرة المجتمع المدنى

العدد 141 سبتمبر2006

انطلاقة جديدة نحو الفشل قراءة لمؤتمر الحزب الوطنى
ا
لمحرر السياسي

المفاجأة فى مؤتمر الحزب الوطنى الديمقراطى الذى انعقدت فعالياته فى الفترة 19-2006/9/21 تحت عنوان "الفكر الجديد وانطلاقة ثانية نحو المستقبل" انه لا توجد مفاجآت. فالاصلاح الذى يتشدقون به تم إطلاق رصاصة الرحمة عليه منذ موقعه تعديل المادة 76. وإن كان هذا لا يمنع أن يتم الحديث عن الاصلاح وحدوده وشكله دون اتخاذ أدنى خطوات عملية لتحقيقه أو محاولة المساس بالمرتكزات الرئيسية للنظام السياسى. فلا يمكن على الاطلاق تقييم النتائج الاجمالية لأعمال المؤتمر إلا من منظور أن الحزب الوطنى هو الامتداد الطبيعى للتنظيم السلطوى لدولة شمولية تكتسب شرعيتها من جمهورية ما بعد يوليو وتتبنى ذات الخطاب الوردى. المنعزل تماماً عن الواقع ولا يستند الى أسس اقتصادية أو اجتماعية. ويروج للوعود والعهود البراقة الخالية من أى مضامين أو التزامات محددة ولا ترتبط بخطط موضوعية أو سياق زمنى وانما هى منذ خمسين عاماً موضوعه على جدول الاعمال.

وتجسيدها الحى فى المبدأ السادس لثورة يوليو 52 إقامة حياة نيابية سليمة. حتى الرجال الذين يتصدرون المشهد السياسى معظمهم ينتمون الى الماضى البعيد ولم يعد لديهم لا القدرة ولا الرغبة على أن يقدموا ما يساهم فى تغيير البيئة السياسية فمشاكل الواقع المعاش بعيدة تماماً عن اهتمامات أوراق المؤتمر. فلا نقاش عن معضلة غياب الجمهور عن الساحة السياسية أو تعملق تيار الاسلام السياسى على حساب الاحزاب المدنية الهامشية أو ماذا نفعل لاستعادة ثقة المواطنين فى العملية السياسية ولماذا يكره الناس الحزب الوطنى وحتى بالنسبة للقضايا الاقتصادية جاء تقرير البنك الدولى ومؤسسة التمويل الدولية "تقرير ممارسة أنشطة الاعمال 2006" صادماً لأحلام حكومة رجال الاعمال ليضع مصر فى المرتبة 165 من بين 175 دولة شملها التقرير ولتتراجع مصر مرتبة واحد عن المركز الذى احتلته عام 2004 والمأساة أن كل الدول العربية والافريقية تقدمت على مصر باستثناء بوروندى افريقيا الوسطى ساوتومى اريتريا الكونغو تشاد غينيا بيساو تيمور الكونغو الديمقراطية.

 وجاءت اسرائيل فى المركز 26 وهو ما يؤكد فشل حكومات الحزب الوطنى المتعاقبة فى تهيئة مناخ اقتصادى جاذب للاستثمارات ومشجع للمدخرين المحليين ورجال الاعمال على تأسيس مشروعات جديدة بدلاً من تهريب ارباحهم خارج مصر وهو ما ينعكس فى الامراض المزمنة للاقتصاد كالارتفاع المذهل للأسعار واتساع الهوة بين الاغنياء والفقراء والعجز المتنامى فى الموازنة وارتفاع الدين العام وفيما يتعلق بالامن القومى والدور الاقليمى لمصر فلا نعتقد أن أحد يجادل فى صواب التحليل الذى إنتهى إليه استاذنا سلامه أحمد سلامه فى عموده من قريب فى اليوم الأخير للمؤتمر 21/9/2006 حيث كتب يقول "لابد أم نعترف بأن منطقة الشرق الأوسط برمتها قد انزلقت تدريجياً لكى تسقط فى منطقة النفوذ الغربى أو بالأحرى تحت وصاية أمريكا والاتحاد الأوروبى سياسياً وحلف الاطلنطى عسكرياً. فلا توجد مشكلة صغيرة أو كبيرة إى وأصبح للتحالف الأوروبى الأمريكى الكلمة الأولى واليد الطولى. بينما تراجع الدور العربى والمصرى الى موقع المتفرج أحياناً أو المتلقى أحيانا أخرى أو المجبر أخاك لا بطل أحياناً ثانية.

هذه هى الخريطة المعرفية للأزمات المتفجرة داخلياً وخارجياً والتى كان من المفترض أن تتصدر أجندة المؤتمر لابتكار بدائل أو مسارات للخروج من حالة الغيبوبة المسيطرة على الذهنية الحاكمة بدلاً من أحاديث الانجازات والتصريحات المعدة للاستهلاك المحلى والتسويق الفج للتعديلات الدستورية المقترحة. على أنها اصلاحات ديمقراطية حقيقية وصياغتها فى مبادئ جذابة براقة كتعديل كل ما يرتبط بنظام الحكم واعادة تنظيم السلطة التنفيذية وتقييد سلطات رئيس الجمهورية وتقرير عملية الفصل بين السلطات بحيث يتم منح صلاحيات أكبر للبرلمان تتضمن سحب الثقة من الحكومة دون اللجوء الى الاستفتاء وحق البرلمان فى تعديل الموازنة واعطاء رئيس الوزراء أموراً كانت من اختصاص رئيس الجمهورية والتعديل الخاص بإلغاء حالة الطوارئ واعداد قانون مكافحة الارهاب لالغاء هذه الحالة وإن كان هذا لا يلغى قانون الطوارئ فهو باق.

وطرح قضية تعديل النظام الانتخابى بحيث يتم تبنى نظام أفضل لتقرير المشاركة السياسية وتعزيز وجود المرأة فى البرلمان وتطوير نظام الادارة المحلية لتدعيم اللامركزية وتقرير وصياغة تشريعات للعدالة الناجزة. وتستهدف تقرير شفافية المجتمع من بينها قانون حرية المعلومات. ولكن السؤال الذى يتمحور لماذا لم يقدم المؤتمر مشروعاً للتعديلات الدستورية المزمع اجراءها أو استراتيجية للتغيير المخطط تتضمن برنامج محدد سلفاً يرسم خريطة الطريق متى نبدأ؟ وكيف ننتهى؟ وما هى الغاية المبتغاة من هذا كله هل سنصل الى تداول السلطة؟ الاتجاه العام داخل الحزب يلمح أنه سيتم التركيز فى الفترة القادمة على النص فى مواد الدستور على ضرورة وضع قانون لمكافحة الارهاب بحيث لا يمكن الطعن فى عدم دستوريته وإلغاء المادة 88 التى تنص على الاشراف القضائى الكامل على الانتخابات.

وتقليص الاشراف القضائى على اللجان العامة وعدم إجراء تعديلات للمادة 67 ، 77 وسواء تم وضع الصلاحيات فى المادة 74 بين أيدى رئيس الجمهورية أو اختصاصات رئيس مجلس الوزراء أو زيادة صلاحيات مجلس الشعب فى الرقابة على اعمال الحكومة فإن ذلك لن يغير فى موازين القوى لأنه لا يوجد أصلاً انتخابات سياسية تدور حول برامج وأفكار هذا بفرض عدم تزويرها ثم إن المشكلة ليست فى الصلاحيات فهناك اختصاصات فى دستور 71 لم يتم استخدامها قط كحق البرلمان فى رفض الميزانية أو اقتراح تشريعات تتضمن محاسبة الوزراء أو فحص الذمة المالية لهم. باختصار إنه لا يمكن أن ننتظر تغييراً إلى الأفضل من الحزب الذى يمثل رأسمالية المحاسيب وبيروقراطية الدولة وعناصر الفساد السياسى والفكر الجديد سيقود الانطلاقة الثانية كما قاد الاولى نحو الفشل اما بالنسبة للاصلاح فصلوا عليه صلاة مودع.
 

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية