نشرة المجتمع المدنى
العدد
141 سبتمبر2006
بعد ان سكتت المدافع .. هل تكون
حرب لبنان اخر الحروب ؟
المحرر السياسي
لم يكن خطاب وزير الدفاع الإسرائيلي
الأسبق موشيه أرينز الذي ألقاه في ساحة رابين مساء 2006/9/10 والذي
صرّح فيه "أن الحرب في لبنان لم يكن لها مثيل في تاريخ الحروب التي
خاضتها إسرائيل. وانتهت بهزيمة لم يكن لها مثيل أيضاً. حيث انهزم
الجيش الإسرائيلي أمام عدة ألاف من مقاتلي حزب الله. فريداً في
مضمونه فهناك شبه إجماع بين المحللين السياسيين والاستراتيجيين على
ما ذكره أرينز وإنما الجديد أن يأتي من رجل متمرس في دهاليز
السياسة الإسرائيلية، حيث قضى بضعة سنوات سفيراً لبلاده في واشنطن
إلى أن اختاره رئيس الوزراء الليكودي إسحاق شامير صاحب اللاءات
الثلاث (لا اعتراف، لا تفاوض، لا انسحاب).
وحتى عندما اضطر تحت تهديد الرئيس بوش الأب إلى حضور مؤتمر مدريد
لكي يحصل على ضمانات قروض بعشرة مليارات دولار لإقامة التوسعات
المطلوبة في المستوطنات أكد أنه كان يعتزم مفاوضة العرب عشر سنوات
دون أن يعطيهم شيئاً. وزيراً للدفاع بعد استقالة مناحم بيجن
واعتزاله السلطة.
رجل بهذه العقلية الجامدة والتكوين النفسي والتوجه الأيديولوجي.
عندما يذكر بأن الجيش الإسرائيلي تكبد في حربه الأخيرة على لبنان
هزيمة لم يسبق أن تكبدها من قبل. فإن ذلك يعني أن تداعيات حرب
لبنان بدأت تلوح في الأفق، وأن أشياء كثيرة سوف تتغير في الذهنية
الإسرائيلية، وفي الواقع المادي على الأرض. ستسقط نظريات كانت
مسيطرة على مؤسسات القوة ومراكز التوجيه التي تحكم عمليات صنع
القرار الإسرائيلي.
سيعاد النظر في العقيدة القتالية لجيش الدفاع وبرامج تدريبه وأنظمة
تسليحه. ستطيح المقصلة برؤوس كثيرة. ستدفع أجهزة المخابرات فاتورة
الإخفاق والفشل. إنه مجتمع حي يمارس عمليات مراجعة مستمرة لتصويب
الأخطاء وتلافي السلبيات ومعاقبة المقصرين. إسرائيل تنتابها أعراض
حمى التغيير الذي لم يتبلور اتجاهه بعد أو شكل المولود التي ستسفر
عنه آلام المخاض وهو ما دفع بعض المعلقين إلى طرح إشكالية محورية:
هل نحن مقبلون على عملية سلام من طراز مختلف. ربما ليست على نفس
القضبان التي سار عليها قطار مدريد.
تدخل في أطرها التي يجري تصميمها المتغيرات العالمية لعالم ما بعد
أحداث 11 سبتمبر. وحرب المحافظين الجدد على الإرهاب ومحاولة تخليق
شرق أوسط جديد. وتستند إلى أن معاهدات السلام التي وقعتها دولة
إسرائيل مع الدول العربية، جاءت دوماً في أعقاب حروب لم تربحها
الدولة العبرية، اتفاقية كامب ديفيد التي أنهت حالة الحرب مع مصر
جاءت بعد حرب الغفران 73، اتفاق أوسلو انبثق من رحم الانتفاضة
الفلسطينية الباسلة، الانسحاب الإسرائيلي من لبنان محصلة ملحمة
المقاومة طوال عشرين عاماً. ويستدل أنصار هذه النظرية بصدور إشارات
وتلميحات وتعهدات صدرت من بعض أركان حكومة أولمرت أو منه شخصياً
تعلن استعداد إسرائيل لبدء محادثات أو ترتيب لقاءات أو عقد صفقات
على مسارات متباينة أو ما يشاع من أن الرئيس بوش الابن يريد أن
ينهي رئاسته الثانية باختراق سلامي يسترضي به العرب والمسلمين.
بعد أن تسببت سياساته الخرقاء في إشاعة أكبر قدر من الكراهية
لواشنطن في العالم الإسلامي أي يحاول تجميل الصورة القبيحة ببعض
الرتوش السحرية أو يضفي مسحة رقيقة من العزاء على الضمير الغربي
المعذب من جراء المجازر الوحشية التي ترتكبها آله الحرب
الإسرائيلية أو حتى الأطلسية في فلسطين والعراق ولبنان أو رغبة في
استنفاذ العروش العربية الآيلة للسقوط أو تحقيق الاستقرار للأنظمة
الجمهورية الحليفة التي اهتزت مصداقيتها بعنف من جراء التأييد
اللاعقلاني لمحور تل أبيب ـ واشنطن.
ورغم وجاهة هذه الحجج إلا أنها تصطدم بالحقائق المترسخة والتي تحكم
آليات الصراع. فالمزاج العام في إسرائيل حتى هذه اللحظة لا يحبذ
فكرة الانسحاب من أية أراضي عربية وثورته على حكومته ليست لأنها
استخدمت هذا القدر المفرط من العنف أو ارتكبت مذابح وحشية لم يكن
لها ضرورة ملحة وإنما فقط لأنها فشلت في تحقيق أهدافها المعلنة من
الحرب، وأنها ترددت أكثر من اللازم ولم تستخدم ما تملكه من قوة
بصورة تحقق الأثر الذي تقول أنها تريده ثم أنه يطالب بالانتقام
لهذه الهزيمة بمعاقبة المسئولين عنها. أضف إلى ذلك أن حكومات
الوحدة الوطنية (تحالف العمل أكاديما) هي أسوأ أنواع الحكومات
بالنسبة لمشروعات التسوية، حيث يزايد كل فريق على الآخر بصورة أقرب
إلى المهزلة.
ويسود الائتلاف أجواء التربص والتآمر والتشكيك. كما يصعب تصور أن
هذه المجموعة الأيديولوجية للمحافظين الجدد المتغلغلين في الأماكن
الحساسة للإدارة الأمريكية الحالية التي زينت حتى قبل وصولها إلى
الحكم لبنيامين نتنياهو تدمير عملية أوسلو ومرجعيات مدريد. من
الممكن أن تساهم في أي ترتيبات تحقق استقرار لواقع يريدون تغييره
كلية. فهم يريدون استبدال هذه الأنظمة الصديقة بأخرى خاضعة تماماً.
لا تسري في أوصالها روح المقاومة بتاتاً. المطلوب هو الانصياع
الكامل. فالذين يراهنون على أجواء السلام التي يمكن أن تدفعها
السحب المخيمّة على سماء المنطقة بتأثيرات النتائج الكارثية لحرب
لبنان واهمون تماماً. فالعقلية الإسرائيلية، وإن اعترفت بالهزيمة
في الحرب ضد حزب الله إلا أنها أرجعتها إلى عدم استخدام المزيد من
القوة فالعيب ليس في الاستراتيجية المطبقة، وإنما في سوء الإعداد
وعدم فعالية أساليب التنفيذ أو العجز المخابراتي الفاضح.
أي أن الحل يكمن في إعادة هيكلة العقيدة القتالية لجيش الدفاع حتى
يمكن أن ينتصر في حرب ليست ضد جيوش نظامية، وإنما ميليشيات مدربة
تدريباً جيداً على أساليب حرب العصابات وتقنيات تكنولوجيا
المقاومة، وإلى أن يتم إعداد الجيش لهذه المهمة. فلا مانع من نسج
أوهام حول عملية تسوية استعداداً لجولة قادمة من الصراع الممتد في
أغوار الذاكرة والزمن أيضاً.