نشرة المجتمع المدنى
العدد
141 سبتمبر2006
لماذا المحكمة
العليا والجيش
د/ سعد الدين ابراهيم
أثار مقال
الأسبوع الماضي، "الدستور والمحكمة العليا والجيش" ردود فعل واسعة
ومتناقضة. فبينما استحسنته أغلبية ممن اهتموا بالأمر وعبّروا عن
ذلك بالبريد الإلكتروني، وخاصة من النساء والأقباط ممن يتوجسون من
صعود التيار الإسلامي المتشدد، ممثلاً بحركة الإخوان المسلمين،
التي كان نصيبها في أول انتخابات نيابية لا يتجاوز 2% في أوائل عهد
مبارك (1984)، فإذا بهذه النسبة ترتفع باطراد، إلى أن وصلت إلى 20%
في الانتخابات الأخيرة (2006).
أي أنها تضاعفت عشر مرات خلال الربع قرن الذي حكم فيه هذا الرجل
مصر المحروسة. وكان معظم من استحسنوا مقال الأسبوع الماضي لا
يريدون "إبادة" الإخوان أو أي من الجماعات الإسلامية المنظمة، على
الطريقة الجزائرية (1992-2002)، أو وضعهم وراء القضبان إلى الأبد،
كما يحدث لمعظمهم دورياً بالفعل في عهد مبارك ـ حيث اعتقل أو سجن،
أو أعدم حوالي ستين ألفاً منهم خلال ربع قررغبون له بديلا.
ومع ذلك فقد أثار نفس المقال عند بعض القراء تحفظات عدة، أرسلوها
بريدياً، وعبّروا عنها شفوياً في اللقاء الأسبوعي لرواق مركز ابن
خلدون، الذي كانت قد ظهرت فيه الفكرة أصلاً، تعقيباً على محاضرة
للكاتب الصحفي حمدي رزق. وكان جوهر تحفظاتهم هو إعطاء الجيش
حقاً دستورياً بالتدخل في السياسة لأي سبب، حتى لو كان لحماية
الدستور نفسه من المتشددين الإسلاميين. وقال أحدهم بالحرف الواحد
أن ذلك أشبه بمن "يستعين بالرمضاء من النار".
وهو تحفظ يبدو وجيهاً، ويستحق المناقشة، وهو ما سنفعله بعد قليل.
كذلك كان هناك بضعة استفسارات حول "المحكمة العليا" التي يناط بها
مع الجيش واجب وحق حماية "الطبيعة المدنية للمجتمع والدولة".
ففي مصر هناك ثلاثة محاكم يعتبر كل منها نفسه بحكم التقاليد أو من
واقع التسمية أنها "المحكمة العليا"، وهي "محكمة النقض"، و"المحكمة
الإدارية العليا"، و"المحكمة الدستورية العليا". وهذا بدوره
استفسار مشروع، ولا أملك له إجابة قاطعة، وقد يساعدنا أهل القانون
الدستوري في إجلائه، وخاصة ممن يشاركون بالكتابة الدورية معنا في
صحيفة "المصري اليوم" ـ مثل د. يحيي الجمل ود. علي الشلقاني. وكان
اعتقادنا أن أقدم هذه المحاكم الثلاث هي "محكمة النقض"، التي تأسست
مع أول دستور لمصر الحديثة، عام 1923، وأنها أكثرهم محافظة على
استقلالها، من واقع طريقة تشكيلها، وتقاليدها.
وليكن هذا الأمر متروك لأهل الاختصاص، كما نوهنا أعلاه. أما فيما
يتعلق بدور الجيش، والتوجس المشروع من إقحامه في أي أمر "سياسي"،
فإننا نجتهد مع آخرين ممن أدلوا بدلوهم من المواظبين على رواق ابن
خلدون، بالآتي:
1ـ أن الجيش مؤسسة وطنية، وهي ملك للمصريين جميعاً، وليست ملكاً أو
حكراً لأي حزب أو جماعة، وبهذه الصفة غير الحزبية أو المتحزبة جاء
الاقتراح بإشراكها مع المحكمة العليا في حماية "الطبيعة المدنية"
للمجتمع والدولة.
2ـ أن اقتراح الجيش للقيام بهذا الواجب جاء أيضاً لتقنين دوره في
الحياة المصرية العامة، أو في الشأن العام، وحتى لا يمارس أي دور
أو نشاط عام آخر غير المنصوص عليه دستورياً علانية أو من خلف
الكواليس، وهو فدوره أصلاً، وبلا جدال هو حماية "التراب الوطني"،
أي الذود عن حدود الدولة المصرية. والاقتراح الذي جاء في مقال
الأسبوع الماضي، ولخّصنا فحواه في مقال هذا الأسبوع، هو لإضافة
واجب آخر، لا يقل حيوية عن الواجب الأصلي، وهو الذود من وحدة
المجتمع، وسلامته من كل سوء أو انشقاق طائفي أو عرقي.
والشاهد هو أن التراب الوطني وحدود مصر الجغرافية لم تتعرض لسوء أو
انتهاك طوال الثلاث والثلاثين عاماً الأخيرة ـ أي منذ حرب أكتوبر
المجيدة، وتوقيع معاهدة السلام مع الجار الإسرائيلي.
والشاهد كذلك هو أن ما شهدته مصر من توترات أو صراعات دموية خلال
العقود الثلاثة الأخيرة، كانت بسبب مواجهات داخلية بين الجماعات
الإسلامية والدولة. وطبعاً، لحسن حظ المجتمع المصري أن الدولة
انتصرت في النهاية، وإلى تاريخه، باستخدام قوات الأمن والشرطة،
وبعد مصرع حوالي عشرة آلاف من الجانبين.
وهناك من الجماعات الإسلامية من تاب وأناب، واقلع عن العنف، كما
قرأنا لبعض من يسمون بقياداتهم التاريخية، الذين خرجوا من السجون
مؤخراً. ولكن يظل هناك بعضهم الآخر في الداخل أو من لجأ إلى
الخارج، ينتظر أي فرصة مواتية لمحاولة الانقضاض مرة أخرى.
ومنهم كما نعرف جميعاً، أيمن الظواهري وأمثاله، الذي لا يكفون عن
بث رسائلهم التحريضية من مخابأهم في جبال "طورا بورا" على الحدود
الأفغانية ـ الباكستانية.
3ـ أن من لم يقلع
من تلك الجماعات عن العنف أو اللجوء له مستقبلاً، للاستيلاء على
السلطة في مصر المحروسة يتذرعون بأنهم يفعلون ما يفعلون من أجل
تطبيق المادة الثانية من الدستور المصري الحالي، التي تنص على أن
"الشريعة الإسلامية" هي المصدر الرئيسي للتشريع.
ويعلم الله ماذا يفهمون، وكيف سيطبقون هذه المادة لو نجحوا في
الانقضاض على السلطة عنفاً، أو حتى وصلوا إليها من خلال صناديق
الانتخاب.
وفي ذهن كثير من المصريين المشهد المأساوي لبلد مثل أفغانستان، أو
بلد آخر أقرب لنا مثل السودان، وحيث أدت "المراهقة الدينية" أو
"المزايدة السياسية" في اللعب بورقة "الشريعة الإسلامية" هذه، إلى
تمزيق البلدين في حروب أهلية ممتدة، ما زالت مستمرة لما يصل إلى
عشرين عاماً. ولذلك فإن استحداث المادة المقترحة تقطع خط الرجعة
على حجج هذه الجماعات من ناحية، وتطمئن الخائفين من ناحية أخرى.
4ـ أن من ذهب من القراء إلى أن قصر دور حماية الطبيعة المدنية
للدولة والمجتمع على المحكمة العليا، دون الجيش، ربما فاتهم أن
السلطة القضائية عموماً تحتاج إلى أجهزة تنفيذية تقوم بتطبيق
أحكامها.
فالقضاة والمحاكم عموماً ليس لها إلا سلطة معنوية أدبية، وهم
يعتمدون على جهاز الشرطة لتنفيذ الأحكام. وما لم يكن هذا الأخير
على علاقة مشوبة بالشك وعدم الثقة مع الشعب لكان هو الذراع
الطبيعية للقيام بهذا الدور. وفي آخر استطلاعاتنا للرأي العام
المصري، قام بها مركز ابن خلدون سنة 1999 حول الثقة في 14 من
مؤسسات الدولة والمجتمع، جاءت المؤسسة القضائية والعسكرية في
القمة، حيث حصلنا على 81% و 78%، على التوالي. بينما جاء مجلس
الشعب (المؤسسة التشريعية)، والشرطة (المؤسسة الأمنية)، والصحافة
(المؤسسة الإعلامية) في أدنى القائمة من حيث ثقة الرأي العام بها،
ولا نظن أن جديداً قد طرأ على الساحة ليغير من هذه الثقة في القضاء
والجيش. واقتراحهما معاً كحارسين متضامنين يضمن التوازن المطلوب في
أي بلد ديمقراطي بين سلطتين مشروعتين من سلطاته.
ولقد تابع الكاتب الصحفي حاد القلم، حمدي رزق ما قاله في رواق ابن
خلدون وما تلاه من مناقشات في عموده اليومي "فصل الخطاب"، بصحيفة
"المصري اليوم" (2006/9/11) مع اختياره لعموده عنواناً استفزازياً
كالعادة، وهو "دولة الإخوان
". ونحن من جانبنا ندعو قيادات وكوادر الإخوان والجماعات الإسلامية
المعنية بالأمر أن تدلي بدلوها حول الاقتراح، باستحداث النص
الدستوري المذكور أعلاه. كما ندعو المعنيين في الحزب الوطني
الحاكم، وهو على أعتاب مؤتمره السنوي، أن يدلي بدلوه حول نفس الأمر
وحول التعديلات الأخرى التي يحتفظ بها في جعبته، ولم يفصح عنها إلى
تاريخه، حتى يشارك الرأي العام والقوى الحزبية والمدنية المنظمة في
هذا الحوار، الذي يمس حاضر ومستقبل المصريين جميعاً ـ نساءً
ورجالاً، أقباطاً ومسلمين. وعلى الله التوفيق.