نشرة المجتمع المدنى

العدد 141 سبتمبر2006

من يحاسب الحكام العرب
ماجدة سعيد 

في اعتصام وصفه يوسي ساريد، الرئيس السابق لحركة ميريتس اليسارية، بأنه من أهم المظاهرات التي أجريت في ساحة رابين بتل أبيب (مساء 10سبتمير 2006) وشارك فيه أكثر من 30 ألف إسرائيلي للمطالبة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في مجريات الحرب على لبنان، نظمته لجنة نزاهة الحكم وجمعية بلتام للدفاع من أجل جنود الاحتياط، وذلك بعد نحو شهر من انتهاء العدوان على لبنان. ومن بين الشعارات التي رفعت: "ألمرت بيرتس وحالوتس استقيلوا" "ماذا تخفون" "اولمرت بيرتس حالوتس هم حاضرون غائبون".

وقال اليعاد شرجا رئيس لجنة نزاهة الحكم: نحن هنا لنطالب بتشكيل لجنة تحقيق رسمية ومهنية وموضوعية من التوجه السياسي ومن المحاباة وليست من مدرسة الحكومة بل من المحكمة العليا، وانتقد شرجا المستوى السياسي والعسكري ووسائل الإعلام قائلاً: رأينا في الجبهة مستوى سياسياً على خصام مع المستوى العسكري. ورأينا جيشاً نسي أسس الحرب وروح القتال والمناورة والتصميم والإمداد، ورأينا في الجبهة جيشاً يقيم علاقة مريضة مع وسائل الإعلام، وقال موشية أرينز وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق أن الحرب في لبنان لم يكن لها مثيل في تاريخ الحروب التي خاضتها إسرائيل أمام عدة آلاف من مقاتلي حزب الله. من ناحية أخرى أعلنت إسرائيل الخسائر الحقيقية للمواجهة العسكرية بين حزب الله والجيش الإسرائيلي والتي استمرت 33 يوماً قتل فيها 45 مدنياً مقابل 1076 مدنياً لبنانياً بنسبة 1 إلى 25.5.

أما القتلى من العسكريين فقد حزب الله 600 من كوادره وخسرت القوات الإسرائيلية 120 قتيلاً 1:5. تمكن حزب الله من قصف إسرائيل 3997 صاروخاً أرض أرض أدت إلى قتل 38 إسرائيلياً منهم 18 من عرب إسرائيل بالإضافة إلى 5 ألاف جريح، وتضرر 1200 منزل وأدى هذا القصف إلى لجوء خمس سكان إسرائيل إما إلى الحياة في الملاجئ أو إلى مغادرة المنطقة. أدى القصف الجوي الإسرائيلي إلى تدمير شبكة الطرق اللبنانية بنسبة كبيرة وعدد كبير من المنشآت بما سيكلف الخزانة اللبنانية ما يتراوح بين 20 إلى 25 مليار دولار. بلغ حجم تكلفة الحرب بجانبيها المدني والعسكري في إسرائيل 1.5 مليار دولار بتكلفة 400 مليون دولار يومياً. أشارت استطلاعات الرأي الأخيرة في إسرائيل إلى تصاعد المشاعر العدوانية، فقد طالب 67% باستئناف القتال وأيد 62% اقتراح تدخل الجيش بعمليات برية ضد قوات وميليشيات حزب الله، وإلى تضاؤل شعبية أيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي من 78% في بداية العمليات إلى 40% في نهايتها.

 وبنظرة كاشفة للأرقام التي تبارت الصحف الإسرائيلية في نشرها نجد نسبة خسائر الفريقين المتحاربين في مجملها تدور حول 1:20 وأحياناً 1:25 فيما عدا الخسائر بين صفوف العسكريين، فهي تميل إلى أن تكون 1:5، ولهذا يعتبرونها هزيمة مخزية بالمعايير الإسرائيلية التي تنظر إلى كادرها البشري في شبه قداسة بينما المواطن العربي في نظر حكامه، قد لا يساوي وزنه تراباً. ويبدو منطقياً ومتسقاً مع طبيعة الأشياء أن ننظر بحقد إلى ديمقراطية إسرائيل التي تطبق قواعد الشفافية بصرامة مطلقة، حتى فيما يتعلق بالنواحي الأمنية، فهناك تدفق معلوماتي مذهل.

مؤسسات النظام تعمل قواها الذاتية بكل كفاءة لكشف الأخطاء والحد من الخسائر والمجتمع المدني يدرك حقيقة دوره في ممارسة الفعل التحديثي ودفع المجتمع في اتجاه التغيير من خلال فعاليات التظاهرات والإضرابات والاعتصامات. إنه مجتمع يتميز بالديناميكية والحرية، ولعل هذا هو سر تفوق إسرائيل وانتصاراتها المستمرة على العرب أجمعين، والمفارقة أنه بعد أسبوع واحد فقط تم تشكيل لجنة تحقيق رسمية برئاسة قاضي مستقل بنفس الشروط التي طالب بها المتظاهرون. أنهم لا يؤمنون بسياسة العناد مع الرأي العام أو تجاهل الإرادة الشعبية أو التعالي على المواطنين وعدم الاعتراف بحقوقهم القانونية والدستورية والتنكيل بالمخالفين وأصحاب الرؤى المتحررة واختزال الوطنية في شخص الرئيس والمحيطين به.

ويصبح السؤال مشروعاً وهو هل يجرؤ مجموعة من المواطنين العرب في الخروج في تظاهرة للمطالبة بمحاسبة المسئولين عن التقديرات الخاطئة والتصريحات المتسرعة لقادة محور القاهرة ـ الرياض ـ عمان.

ليس في حرب لبنان فقط، وإنما إهدار المليارات من ثروة الأمة والتي لو تم استثمارها برشادة لما أضعنا 33 عاماً التي تفرقنا عن حرب أكتوبر لنشهد أمام أعيننا إعادة دولة عربية عشرين عاماً إلى الوراء دون أن نحرك ساكناً فمن يحاسب الحكام العرب..

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية