نشرة المجتمع المدنى

العدد 141 سبتمبر2006

مساجد قطاع خاص ماّذن للإيجار
مختار قاسم

فضيلة الشيخ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. طراز فريد من الفقهاء الذين تولوا وظيفة الإفتاء في عموم أراضي المحروسة فهو يتميز بأناقته المفرطة، وحضوره الطاغي، وجاذبيته التي لا تقاوم، إلى جانب آراءه المثيرة للجدل التي يلقيها في شكل حداثي بحيث تبدو وكأنها لا تتصادم مع العقل أو تتناقض مع منجزات العصر ولا يألوا جهداً في نشرها أو الترويج لها بالظهور المكثف في الفضائيات العربية أو حتى على شاشات التليفزيون الوطني أو الترحال الدائم في أرجاء المعمورة. والمفارقة أنه يكاد يكون المفتي الوحيد منذ استحداث هذا المنصب، الذي تحول إلى مقدم برامج، فيطالعنا بوجهه البشوش ظهر الجمعة أسبوعياً ببرنامج "مجالس الطيبين".

ونحن لا نعترض ابتداء على هذا التفاعل الديناميكي لصاحب الفضيلة مع جمهور المؤمنين، ليس في مصر وحدها وإنما في العالم الإسلامي بأسره. طالما أن هذا النشاط المحموم يصب في رصيد الدعوة الإسلامية ويصل بها إلى أسماع الإنسانية لأداء واجب التبليغ ولتعبيد الناس لربهم وعمارة الكون، على ألا يكون ذلك على حساب هيبة ما يمثله ووقار ما يرمز إليه واحترام ما يعكسه. فالمفترض أن يعبر فضيلة المفتي عن الاعتدال الإسلامي في أروع معانيه، وأن يتبنى أرجح الرؤى وأن يتجنب مواطن الشبهات، ويبتعد عن دعاوى الالتباس التي تزيد حدة الاستقطاب. إلا أن فضيلة المفتي يتراءى وكأنه حريصاً على أن يحتل بؤرة الأحداث ولا يطيق أن تخفت عنه الأضواء وهو ما ينقص من جلال المنصب الذي يشغله والسمو الذي يتمتع به الجالس عليه.

فبعد أن هدأت العاصفة التي آثارها بفتواه الهادمة لكل قيم الاستنارة بحرمة التماثيل، نراه يعود إلى هوايته التي أدمنها في إثارة الانتباه إلى قضايا لا تمت للواقع بصلة ولا تساهم في مشروع النهضة، وتغطي على الأوضاع الحقيقية لأمة رزخت طويلاً تحت ركام التخلف والفقر، فينصب نفسه وكيلاً لشركات المحمول ويجير لها تركيب محطات التقوية أعلى مآذن المساجد بعلة تنمية موارد المساجد واستغلالها في عمليات التطوير والصيانة. انتهينا من إيجاد حلول لكل الأزمات الهيكلية التي نعاني منها، مثل التصدي للموجات التكفيرية وكبح جماح المتطرفين الدينيين وتجفيف منابع الإرهاب ولم يبقى لنا قضية تثير الذهنية العامة إلى أن نصدر فتاوى البيزنس ونفتح الأبواب لشركات الاتصالات لتكديس المليارات واستنزاف أموال الكادحين في استهلاك ترفي.

والعجب أن فضيلة المفتي كان من الذين يرفعون لواء الاختصاص فيما يتعلق بعلماء الكونيات أي أن يكون الحكم الشرعي للمتخصصين في قضايا الطب والفلك والكيمياء والثابت علمياً أن العلماء يحذرون من الاستخدام المتكرر للهاتف الخلوي على خلايا الجهاز العصبي وما قد يسببه ذلك من أخطار على الصحة العامة لما يثيره من ترددات وإشعاعات مؤذية. وهناك إحجام من أصحاب المباني السكنية وأجهزة الحكم المحلي في منح التراخيص اللازمة لإقامة مثل هذه المحطات. فلماذا إقحام المساجد في تلك القضايا الخاسرة؟ ولمصلحة من؟ ولماذا يضع المفتي نفسه في قفص الاتهام بمجاملة الأثرياء الجدد؟ ثم هل المساجد تعاني من أزمات مالية أو سيولة نقدية؟.

الشعب المصري شعب دين بطبعه وهو لا يثق في جميع مؤسسات الدولة. ويتحايل بكل الطرق ليتهرب من الأعباء والتكاليف التي تعتصر القليل الذي يمتلكه استنادا لسياسة الجباية التي تنتهجها حكومات الاحتلال الوطني ومع ذلك نجده يتبرع بسخاء بكل ما في جيوبه من قروش معدودة للمسجد تطلعاً للباقيات الصالحات عند الله وهناك تسابق بين تجار المخدرات وسماسرة البورصة وشركات المبيدات المسرطنة على بناء المساجد والإنفاق عليها لإضفاء شرعية دينية على أموالهم المشكوك في مصادرها. أضف إلى الحساب أموال الأوقاف المتراكمة وصناديق النذور الممتلئة واستثمارات دور المناسبات. وكان الأولى بمفتي الديار أن يركز عمله على مكافحة الفساد الذي ينخر في أجهزة الإشراف على هذه الأموال مما يؤدي إلى نهبها وإنفاقها في غير صالح المسلمين.

إن المفتي بفتواه غير الموفقة يعيد إلى الأذهان تاريخ مقيت لفقهاء السلطة وعلماء السلطان وإن كان يؤسس لفقه جديد يمكن أن نطلق عليه فقه الخصخصة وشيوخ برنامج إعادة التكيف الهيكلي. ولم يتبقى له إلا أن يدعو إلى إقامة البوتيكات على أسوار المساجد. في زمن تمتهن فيه كل القيم والأعراف والمقدسات. حتى المساجد يجب أن تطرح في المزاد ويتعامل معها وفقاً لقوانين العرض والطلب. أما ما أحزننا وكدر صفو نفوسنا وقلل من حجم سعادتنا بهذا الاقتراح لمفتي أخر الزمان فهو اقتصار المشروع على مآذن المساجد وعدم شموله أبراج الكنائس. إعمالاً لمبدأ المواطنة ونشر السلام النفسي والإخاء الروحي للمصريين جميعاً.

وإن كنا نعتقد أن تجاهل أبراج الكنائس لم يكن استجابة لنوازع الكراهية والتعصب أو تأجيجاً للفتن والبغضاء أو تهديداً للوحدة الوطنية المتماسكة عبر عصور التاريخ المختلفة. فالمفتى بمجرد أن ينتهي من إبرام العقود لتأجير مآذن المساجد سيقوم بإجراء المفاوضات مع الكنيسة الأرثوذكسية لإقامة صروح عملاقة لشركات المحمول داخل أبراج الكنائس، حتى تعم الفائدة عنصري الأمة المسلمين والأقباط لكي يتحقق الرخاء الذي تأخر طويلاً وإن كان من المنتظر وصوله بمجرد تنفيذ فتوى الدكتور علي جمعة.

ويا أيها الشيخ اعتدل أو اعتزل فلدينا ما يكفينا من الكوارث والبلايا .

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية