نشرة المجتمع المدنى

العدد 141 سبتمبر2006

اتجاهات السياسة الامريكية فى المنطقة بعد حرب لبنان
منار الشوربجى

برزت فى الآونة الأخيرة درجة من الإجماع بين المحللين السياسيين فى مصر، على أن الإدارة الأمريكية لا تفهم الواقع على الأرض فى العالم العربى. فهناك فعلا انفصال بين الخطاب والفعل الأمريكيين من ناحية ومعطيات الواقع المعقد من ناحية أخرى وهو ما بدا واضحا فى الخطاب الأمريكى أثناء العدوان على لبنان وبعده. ورغم أن هذا التحليل يظل صحيحا فى مقدماته إلا أنه ليس دقيقا بالقدر الكافى.

إذ تغيب عنه عناصر مهمة تسهم عند الوقوف عليها فى التوصل إلى تقديرات أكثر دقة للمواقف الأمريكية. فهناك فارق كبير بين العجز عن فهم الواقع وعدم الاكتراث بفهمه أصلا بناء على تعريف محدد للمقصود بالواقع. وهى مسألة محورية فى فكر المحافظين الجدد الذين تهيمن أفكارهم على سياسة إدارة بوش الخارجية. فإدارة بوش لم تكن فى أية مرحلة إدارة عادية على النمط المعروف للحكم فى أمريكا. إذ هيمن عليها منذ البداية مجموعة مدفوعة بزخم أيديولوجى صارخ يمثل مضمونه انقطاعا راديكاليا عن تيار الواقعية الذى طالما هيمن على صنع السياسة الخارجية الأمريكية. والمحافظون الجدد تيار يرى أن الواقع المهم فهمه، ليس هو ذلك القائم بالفعل وإنما ما يقومون بتشكيله.
 
ومن ثم فإن تركيزهم كله على ذلك الواقع الذى يريدون صنعه لا ذلك الموجود على الأرض. وينطلق هؤلاء فى رؤيتهم للعالم من فكرة محورية مؤداها أن اللحظة الحالية هى فرصة تاريخية ينبغى استثمارها للحد الأقصى فهى لحظة صارت فيها الإمبراطورية الأمريكية القوة العظمى بلا منازع تمتلك تفوقا عسكريا غير مسبوق. لكنها لحظة يمكن أن تضيع إذا لم يتم اقتناصها لأن هناك قوى صاعدة قد تتمكن من المنافسة لاحقا.

ومن ثم ينبغى السعى للقضاء الكامل على فرص تلك القوى وتحويل "لحظة" التفوق الأمريكى إلى "عصر" التفوق الأمريكى، الذى تظل فيه للولايات المتحدة وحدها بلا منازع الهيمنة دون أية مقاومة. وقد كان الانتقاد الأساسى الذى وجهه المحافظون الجدد إلى كلينتون هو إنه ضيع عقدا كاملا، كان يتحتم استثماره، عبر تبنيه سياسات تقليدية لا تخدم الهدف. وهذه الأفكار كلها بالمناسبة سابقة على أحداث سبتمبر ونشرها المحافظون الجدد فى شتى الدوريات والكتب، لعل أهمها كتاب صدر عام 2000 بعنوان "الخطر الراهن".

والخطر المقصود كان ضياع الفرصة لتحقيق الهيمنة الكاملة للإمبراطورية الأمريكية على العالم.ومن أجل تحقيق هذا الهدف لابد من القضاء على أية معارضة أو مقاومة لمخططات الإمبراطورية- السياسية والاستراتيجية والاقتصادية على السواء. بناء على هذا المعنى للواقع، يصبح الدمار الشامل ما هو إلا "مخاض ولادة" لا ينبغى التركيز عليه، فآلامه أمر طبيعى فى أية ولادة وإنما ينبغى التركيز على "المولود الجديد" الذى تقوم أمريكا بتشكيله بنفسها. وأهم مواصفاته أنه مولود مطيع تخلو جيناته تماما من أى روح للمقاومة بمعناها الواسع.

والمحافظون الجدد يقولون كل ذلك صراحة. ففهم الواقع المعقد فى الشرق الأوسط، عندهم ليس مهما بالمرة، لأن الولايات المتحدة بصدد تغييره أصلا.بهذا المعنى، وإذا كانت أمريكا لا تكترث بفهم الواقع لا عاجزة عن فهمه، يتحتم علينا ألا نستدرج للاستغراق فى تحليل المسميات التى تطلقها إدارة بوش على من تعتبرهم أعداءها لأنها كلها تعبر عن جوهر واحد فالمواجهة مفتوحة مع أى طرف يمثل معارضة للهيمنة الأمريكية، بغض النظر عن هويته وعلينا أيضا الكف عن الاستغراق فى وصف لا نهائى لمدى انفصال السياسة الأمريكية عن الواقع. هذا فضلا عن أنه لا يجوز توقع أن تتغير السياسة الأمريكية إذا ما بذلت الجهود لحثها على فهم أفضل للواقع فإدارة بوش تصوغ رؤاها واستراتيجياتها عمدا بمعزل كامل عن الواقع على الأرض.
ثم تسعى لفرضه فرضا وهو ما لا يتأتى إلا بالقوة أى عبر استغلال التفوق العسكرى غير المسبوق كما سبقت الإشارة. وقد استخدمت الولايات المتحدة فعلا ما سماه هؤلاء "استراتيجية الصدمة والرعب". استخدمت الولايات المتحدة فعلا ما سماه هؤلاء "استراتيجية الصدمة والرعب".

والمقصود بها الاستخدام المفرط للقوة العسكرية على النحو الذى يثير الرعب فى النفوس، ويؤدى لتركيع الخصوم ويقضى على أى روح للمقاومة لدى غيرهم. لأن معارضة رغبات أمريكا تبدو وسط الدمار والحرائق المشتعلة بمثابة انتحار شامل.والجدير بالذكر أن الانتقادات التى وجهها المحافظون الجدد لإدارة بوش فى العراق، تقوم بالأساس على اتهام الأخيرة بأنها لم تستخدم مزيدا من القوة المدمرة.

 وهى بالمناسبة الانتقادات نفسها التى وجهها هؤلاء لإسرائيل فيما فعلته فى عدوانها على لبنان.كانت اسرائيل قد تبنت فى لبنان استراتيجية الصدمة والرعب  نفسها بتأييد أمريكى مطلق وضرب البنية التحتية اللبنانية كان هدفا فى ذاته من أجل تأليب اللبنانيين على حزب الله وتحميله المسئولية عن الدمار الشامل. الأمر الذى يؤدى للقضاء عليه إن لم يكن بالقوة الغاشمة فعبر الانقسامات اللبنانية وهذا هو تحديدا المعنى الذى قصده بوش حين قال إن الأيام القادمة سوف تكشف عن هزيمة حزب الله.ويأتى استخدام تلك القوة المفرطة فى إطار التخطيط لإعادة رسم خريطة المنطقة برمتها والذى يعتبر العدوان على العراق ولبنان مجرد أولى حلقاته، فى سلسلة طويلة من الخطوات التالية.

فالقضاء على حزب الله شرط أمريكى قبل فتح النار على إيران، لئلا يستخدم سلاحه فى عمليات انتقامية حال الهجوم الجوى المزمع عليها. والضربة الجوية على إيران، والتى يدفع فى اتجاهها بقوة "المحافظون الجدد" داخل الإدارة وخارجها منذ عام على الأقل، تستخدم هى الأخرى استراتيجية الصدمة والرعب، وهى فى ذلك صورة طبق الأصل مما فعلته إسرائيل بلبنان، فهى لن تستهدف فقط المواقع النووية أو حتى العسكرية، وإنما البنى التحتية بمعناها الواسع والهدف، كما يقول بيل كريستول رئيس تحرير مجلة الويكلى ستاندرد وأحد عتاة المحافظين الجدد، هو إحداث دمار شامل يؤلب الشعب الإيرانى على نظامه السياسى بما يؤدى للإطاحة به. غير أن استهداف إيران عسكريا، والذى لا يزال يلقى مقاومة من جانب العسكريين  الأمريكيين فى مواجهة السياسيين فى الإدارة خصوصا فى مكتب ديك تشينى، يظل هو الأخر جزءا من مزاعم بناء واقع مختلف فى الشرق الأوسط.

إذ يوجد إجماع واسع حتى فى أوساط بعض الديمقراطيين على تصور أن الشرق الوسط الجديد ينبغى أن يقوم على محور رئيسى يتكون من مصر والأردن والسعودية فى مواجهة القوى المناهضة لأمريكا وإسرائيل فى المنطقة (وكان مخططا فى الأصل أن يكون العراق ضلعا رئيسيا فى ذلك المحور لولا أوضاعه الراهنة)!
ويكون ذلك المحور بمثابة ما يتخيله دنيس روس "مظلة عربية" لتحقيق الأهداف الأمريكية. فالمطلوب من ذلك المحور المزعوم أن يدعم محمود عباس من أجل القضاء على حماس ويدعم حكومة السنيورة من أجل القضاء على حزب الله فضلا عن التدخل لإقناع سوريا بالابتعاد عن إيران والتخلى عن حزب الله وهناك أفكار عدة يطلقها جمهوريون وديمقراطيون حول ضرورة التحاور المباشر مع سوريا لتحقيق ذلك الهدف. لكن الجدير بالذكر أن هؤلاء يجمعون على أن ما ينبغى أن تحصل عليه سوريا فى المقابل لا علاقة له بالجولان، وإنما يتمثل فى حوافز اقتصادية عبر المزيد من الاستثمارات الأوروبية على وجه التحديد. أما إذا لم تستجب سوريا فالحل عند أغلبهم هو ضربة عسكرية تقوم بها إسرائيل، قد تساعد فى ذات الوقت على إعادة بعض الهيبة للعسكرية الإسرائيلية التى أهينت فى لبنان.

والمطلوب طبعا من "المظلة العربية" أن تقف على الحياد عند بدء المواجهة مع إيران.وما إن يتم تحقيق كل ذلك التصور، حتى تبدأ مرحلة جديدة يتم فيها الالتفات إلى دول "المظلة" نفسها لإعادة تشكيلها هى الأخرى. وتتمادى أفكار المحافظين الجدد

حول الكيفية التى يتم بها تقسيم السعودية وإخضاع مصر بشكل كامل. وإن ظلت تلك هى المرحلة الأخيرة فى صناعة المولود الجديد!لكل ذلك، فإن فشل إسرائيل فى تحقيق المهمة التى حددتها لنفسها فى لبنان لم يفسر أمريكيا على أنه هزيمة. فما ركزت عليه الإدارة كان فى الواقع التصريحات التى صدرت عن عدد من الرموز اللبنانية فضلا عن بعض عواصم عربية .

حيث رأت فيها الإدارة الأمريكية ملامح وقسمات مهمة للواقع الذى تريد له أن يولد واعتبرتها دليلا على أن استراتيجية الصدمة والرعب تؤتى الثمار المرجوة منها.بعبارة أخرى فإن انفصال مخططات المحافظين الجدد عن الواقع وفشلها عند التطبيق، لا يثنيهم عن المضى قدما نحو تحقيق ما يريدون. لأنهم لا يأبهون أساسا بالواقع الراهن، ولا بالنتائج العكسية التى تأتى بها مخططاتهم.

فهم يؤمنون إيمانا كاملا أنهم قادرون على تغيير ذلك الواقع أصلا بالقوة الغاشمة مهما ازدادت تعقيداته. وهم ككل الأيديولوجيين لديهم يقين بأن الفشل، إذا حدث، فهو نتيجة سوء التنفيذ لا لفساد جوهرى فى النظرية.ورغم أن استهداف إيران عسكريا يبدو وكأنه ضرب من الجنون، حتى من واقع الاعتبارات الأمريكية العسكرية بل والسياسية الداخلية، يحسن بنا أن نتذكر كيف بدا لنا جنونا الحديث عن غزو العراق فى منتصف عام 2002!لقد دخلت المنطقة فى الشهور الأخيرة بالفعل مرحلة حرجة فى تاريخها، سوف تزداد خطورة خاصة مع ما تحمله الأسابيع القادمة من تفاعلات بشأن برنامج إيران النووى، وهى مرحلة من شأنها أن تحدد مستقبل المنطقة برمتها، لأنه سيكون على مختلف الفاعلين فيها اتخاذ قرار حاسم، يحدد ما إذا كان كل منهم سيلعب دورا فى صناعة شرق أوسط يحمل الملامح التى تريدها إدارة بوش، أو شرق أوسط أخر مبنى على ما تتوق إليه الأغلبية من أبنائه.  

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية