نشرة المجتمع المدنى

العدد 141 سبتمبر2006

الخيارات الفلسطينية الصعبة حكومة للوحدة الوطنية او حل السلطة الان
د/ سمير غطاس

كان الفلسطينيون قد استهلكوا حتى الآن عشر حكومات متعاقبة بدءا من الحكومة الأولى التى تشكلت فى 1994/5/20 وصولا الحكومة العاشرة التى شكلتها حماس فى فبراير 2006، وما بين هذه وتلك، كان الرئيس الفلسطينى الراحل ياسر عرفات قد ترأس بنفسه الحكومات الخمس الأولى، قبل أن يضطر تحت الضغط الأمريكى- الإسرائيلى للفصل ما بين رئاسة السلطة والمنصب الجديد الذى استحدث لرئيس الوزراء أو رئيس الحكومة. وكان محمود عباس- أبو مازن هو أول من تقلد منصب رئيس الوزراء فى فترة قصيرة من 4/29- 2003/9/4 وكان عرفات قد تمكن من قصف عمر هذه التجربة مبكرا بعد أن استخدم كل ما فى جعبته من حيل وأحاييل لحمل أبو مازن على الاستقالة.

وربما كان من الإنصاف الإشادة بالشجاعة السياسية التى اتصف بها قرار أبو مازن هذا بالتنحى عن كرسيه عندما استحال عليه تأدية مهامه، على الأقل مقارنة بهؤلاء الذين كأنهم ولدوا بمؤخرات لا تنفصل أبدا عن كراسى السلطة. وبعد استقالة أبو مازن تولى أحمد قريع- أبو علاء رئاسة ثلاث حكومات متعاقبة إلى أن أضطر بعدها إلى تسليم مقاليد الحكومة لحركة حماس بعد فوزها فى الانتخابات العامة التى أجريت فى 2006/1/26.

ورغم أن البرلمان- أو المجلس التشريعى الذى تشكل بعد هذه الانتخابات يضم 6 كتل نيابية، فقد تشكلت الحكومة الفلسطينية العاشرة من حركة حماس بمفردها. بعد أن عجزت عن استحالة اى كتلة برلمانية أخرى لاشراكها فى الحكومة، وذلك نظرا لتمسك حماس بعدم الاعتراف بمنظمة التحرير ممثل شرعى ووحيد فضلا عن نقاط أخرى خلافية أدت بالنتيجة إلى انفراد حماس بتشكيل الحكومة الحالية. كانت الانتخابات الأخيرة، رغم إقرار الجميع بنزاهتها العالية قد أفرزت جملة من المعضلات السياسية التى علقت فى حلق الوضع الفلسطينى.

فقد بتنا إزاء وضع سياسى مأزوم بسبب وجود سلطة واحدة لها رأسان: الرئيس أبو مازن المنتخب كرئيس للسلطة على قاعدة برنامج سياسى. والسيد إسماعيل هنية رئيس حكومة حماس التى نجحت أيضا فى انتخابات ديمقراطية ومباشرة. وكانت هذه الأزمة نفسها تفاقمت بعد التجاذبات التى شهدتها الساحة الفلسطينية بعدما بدأ خالد مشعل رئيس المكتب السياسى لحماس المتمسك للآن بالجنسية الأردنية والمقيم فى دمشق، فى التصرف، من دون أى سند، كزعيم مقرر للسياسة الفلسطينية الداخلية متجاوزا رئيس السلطة ورئيس الحكومة المنتخبين من الشعب. وهكذا بدأ الوضع الفلسطينى ككائن سياسى خرافى يعمل على كاهله ثلاثة رؤوس وربما حتى أكثر.ولم تقتصر صعوبة هذا الوضع على هذه المعضلة فحسب، إذ لابد من الاعتراف أيضا بأن الانتخابات خلفت وضعا من الانقسام فى الشارع الفلسطينى ذاته.
إذ رغم فوز حماس المستحق عن جدارة بأغلبية المقاعد فى المجلس التشريعى (74 مقعدا) فإن هذه النسبة العالية لا تعكس فى الحقيقة موازين القوى السياسية بين حماس وفتح بالذات فى الشارع الفلسطينى، فمن الثابت فى المحاضر الموثقة للجنة المركزية المستقلة للانتخابات أن فتح حصلت على عدد أكبر من حماس من أصوات الناخبين لكنها حصلت مع ذلك على مقاعد أقل بكثير من حركة حماس. ومع ذلك سلم الجميع بفوز حماس المستحق فى هذه الانتخابات وفقا لقواعد اللعبة الديمقراطية ونظامها. لكن ذلك لا يعنى إغفال حالة الانقسام التى خلفتها الانتخابات فى الشارع، والتى لا تزال تداعياتها وتوابعها تنعكس على الوضع هناك. ومن دون التورط فى إعادة وصف تفاصيل التطورات المعروفة للجميع فإنه يمكن التعبير عن الأزمة الراهنة بمعادلة صعبة طرفها الأول هو محاولة حماس أن تحكم بمفردها ولم تنجح، فى مقابل الطرف الثانى الذى يتمثل فى محاولة فتح فى أن تعود للحكم وحدها ولم تنجح.

وفى مواجهة هذا الوضع الشاذ والمأزوم انطرحت عدة بدائل يمكن عرضها فى النحو التالى

1- تشكيل حكومة طوارئ أو حكومة إنقاذ وطنى، ويسمح النظام السياسى لأبومازن بتشكيل مثل هذه الحكومة لكن النظام نفسه يقيده بضرورة العودة بعد شهر للمجلس التشريعى لطرح الثقة فى هذه الحكومة.وبما أن حماس تمتلك الأغلبية فإنها ستسقط مثل هذه الحكومة وهذا الخيار.

2- تشكيل حكومة تكنوقراط من المستقلين أو حكومة مختلطة مع السياسيين، وهذا الخيار أيضا غير ممكن من دون موافقة حماس والتوافق عليه.

3- أو اللجوء إلى انتخابات عامة مبكرة حيث يحتكر أبو مازن وحماس وكل الفصائل أصوات الشعب. وكانت حماس قد هددت باستخدام القوة المسلحة لمنع هذا الخيار حتى لو أدى الأمر إلى توريط الفلسطينيين فى حرب أهلية لا تبقى ولا تذر.

4- أو التوافق على تشكيل حكومة وحدة وطنية، وهو مطلب قديم وشبه دائم، لكنه تحول إلى مجرد شعائر يتعذر على الدوام تحقيقه.كان التوافق على برنامج سياسى مشترك هو المعضلة التى حالت دائما دون تشكيل مثل هذه الحكومة العتيدة. وكانت قيادات الحركة الأسيرة فى السجون الإسرائيلية: مروان البرغوثى من فتح، وعبد الخالق النتشة من حماس، عبد الرحيم ملوح من الشعبية، بسام السعدى من الجهاد ومصطفى بدرانة من الديمقراطية، قد نجحوا فى صياغة وثيقة تضم 18 بندا، وطرحتها كأساس لبرنامج سياسى تنهض على بنوده حكومة الوحدة الوطنية المنتظرة.لكن حماس بادرت من جهتها برفض الوثيقة وشككت فيها بل ومارست ضغوطا على حملتها فى السجون لسحب توقيعه عليها، وفى مواجهة هذه المنادرة أصدر أبو مازن مرسوما رئاسيا بدعوة المواطنين الفلسطينيين للاستفتاء على وثيقة الأسرى.

وأمام هذا الحسم، وتحسبا لنتائج الاستفتاء راجعت حماس موقفها الرافض لوثيقة الأسرى، وبعد مداولات شاقة تم التوصل فى 6/27 الماضى إ لى التوقيع بالأحرف الأولى على هذه الوثيقة من كل الأطراف بما فى ذلك حركة حماس نفسها.وتنص بنود هذه الوثيقة على مجموعة من الخطوات الإجرائية فالبند السادس ينص على تشكيل حكومة وحدة وطنية من جميع الفصائل خصوصا حماس وفتح. والبند العاشر ينص على تشكيل قيادة موحدة للمقاومة. ورغم التوقيع الجماعى على الوثيقة فقد تعطل العمل بها فعليا بسبب العدوان الواسع والمستمر الذى تشنه إسرائيل عقب عملية أسر الجندى جلعاد شليت فى 6/25 الماضى. وقد أثار هذا الأمر لغطاً واسعاً، حيث يعتقد البعض أن توقيت هذه العملية كان مقصودا لعرقلة وتعطيل المضى قدما فى تطبيق بنود وثيقة الوفاق الوطنى، ويعزز هذا التيار رأيه بالقول بأن حماس كانت وما تزال أكثر الفصائل الفلسطينية التزاما يوقف كل عملياتها العسكرية بما فى ذلك إطلاق الصواريخ منذ شهر مارس 2005 وحتى الآن، وان هذه العملية كانت استثناء من هذا الالتزام.وأيا كانت صحة أو خطأ هذا الإدعاء، فإن النتيجة واحدة فقط تعطل فعلا العمل بهذه الوثيقة، وفى أعقاب صدور القرار 1701 أعيد الزخم من جديد لمشروع حكومة الوحدة الوطنية الذى نصت عليه بنود وثيقة الأسرى، ومن جهتها قررت مركزية حركة فتح فى اجتماعها فى عمان فى 8/23 تعزيز الدعوة لمشاركتها فى حكومة الوحدة الوطنية، وقابل ذلك تصريحات إيجابية مماثلة صدرت عن رئيس حكومة حماس السيد إسماعيل هنية.لكن يبدو أن هذه الحكومة لن ترى النور قبل أن تقوم جهة ما بانتزاع حقول الألغام التى تسد الطريق على تشكيلها وإقامتها.فلم تكن التصريحات الإيجابية سوى ستار لعمليات المساومة والمزايدات التى تعالت أصواتها فى الساحة الفلسطينية.فقد طرحت حماس شروطا تنسف من الأساس أى محاولة لإقامة هذه الحكومة، كاشتراط ضرورة الإفراج أولا عن الوزراء والنواب الذين اختطفتهم إسرائيل، وقد تكون حماس محقة فى المطالبة بتحرير هؤلاء النواب المنتخبين ديمقراطيا لكنها مع ذلك تعطى لإسرائيل مجانا القدرة على منع تشكيل هذه الحكومة حتى تفرج حماس عن جلعاد شاليت.

وبالمقابل سمعت أصوات من فتح والفصائل الأخرى ترفع شروطا حول نسب المحاصصة فى الحكومة، وتصر على حقائب وزارية بعينها، وهذا الوضع لا يحمل اى بشرى لاحتمال قيام مثل هذه الحكومة العتيدة.وقد لا يختلف أحد على الساحة الفلسطينية أو خارجها على أهمية وضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة للخروج من مأزق وأزمة حكومة حماس الحالية.ومع ذلك فإنه ينبغى لنا إعادة النظر فى موضوعية بقاء السلطة كلها وخيار حل هذه السلطة التى ستبقى أيا كان نوعها وطبيعتها، منتهكة ومرتهنة للضغوط والشروط الخارجية.كان مشروع إقامة سلطة للحكم الذاتى أمرا مفهوما فى إطار الاستعداد الفلسطينى لبناء مقومات الدولة المستقلة، التى كان من المفترض إقامتها فى نهاية عام 1999 طبقا لاتفاقات أوسلو.

ولما كنا وصلنا إلى هذا التاريخ ليس بأكثر من خفى حنين فقد كان لزاما على عرفات فى حينه أن يعلن أما عن إقامة الدولة الفلسطينية او عن حل السلطة ودعوة المجتمع الدولى لتحمل مسئولياته عن الشعب والأراضى المحتلة، لكن عرفات لم يقرر لا هذه ولا تلك.ثم عادت وواتته نفس الفرصة مرة ثانية عقب فشل المفاوضات فى قمة كامب ديفيد فى يناير 2001 وأيضا لم يفعلها عرفات.ويجب الآن أن نصارح أنفسنا بأنه لا مبرر ولا جدوى من أى سلطة أو حكومة فلسطينية ما لم يكن ذلك مرتبطا بمشروع منضبط زمنيا لإقامة الدولة الفلسطينية، لأنه من ذلك فإن هذه السلطة وحكومتها ستبقى منتهكة وعاجزة ومتسولة وخاضعة للشروط الخارجية، سواء كانت هذه السلطة بأمره أبو مازن أو هنية وسواء كانت حكومة لفتح أو حماس او حكومة وحدة وطنية.كانت حماس التى نددت بفتح وهى فى المعارضة بسبب مهزلة اقتحام إسرائيل سجن اريحا قد وقعت وهى فى الحكم فى المأزق ذاته، وهى تقف الآن عاجزة ومن دون اى رد على مهزلة اختطاف وزرائها ونوابها المنتخبين، وهذا الأمر لا يخص لا فتح ولا حماس، وإنما يخص طبيعة السلطة ذاتها.وليس معروفا مثلا كيف سترد حكومة الوحدة الوطنية، إذا ما حدثت معجزة وقامت هذه الحكومة، على اى مهزلة أخرى جديدة على الاشتراطات الدولية- الأمريكية والإسرائيلية الثلاثة: الاعتراف بالقرارات الدولية والاتفاقات السابقة ووقف المقاومة العنف المسلح والاعتراف بإسرائيل لقد بدأت أوساط عديدة فى فتح وغيرها فى مراجعة موقفها من موضوع السلطة، كما أظهر استطلاع للرأى أجرته إحدى وكالات الأنباء المستقلة أم أكثر من 58% من المواطنين يؤيدون حل السلطة.والغريب فى الأمر ان تبدى حماس كل هذا التعلق بأهداب هذه السلطة المهانة والمستباحة، ومن دون أن تطرح أى مشروع سياسى بديل يعوض قرارها بتجميد خيار المقاومة.

إن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، إذا صدقت النيات، ووافقت الأفعال الأقوال، سيكون بكل التأكيد هو الخيار الأفضل من مأزق الوضع الراهن للحكومة والسلطة لكنه بكل التأكيد أيضا لن يحل لا أزمة هذه السلطة ولا أزمة التسوية أو إنعتاق الشعب من اسر الاحتلال وكل ذلك يدعونا للبحث عن خيار أخر جذرى واستراتيجى، يضع قرار حل السلطة فى القلب من مشروع سياسى جديد تتوافق عليه الفصائل ويدعمه الشعب، ويضع حدا لتنصل إسرائيل من مسئولياتها كدولة محتلة، تعمل هذه السلطة وكيلا عنها وليس بديلا لها. أن نقرر الآن حل السلطة فى إطار مشروع سياسى جديد أفضل بما لا يقاس من أن ننتظر انهيارها على رؤوسنا.كان عرفات قد أضاع من قبل فرصتين والتاريخ لن يرحم من يضيع الآن الفرصة الثالثة.. وربما الأخيرة.

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية