نشرة المجتمع المدنى
العدد
141 سبتمبر2006
انتخابات الرئاسة اليمنية حدوتة
عربية
سوزان حرفى
هل هناك سمات مشتركة للدولة القومية
العربية؟ أو خصائص عامة للأنظمة العربية القائمة سواء كانت ملكية
أو جمهورية فى مرحلة ما بعد الاستقلال التخيلى؟ ورحيل جيل الزعماء
التاريخيين الذين قادوا شعوبهم للحرية ضد الاحتلال الأجنبى.
الشئ اليقينى أن الأنظمة العربية تعانى فى مجملها أزمة شرعية.
فقد أمتدت مرحلة التحول الديمقراطى
من الدولة الشمولية إلى نظام ليبرالى يستند إلى نصوص قانونية
ودستورية إلى ما يقرب من ربع قرن تقريبا. كما أنها فى أغلبها لا
تمتلك استراتيجية للتغيير تنطوى على خطط مرحلية على مدى زمنى
معقول.
وتعانى من سيطرة نخب متشبثة بمواقعها فقدت زمام المبادرة التاريخية
ولا تريد أن تترك المسرح بهدوء وفى سلاسة وغياب ثقافة تداول السلطة
عن الفكر السياسى للطبقة الحاكمة فضلا عن الفساد الذى وصل إلى
معدلات قياسية ثم هناك فيروس التوريث الذى يداعب أحلام الرؤساء
الذين وصلوا إلى مرحلة الشيخوخة وتأكل القدرات الجسدية وضمور
الملكات الذهنية ولديهم مخاوفهم وهواجسهم من الانتخابات
الديمقراطية التى قد تترجم فى أدنى التوقعات فى الانتقال
الدراماتيكى من القصور الرئاسية إلى المعتقلات المحصنة التى وصلوا
إلى درجة الكمال فى تشييدها والإبداع فى رفع نسبة الأشغال فى
أجنحتها إلى مرحلة التشبع.
هذه هى المعالم الرئيسية التى تجمع النظام اليمنى مع غيره من
الأنظمة القمعية العربية برغم أوجة الخلاف التى تتبلور فى الطبيعة
العشائرية والقبلية للمجتمع والدور المركزى الذى يلعبه شيوخ
القبائل وتيارات الإسلام الأصولى فى علاقة صراعية بين البداوة
والحضر أو بين الفكر الأصولى ودعاة التحديث.
وسيادة نمط حق اليمنى فى حمل السلاح فهناك 60 مليون قطعة سلاح فى
أيدى شعب لا يزيد تعداده على عشرين مليون منهم 9 مليون ناخبا فى
أجواء مشحونة بالتوتر والحماس لا تخلو من العنف المفرط وتهديد
وإكراه الناخبين ودخول الجيش والآمن إلى اللجان دون ضرورة ملحة أو
داعى مصلحى وتدخل البيروقراطيين فى إجراءات الاقتراع والفرز وإعلان
النتائج وإغلاق اللجان وطرد المندوبين والاعتداء على الناخبين
وإثارة النظرات القبلية أو المناطقية أو المذهبية.
مما ادى إلى مقتل ثلاث أشخاص وتؤكد المعارضة اليمنية أن العشرات من
مرشحى وناشطى المعارضة يقيمون فى سجون السلطة التى اعتقلتهم خلال
فترة الدعاية الانتخابية وليلة الاقتراع.
ورغم فوز على عبد الله صالح الرئيس الحالى الذى يحكم البلاد منذ
1978 أى إنه أحتل مقعد الرئاسة لمدة 28 سنة متصلة خاض فيها
انتخابات رئاسة الجمهورية للمرة الثانية بآلية الاقتراع المباشر
بالمنصب وحصل على 82% من نسبة الأصوات مقابل 16% لمنافسة الرئيس
فيصل الشملان.
فإن الأوضاع فى اليمن السعيد على فوهه بركان للتشكيك فى نتائج
الانتخابات والطعن فى الفوز الذى حققه الرئيس وتلويح المعارضة
بالنزول إلى الشارع فى حركة عصيان مدنى احتجاجا على ما وصفته
بتلاعب واضح فى الانتخابات .
وقد ردت قيادات بالحزب الحاكم بأنها سوف تستخدم ذات الشارع فى ردع
المعارضة مما يثير المخاوف من احتمالات صدام تؤدى إلى انقلاب عسكرى
نتيجة الاستقطاب الحاد فى المجتمع.
فالمهندس فيصل الشملان يحظى بمصداقية لدى الجمهور وأفراد النخبة
المستنيرة لكفاءته واستقامته التى ترسخت من خلال الحقائب الوزارية
التى تولاها واستقلاله الفكرى عن الأحزاب السياسية ونجاحه فى توحيد
المعارضة اليمنية خلف مرشح رئيسى تحت الشعار الجذاب الذى اختاره
عنوان لدعايته الانتخابية.رئيس من أجل اليمن... لا يمن من أجل
الرئيس. داعيا إلى التغيير الشامل كوسيلة ضمنية للتخلص من
الفساد المتولد فى حضانة رسمية لتركيز السلطة فى منصب واحد داعيا
إلى أن إصلاح الجسد يقتضى إصلاح الرأس ولن يتأنى ذلك إلا عبر تغيير
المسئولين والسياسات واعتماد الإدارة الحديثة مؤكدا ضرورة التصدى
لوقف استشراء الفساد والفقر والبطالة وتوفير فرص العمل والمواطنة
المتساوية فى الحقوق والواجبات فى حين اعتمد الرئيس على عبد الله
صالح على قوة الأجهزة الأمنية والبيروقراطية وتبنى الخطاب الرسمى
العربى من أن مهامه المستقبلية الوفاء بحزمة من الإصلاحات السياسية
والاقتصادية والاجتماعية وتوسيع مجالات الاستثمار وتعزيز الحريات
وحقوق الإنسان وإنصاف المرآة انقشعت المعركة إذن عن فوز الرئيس وإن
كانت سيناريوهات المستقبل قاتمة إلى حد السواد.
فالجماهير منعطشة للتغيير بعد أن أطلق الحراك السياسى الذى صاحب
أعنف حملة انتخابية تشهدها البلاد فى أجواء زخم ديمقراطى ليس لها
مثيل وإقبالا كثيفا من الناخبين الذين عصف السلطة بإرادتهم
السياسية بلا رحمة أو خجل.
فهل يمضى سيناريو الاحتكام إلى السلاح سواء كان الطرف البادئ
باستخدامه هو الجيش أم الإخوان المسلمين. فمن ينقذ الدولة القومية
العربية من المصير الذى تنزلق إليه.