نشرة المجتمع المدنى

العدد2 مخاض نظام عربي جديد

العرب و العالم الخارجي

 

يدُ عمرو الأمريكي تمتد من جديد

 سعد الدين إبراهيم

مارس 2004

في اوائل شهر فبراير 2004 سربت مصادر أمريكية مسودة ورقة عمل مقدمة لقمة الثمانية الكبار، التي تعقد في شهر يونية، الورقة بعنوان نحو شرق اوسط كبير وتتحدث عن خطة لتطوير اقطار المنطقة الممتدة من افغانستان شرقا، الي المغرب وموريتانيا غربا وتشمل المنطقة التي تستهدفها الخطة بلدانا غير عربية وغير اسلامية ففيها ايران وافغانستان وتركيا، وهي اسلامية من حيث ديانة معظم سكانها، ولكنها غير عربية من حيث اللغة والثقافة، كما انها تشمل اسرائيل التي لا هي عربية ولا هي اسلامية.

الخطة هي بمثابة مشروع مارشال جديد، وقد كان ذلك المشروع الذي اطلقته الولايات المتحدة، وسمي علي اسم وزير خارجيتها في ذلك الوقت (1945-1950) يهدف الي اعادة بناء غرب اوروبا، التي دمرتها الحرب العالمية الثانية، ولم تكن اعادة البناء مادية فقط، بل ايضا مؤسسية وقيمية، بعد ان شوهتها عقود من الفاشية والنازية والديكتاتورية. وكان مشروع مارشال، هو الذي انقذ غرب اوروبا من اجتياح الشيوعية السوفيتية، التي كانت قد اجتاحت شرق اوروبا بالفعل. كما ان المشروع هو الذي مهد لمشروع آخر عملاق داعب احلام الاوروبيين لمدة قرنين، وهو توحيد القارة الاوربية. واخيرا هو الذي جنب اوروبا ويلات حرب عالمية ثالثة. فقد صاحب مشروع مارشال الاقتصادي مشروع دفاعي آخر هو حلف الاطلنطي .

ويبدو ان الخبراء الامريكيين في شؤون الشرق الاوسط قد اقنعوا الرئيس جورج بوش ووزير خارجيته كولين باول بأن المنطقة كانت وما زالت الأكثر تفجرا وعنفا طوال الخمسين عاما الاخيرة من ذلك انها:

- تحتوي علي7% فقط من سكان العالم، ومع ذلك استأثرت بحوالي 35% من مجموع الصراعات المسلحة في العالم، اي خمس مرات اكثر مما تستحق.

- انه رغم ثرواتها الطبيعية الضخمة، وفي مقدمتها النفط والتاريخ والثقافة العريقة، الا انها ما زالت في ذيل القائمة علي مؤشرات التنمية بين دول ومناطق العالم الاخري. ولا يتفوق علي هذه المنطقة في التخلف الا افريقيا جنوب الصحراء.

- وقد ربط تقرير الامم المتحدة عن التنمية الانسانية العربية لسنتي 2002- و2003 بين هذا التخلف وبين نقص او انعدام الحرية والديمقراطية في عالمنا العربي، فالانظمة الاستبدادية هي التي تبدد الموارد في مشروعات وهمية ومغامرات خارجية. وتورط بلدانها وجيرانها في صراعات مسلحة بل وقد تجر الدول الكبري من خارج المنطقة للتورط.. في هذه الصراعات من ذلك ان امريكا استخدمت قواتها المسلحة عشر مرات في منطقة الشرق الاوسط خلال الخمسين عاما الماضية -اي بمعدل مرة كل خمس سنوات.

- كذلك خلص خبراء المنطقة الي ان غياب الحرية والديمقراطية والتنمية المتراكمة ادي الي فجوة متزايدة بين شعوب المنطقة وانظمتها الحاكمة. وكان الأكثر احساسا بالغبن والغضب هم الشباب العربي -المسلم. وان هذا الاحساس هو الذي يدفعه اما الي السعي الي الهجرة الي الغرب، او الي التطرف الديني، او اليهما معا.

- ان حكام المنطقة، بمن فيهم حلفاء واصدقاء الغرب وامريكا، بدلا من تبديد مشاعر الغضب والمرارة والغربة عند الشباب العربي المسلم بالتحول الي الديمقراطية والحرية وفتح ابواب المشاركة في الشأن العام امامهم، فإما انهم اودعوهم السجون او حولوا غضبهم ومرارتهم ضد امريكا والغرب واسرائيل.

ان هذه القراءة، كان احد ابرز المروجين لها استاذ التاريخ البريطاني الاصل، والذي كان يشغل كرسي الشرق الاوسط في جامعة برنستون، والأكثر قربا لكل من رتشارد تشيني، نائب رئيس الجمهورية، ولدونالد رامزفيلد، وزير الدفاع ويشاركه في هذه القراءة استاذ العلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز، الدكتور فؤاد عجمي الامريكي من اصل عربي لبناني.

وبناء علي هذه القراءة، وعلي تقرير الامم المتحدة الذي صاغه حوالي ثلاثين عربيا مرموقا، تم اعداد خطة الشرق الاوسط الكبير لاصلاح وتنمية كل جوانب الحياة فيه -من السياسة الي الثقافة، ومن التعليم الي الاقتصاد، ومن انظمة الحكم الي القضاء الي المجتمع المدني. بهذا المعني الشامل فان خطة الشرق الاوسط الكبير، تتساوي في طموحها مع مشروع مارشال، سالف الذكر، بل وتتجاوزه.

ولأن الولايات المتحدة قد تعلمت من سلبيات غزو العراق بلا غطاء دولي كامل، فانها تأخذ مشروع الشرق الاوسط الكبير الي مجموعة الثمانية الكبار -وهم الي جانبها تشمل المانيا، وفرنسا، وبريطانيا وروسيا، واليابان، وايطاليا، وكندا وهم معا يستحوذون علي ثلثي الانتاج العالمي. وبتبنيهم للمشروع، تضمن الولايات المتحدة مشاركة الثمانية الكبار في الرعاية، والتمويل، والتنفيذ، وتدفع عن نفسها تهمة الهيمنة الامبريالية المنفردة.

والمشروع يعتمد في فلسفته علي الترغيب والتهديد فكل من يرحب به، ويندرج تحت مظلته سيحصل علي مساعدات اقتصادية ضخمة وعلي تسهيلات تجارية كبيرة، وعلي تدفقات استثمارية مستمرة. ومن لا يقبل او يعارض فانه لن يحصل علي اي من هذه المزايا، بل وقد يُحرم من بعض ما يحصل عليه حاليا، انها فلسفة الجزرة والعصا ، المعروفة في العلاقات الانسانية -سواء في تربية الاطفال او الشؤون الدولية.

فماذا كانت ردود الفعل العربية علي مشروع الشرق الاوسط الكبير ؟

- كان هناك رد فعل رسمي واحد، الي تاريخه، وتمثل في بيان مشترك صدر بعد زيارة خاطفة بين الرئيس المصري حسني مبارك والعاهل السعودي الملك فهد، كان فحواها ان اصلاح الاوضاع في المنطقة عموما، وفي بلديهما خصوصا لا يمكن ان يأتي او يفرض من الخارج، والا كان مصيره الرفض والفشل واكد الزعيمان العربيان، ان الاصلاح لابد ان ينبع من الداخل، وبمبادرات وجهود داخلية.

- وعلي هذا النهج المتحفظ او الرافض صدرت ردود افعال عربية اخري، حكومية وغير حكومية، وفي الغالب دون مناقشة او تفنيد ودون تقديم بدائل. وغلب علي معظم ردود الفعل هذه ما اطلقنا عليه في مقال سابق فقه النكاية ، فكل ما يصدر عن امريكا لابد ان نرفضه، حتي لو كان ينطوي علي مصلحة لنا وذلك نكاية في امريكا او في الغرب وهؤلاء عادة هم من يرفضون كل جديد وكأنه ضلالة بما ان كل ضلالة في النار !

- يختلف عن النهجين السابقين رد فعل ايجابي فاعل، وهو دعوة قيادات المجتمع المدني العربي لصياغة بدائل للتغيير والإصلاح من ذلك دعوة الدكتور اسماعيل سراج الدين لمؤتمر عربي اصلي خالص للتداول حول مستقبل الوطن والامة، والذي ينعقد في مكتبة الاسكندرية، منتصف مارس ،2004 وقبل مؤتمر القمة العربية اواخر نفس الشهر، وقبل ثلاثة اشهر من قمة الثمانية الكبار، وربما لن تختلف اجتهادات مؤتمر الاسكندرية عن محتويات مشروع الشرق الاوسط الكبير. ولكنها ستكون بلغة عربية، وذات رداء عربي، وستخرج من ارض عربية. اي انها ستكون هذه المرة بيدنا لا بيد عمرو!

فلا حول ولا قوة الا بالله

 

فقه انتخابات الرئيس الأمريكي

د. سعد الدين ابراهيم

فبراير 2004

 يقال أن كراهية الرئيس الحالي جورج بوش للزعيم الفلسطيني ياسر عرفات تعود إلى رحلة قام بها إلى إسرائيل وفلسطين في مثل هذا الوقت منذ أربع سنوات. وكان وقتها يفكر في ترشيح نفسه عن الحزب الجمهوري. وم تكن فرصة للفوز بهذا الترشيح تبدو عالية أو محكمة، ناهيك عن فرصة في الفوز بالرئاسة التي بدت وقتها أكثر تواضعاً.

ولكن كعادة معظم الطامحين في مثل هذه الترشيحات في العقدين الأخيرين، فإنهم يقومون بزيارة إسرائيل، طمعاً في كسب أصوات الأمريكيين اليهود، وتبرعاتهم ودعمهم الإعلامي، حيث يتركزون في الولايات الكبرى ـ مثل نيويورك، وكاليفورنيا، وأيللنيوي، وبنسلفانيا، وفلوريدا. وكان من هؤلاء جورج بوش الابن. وبما أنه كان في إسرائيل فقد نصحه بعض معاونيه برؤية رئيس السلطة الفلسطينية، خاصة وأن جيم كلينتون كان قد زار الأراضي الفلسطينية، والقى خطاباً تاريخياً في البرلمان  الفلسطيني قبيل عام من زيارة بوش الابن.

ولكن كعادة الرؤساء العرب، فإن ياسر عرفات استبعد أن يفوز بوش الابن بترشيح حزبه أو بالتالي بالرئاسة. ولذلك لم يلب طلب بوش واعتذر عن مقابلته. واعتبرها جورج إهانة لاتنسى. ويقال عن أهل تكساس في أمريكا ما يقال عن أهل الصعيد في مصر. أنهم لا ينسون الإهانة، ويتحينون الفرصة للأخذ بثأرهم عمن وجه لهم هذه الإهانة. ورغم أن الرئيس كلينتون استقبل ياسر عرفات عدة مرات في البيت الأبيض، وقضى معه ومع أيهود باراك، رئيس الوزراء الإسرائيلي، أسبوعين في كامب دافيد، وأتى لمقابلته مرة أخرة في شرم الشيخ وطابا في خريف 2000، إلا أن جورج بوش رفض استقبال ياسر عرفات في البيت الأبيض، أو مقابلته في أي مكان آخر في العالم. وكان لسان حاله يقول لياسر عرفات "أنت رفضت مقابلتي وأنا أسعى للترشيح فلن أقابلك وأنا رئيس أمريكا".

وإمعاناً في الثأر من ياسر عرفات وإذلاله، تعمّد جورج بوش ثلاثة أشياء أخرى. أولها استقباله الدائم لرئيس الوزراء الإسرائيلي أريل شارون في البيت الأبيض، بمعدل مر تين سنوياً ـ أي اكثر من أي رئيس أمريكي وأكثر من أي رئيس وزراء إسرائيلي. الشئ الثاني، أنه وإدارته بدأ في شن حملة منظمة لاقصاء ياسر عرفات عن السلطة، واستبداله بزعيم فلسطيني آخر يمكن التفاوض معه. ولم تتوقف المقاطعة الأمريكية للسلطة الفلسطينية إلا بعد تعديل النظام الأساسي (الدستور) الفلسطيني الجديد، أبو مازن، في واشنطن.

ولم يكن ياسر عرفات هو وحده الذي ارتكب هذا الخطأ السياسي مع مرشح رئاسة أمريكي. فقد فعل الرئيس المصري الراحل أنور السادات نفس الشئ مع مرشح الرئاسة الجمهوري رونالد ريجان. إن مقابلة الرؤساء لزعماء المعارضة في بلدان أخرى مسألة مألوفة للغاية في المجتمعات الديمقراطية. فالمعارض اليوم قد يصبح الرئيس غداً. ويقال أنه في أحد زيارات الرئيس السادات للولايات المتحدة طلب ريجان مقابلته. فاعتذر السادات ورفض مقابلته، واعتقاداً منه لأن ريجان لا يمكن أن يفوز على صديقه جيمي كارتر في الانتخابات التالية (نوفمبر 1980)... ولكن ذلك هو ما حدث فعلاً. وقد عانى الرئيس السادات في سنته الأخيرة (1981)، من المعاملة الجافة والاستقبال البارد له في زيارته الأخيرة لواشنطون (يوليو 1981)، وسمعت أنا بأذني هذه الشكوى من الرئيس السادات في مقابلة شخصية معه في استراحته بالمنتزه في الاسكندرية، في أغسطس 1981.

فلأن الرؤساء العرب حينما يأتون للسلطة، يتمرتسون فيها، ولا يتخلون عنها أبداً، فإنهم يعتقدون أن نفس الشئ يحدث في البلدان الأخرى، حتى لو كانت أنظمة الحكم فيها ديمقراطية مفتوحة، وحينما قدمت هذا التفسير للرئيس السادات حول أسباب الاستقبال الجاف له من الرئيس ريجان ـ قال "ربما... ولكن ما كان لي أن اقابله وهو مجرد مرشح وأحرج مشاعر صديقي الرئيس كارتر في ذلك الوقت"! والذي لم يعيه الرئيس السادات وقتها، وربما لا يعيه الزعماء العرب إلى الآن هو أن مقابلة زعماء المعارضة في البلدان الديمقراطية، لا يحرج مشاعر أهل السلطة، لأن أهل السلطة أنفسهم كانوا في المعارضة، وسينتقلون إلى المعارضة بعد حين!.

لقد قصدنا من هذا الاستطدراد أن ننبه لأهمية التعرف على أكثر الطامحين من الحزب الديمقراطي ترجيحاً لأن يكون المرشح المنافس للرئيس جورج بوش في الانتخابات القادمة. وعلى الزعماء العرب وممثليهم في واشنطون ونيويورك أن يسعوا للتعرف على السيناتور جون كاري، وهو أحد الشيخان اللذان يمثلان ولاية ماسوشيسيت في الشمال الشرقي للولايات المتحدة، وهذه الولاية مع ولايتي فيرمونت ونيوهامشاير، تسمى بإقليم "نيو انجلند" (أي انجلترا الجديدة) فقد كانت من أوائل الأراضي الأمريكية التي حل بها المهاجرون من انجلترا في القرن السابع عشر، فسموها بانجلترا الجديدة. وأكبر مدن الولاية هي مدينة بوسطن، التي لعبت دوراً هاماً في حرب الاستقلال الأمريكية في الربع الأخير من القرن الثامن عشر، والتي انتهت بخـروج القوات الانجليزيـة وإعـلان الاستقـلال (1776). ولذلك لم يكن مستغرباً أن يأتي عدد من رؤساء أمريكا الأوائل من هذه الولاية تحديداً. وكان آخر رئيس من ماسوشيست هو جون فيتزجيرالد كينيدي، والذي يختصر اسمه بالحروف الثلاثة الأولى جي.إف.كي. (J.F.K). ولأن كينيدي كان وسيماً، ومتزوجاً من امرأة أرستقراطية جميلة، وهي "جاكي"، واغتيل وهو في ريعان الشباب (1963) قبل أن يتم فترة رئاسته الأولى، فقد تحول إلى أسطورة في الخيال الأمريكي. وتضاعفت هذه الأسطورة بعدة أفلام هوليودية، كان أشهرها بعنوان JFK.

وأول انطباع يتركه المرشح الديمقراطي على من يلتفون به هو أنه يذكّرهم بـ J.F.K. فهو كثيف الشعر، ممشوق القوام، ذو ملامح دقيقة، ويتحدث مثل J.F.K، فهو من نفس الولاية، وهو من أصول أرستقراطية، وكاثوليكي، ومتزوج من سيدة ثرية. وهذه كلها قواسم مشتركة مع JFK. ومن الصدف الإضافية إن اسمه الكامل ـ جون فوربس كيري ـ يختصر بالإنجليزية إلى نفس الحروف J.F.K .

كان جزءاً من اسطورة كينيدي أنه تطوع في الحرب العالمية الثانية، وأصبح أحد ضباط البحرية، وقاد قارباً للطوابير في المحيط الباسفيكي (الهادي) وأغرق سفينة يابانية معادية. واستطاع من يديرون الحملة الانتخابية للسيناتور جون كيري أن يجدوا في سيرته الشخصية إنجازاً موازيا، وإن كان في حرب فيتنام. حيث قاد جون كيري أيضاً قارباً للطوابير، اقتحم به أحد معاقل الفيت كونج في وادي نهر المكونر. وخرج في هذا العملية الانتحارية ونال عليها الوسام البنفسجي، ثم نال ميداليتين آخرتين بشجاعته وأدائه أثناء خدمته في فيتنام. ولكن ذلك لم يمنعه بعد العودة من فيتنام في الانضمام لحركة مناهضة الحرب. وفي أحد المظاهرات التي قادها إلى أبواب الكونجرس وهو في شبابه قذف بالميداليات والنياشين التي حصل عليها على درجات مجلس الشيوخ. أي أنه لبى الواجب كمجند، وأبلى بلاءاً حسناً كمقاتل، ولكن ضميره بعد ذلك كمواطن أملى عليه أن يحتج، ويتخلى عن النياشين والميداليات.

وأتوقع أنه حينما تشتد الحملة الانتخابية ستكون المقارنة بن سجله وسجل جورج بوش أثناء حرب فيتنام أحد الملفات الساخنة. وهنا لن يستطيع بوش أن يزايد على كيري في "الوطنية" أو في فهم مسائل الأمن القومي في صوت كيري لصالح القرار الذي منح بوش تفويضاً لاستخدام كل وسائل الضغط على صدام حسين لإجباره على الالتزام بقرارات الأمم المتحدة.

الخلاف الرئيسي بين كيري وبوش سيكون حول الأجندة الداخلية وليس السياسات الخارجية.  فالانتخابات الأمريكية تقررها، مكسباً وخسارة السياسات الخارجية ـ حالة الاقتصاد، التأمينات الاجتماية والصحية، التعليم، والحقوق المدنية، ومنها حق "اللواطيون" أو المثليون"، أو من درجنا على تسميتهم "بالشواذ" في الزواج.

المعروف عن جون كيري أنه ليبرالي، وينتصر للفقراء والمحرومين، رغم أنه يأتي من خلفية ثرية هو وزوجته. وهو مع عدم تخفيض الضرائب على الأغنياء، وفقط تخفيضها على الطبقات الوسطى والدنيا.

أما سجله في التصويت على ما يتعلق بالشرق الأوسط، فهو لا يختلف كثيراً عن زميله السيناتور إداورد كينيدي من نفس الولاية والشقيق الأصغر لـ JFK ، وهو تأييد إسرائيل، كما يمثلها حزب العمل، لا كما يمثلها حزب الليكود، وخاصة في ظل رئاسة أريل شارون. وأغلب الظن أنه إذا انتخب رئيساً فسيكون أقرب إلى نهجي بيل كلينتون وجيمي كارتر فيما يتعلق بالسياسة الخارجية عموماً والصراع العربي الإسرائيلي خصوصاً ولكن هذه الصورة العامة والمبهمة ستتضح أكثر وأكثر، كلما اقتربت الساعة.

مع مستشاري جون كيري

د. سعد الدين إبراهيم

يوليو 2004

 السيناتور جون كيري هو مرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة ضد جورج دابليو بوش، الرئيس الحالي ومرشح الحزب الجمهوري الحاكم في انتخابات الرئاسة الأمريكية، التي ستجري في الثلاثاء الأول من نوفمبر 2004.

وكالعادة في الحملات الانتخابية الرئاسية يحشد كل مرشح عدداً من المستشارين ومراكز الدراسات والسياسات لإعداد أوراق عمل حول المسألة الرئيسية التي تشغل الرأي العام الأمريكي، والتي يجب علي المرشح أن يكون مستعداً لتوضيح موقفه حيالها، أثناء الحملة، ثم بعد انتخابه هذا علماً أن هناك دائماً هامش اختلاف بين ما يقوله المرشح أثناء الحملة الانتخابية، ثم ما سيفعله بعد انتخابه، وينطبق هذا بشكل حاد علي الصراع العربي الإسرائيلي. فمن الملاحظ، أن المتنافسين علي الرئاسة يتبارون علي كسب أصوات الناخبين اليهود، الذين يصل عددهم إلي حوالي أربعة ملايين صوت، ورغم أنهم يمثلون أقل من 3% من مجموع الناخبين إلا أنهم يرجحون كفة أي مرشح في الولايات الكبري التي يتركزون فيها.. مثل نيويورك، وكاليفورنيا، وبنسلفانيا، وايلينوي، وفلوريدا. هذا فضلاً عن أن الناخبين اليهود هم أولاً، الأكثر مواظبة وانضباطاً في الإدلاء بأصواتهم من أي مجموعة أو جماعة أمريكية أخري. كما أنهم الأكثر تبرعا وتطوعاً في الحملات الانتخابية. لذلك يمكن القول إن وزنهم الانتخابي يعادل عشرة أمثال وزنهم العددي في الساحة السياسية الأمريكية، يعرف المرشحون سواء للرئاسة أو الكونجرس ذلك، كما يعرفه الأمريكيون اليهود أنفسهم وهذا هو ما يفسر مزايدات المرشحين لكسب هذه الأصوات من خلال التأييد شبه المطلق لإسرائيل، وإغداق الوعود لها مستقبلاً.

بهذه الخلفية استغربت بعض الشيء حينما طلب مني السيناتور جوزيف بايدن، وكيل لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، وأحد كبار مستشاري السيناتور جون كيري، أن أقدم منظوراً عربياً للعاملين في حملة المرشح الديمقراطي. ومع ذلك فانطلاقاً من اقتناعي بأهمية الحوار مع الآخرين، مهما كان الاختلاف بيني وبينهم، فقد لبيت الدعوة، واجتمعت بعدد من المستشارين في حملة المرشح جون كيري بمكتب السيناتور جوزيف بايدين، مساء الأربعاء 7/7/2004. وفيما يلي أهم ما عرضته من اجتهادات حول أربع من قضايا العالم العربي والشرق الأوسط.

حول الصراع العربي الإسرائيلي، كانت وجهة نظري هو أن يلح المرشح الديمقراطي علي ما يقبله أغلب الإسرائيليين 54% والفلسطينيين 57%، طبقاً لنتائج استطلاعات الرأي العام، وهي الخطوط العريضة للمصالحة التاريخية التي انطوي عليها اتفاق جنيف، الذي دفعه إسرائيليون يقودهم يوسي بيلين، وفلسطينيون يقودهم ياسر عبدربه، ويقضي بإنشاء دولة فلسطينية علي حوالي 97% من الضفة والقطاع، والقدس الشرقية كعاصمة لها، ويعود إليها معظم اللاجئين الفلسطينيين، مع أعداد رمزية في حدود مائتي ألف يعودون إلي ديارهم داخل خطوط ما قبل ،1948 وتعويض للآخرين عن أملاكهم. ولا يختلف اتفاق جنيف كثيراً عن الخدمة التي كان قد تم التوصل إليها في كامب ديفيد في يوليو ،2000 وتحسنت شروطها قليلاً في طابا وفي ديسمبر من نفس العام وكان التلكؤ في توقيع الاتفاق سبباً في خسارة باراك، رئيس الوزراء الإسرائيلي للانتخابات بعد ذلك بشهرين وتولي أرييل شارون الحكم، ورفضه الاستمرار في عملية السلام، هذه التي كان يرعاها الرئيس الأمريكي كلينتون. وساعده علي التملص منها كلية، انتهاء مدة رئاسة هذا الأخير، وتولي بوش الابن، وعدم اهتمامه بهذا الملف الفلسطيني طوال السنتين الأولتين من رئاسته.

كل الأحوال كانت نصيحتي لفريق المرشح الديمقراطي أن يواصلوا المسيرة السلمية من حيث كان قد تركها رئيس ديمقراطي سابق كلينتون ، ومن حيث أدخل عليها فلسطينيون وإسرائيليون تحسينات وتفصيلات هامة ومن حيث باركها في جنيف في أواخر عام 2003 ثلاثة رؤساء أمريكيين سابقين- هم جيمي كارتر، وبيل كلينتون، وجيرالد فورد - وزعماء عالميون آخرون، في مقدمتهم نيلسون مانديلا وتوني بلير وجاك شيراك، وكوفي عنان، فضلاً عن حوالي خمسين من الفائزين بجوائز نوبل.

من ذلك وفرت للعاملين في حملة جون كيري عدداً كبيراً من توقيعات منظمات يهودية أمريكية تؤيد وثيقة جنيف، حتي لا يخضع لابتزازات المتطرفين اليهود، الذين يسارعون عادة باتهام الآخرين بمعاداة السامية.

وحول العراق، كانت نصيحتي هي المسارعة بتكوين ألوية وفيالق للحرس الوطني العراقي في كل محافظة من أبناء المحافظة، الذين سبق لهم الخدمة في القوات المسلحة العراقية خلال العشرين عاما الماضية، وتم تسريحهم في السنوات الخمس الأخيرة، ممن هم دون سن الأربعين فلأنهم من أبناء المحافظة، فهم أدري بشعابها، ولهم روابط عائلية وعشائر وقبلية بسكانها، ومن ثم سيكونون الأكثر حرصا علي التعامل المسؤول واللائق بذويهم، كذلك سيكون أبناء كل محافظة أحرص علي حماية اخوتاهم المجندين في الحرس الوطني من اعتداءات الغرباء الذين يتسللون الي أرض محافظتهم، كذلك يساعد هذا الاقتراح علي التخفيف من مشكلة البطالة بين أكثر من ميلوني عراقي من الذين سبق لهم الخدمة في أحد فروع القوات المسلحة العراقية، وتم تسريحهم باجراء أرعن من سلطة الاحتلال الأمريكي في العراق خلال الاسابيع الاولي بعد الغزو، وفي كل الاحوال بالموازاة لتكوينات الحرس الوطني العراقي، للحفاظ علي الأمن، لابد من المضي قدما في الاستعداد لانتخابات نيابية قبيل نهاية عام 2004 أو في بداية عام ،2005 تمهيدا لتكوين حكومة عراقية مستقلة تماما وتتمتع بشرعية لا يداخلها الشك، وتنسحب القوات الأمريكية الي مناطق في الشمال حيث ما يزال اكراد العراق يرحبون بها كقوات تحرير - لا كقوات محتلة - وتظل لعدة شهور مستعدة لتلبية طلب المساعدة من الحكومة الشرعية المنتخبة الي ان يتم استكمال بناء مؤسسات الدولة العراقية الجديدة ويمكن ان يدعو جون كيري أثناء الحملة الانتخابية الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي لارسال قوات لحفظ السلام والأمن في كل العراق خلال تلك الفترة الانتقالية وباختصار، كانت النصيحة هي رفع شعار لنترك العراق للعراقيين، وليعد أبناؤنا الأمريكيون إلي ذويهم .

حول مسألة دارفور، والتي تهم الناخبين الأمريكيين السود (الزنوج) في المقام الأول، وهم حوالي عشرين مليون ناخب، كانت النصيحة هي المسارعة بارسال معونات إنسانية - غذائية وطبية، ثم ارسال مراقبين دوليين وطلب قوات حفظ سلام من منظمة الوحدة الافريقية (الاتحاد الافريقي)، ثم في الأجل المتوسط والطويل الدعوة الي ترتيبات سياسية مماثلة لما انطبق عليه اتفاق السلام بين الشمال والجنوب، والذي &#