نشرة المجتمع المدنى

العدد2 مخاض نظام عربي جديد

دول تحت المجهر

رئاسة مصر الديمقراطية

د. سعد الدين إبراهيم

مايو 2005

 إن أهم من تغيير شخص رئيس الجمهورية في مصر المحروسة، هو التأكد من معالم وآليات الحكم بالدولة وإدارة المجتمع. وقد تحدثنا في مقال سابق عن خمسة أسباب (على الأقل) لعدم إعادة ترشيح أو انتخاب الرئيس محمد حسني مبارك، وهي الشيخوخة، واعتلال الصحة، وتصلب الشرايين السياسية، والاستبداد، والفساد، ولكن من يضمن أن من يأتي بعد مبارك لن يكرر سيرته وممارساته؟

ليس هناك ضمانات مؤكدة في الشئون الإنسانية، ومن ثم الشأن السياسي. ومع ذلك تعارفت الشعوب الحية والمجتمعات المتقدمة في القرون الثلاثة الأخيرة على مجموعة من الترتيبات التي توفر ضمانات نسبية (وليست مطلقة) للحكم الصالح والإدارة الرشيدة للمجتمع. وهذه الترتيبات العامة، هي التي يطلق عليه "الدستور" أو "القانون السياسي" وحتى هذه فهي تحتاج إلى إعادة النظر والتغيير أو التعديل بين الحين والآخر في ضوء التجارب المعاشة. من ذلك أن أعرق الديمقراطيات في العالم ـ مثل فرنسا والولايات المتحدة ـ قد حددت فترة قصوى لا يتجاوزها رئيس الدولة، أي قمة السلطة التنفيذية، في منصبه. من ذلك أنه لا ينتخب مثلاً لأكثر من فترتين في الولايات المتحدة، مجموعهما معاً ثماني سنوات، وفي فرنسا أثنى عشر سنة أما عندنا في مصر، فقد تلاعب الرؤساء بهذا الشرط إلى الدرجة التي وصل فيها الأمر إلى ما يقرب من ربع قرن في حالة الرئيس حسني مبارك، جعلته أطول رئيس جمهورية في تاريخ مصر، وثالث أطول حكامها خلال خمسة آلاف سنة ـ بعد رمسيس الثاني، قبل الميلاد، وبعد محمد علي في بداية القرن التاسع عشر (1805 ـ 1864). لقد تجاوزت سنوات مبارك في السلطة عهود أربعة رؤساء  أمريكيين (ريجان، بوش الأب، كلينتون، وجورج بوش الابن)، أي أن الولايات المتحدة جددت شبابها أربع مرات على الأقل، بينما ظلت دماء القيادة المصرية على حالها، فركدت هذه الدماء، حتى فسدت وتيبست، ثم تحجرت. لا عجب إذن، أنهم يتقدمون، بينما تتأخر مصر المحروسة.

لذلك فإن أولوية الإصلاح السياسي، فيما بعد مبارك، هي تعديل الدستور في كل مواده الخاصة برئيس الجمهورية ـ سواء بطريقة اختياره، أو الحد الأقصى لشغله لمنصبه، أو صلاحياته، واختيار نوابه، أو كيفية محاسبته، وإقصائه من منصبه.

أما الأولوية التالية فهي استقلال القضاء، قولاً وفعلاً. ويعني ذلك وحدة وتكامل السلطة القضائية ـ من أدنى درجات التقاضي إلى قمته ـ ممثلاً بمحكمتي النقض والدستورية. وهو ما يعني إلغاء كل أنواع القضاء الموازي والدخيل ـ مثل محاكم الطوارئ وأمن الدولة. فالقضاء الطبيعي كفيل بتطبيق القانون وتحقيق العدالة، في محكامات علنية يشهدها المواطنون وأي مراقبون دوليون. فقد كان ذلك دأب القضاء المصري منذ دستور 1923، والذي أنشأ محكمة النقض. وتنطوي هذه الخطوة الإصلاحية في حد ذاتها على إلغاء حالة الطوارئ التي فُرضت على مصر والمصريين طوال ما يقرب من النصف قرن الماضي. ولم يؤد فرضها لا على منع التطرف والإرهاب، ولا على تقليص البلطجة والمخدرات. وكل ما فعلته حالة الطوارئ تضييق الخناق على الحريات العامة والمجتمع المدني. وهو ما لم يترك للمصريين من فضاء عام إلا المسجد (للمسلمين) والكنيسة (للمسيحيين) للتعبير عن المشكلات والهموم. ثم يتساءل بعض المسئولين بسذاجة أو غباء، لماذا ينمو التيار الإسلامي؟ ولماذا يلجأ شباب الأقباط إلى باحة الكاتدرائية المرقسية للاحتجاج والتعبير عن المظالم؟. إنكم يا متسلطين يا فراعنة، لم تتركوا للناس أي ساحة حرة يلتقون فيها، دون رقابة من مباحث أمن الدولة أو دون ترويع من قوات الأمن المركزي.

ويرتبط باستقلال القضاء وإنهاء حالة الطوارئ تفكيك أجهزة "الدولة البوليسية" أي تلك التي تحكمها أجهزة سرية لا تخضع للرقابة العامة. فمن، مثلاً، يحاسب أجهزة المباحث والمخابرات؟ فلا مجلس الشعب ولا القضاء ولا الرأي العام قادر على معرفة سلطاتها، أو ميزانياتها، أو قياداتها، أو أساليب عملها. فولاء هذه الأجهزة هو لشخص الحاكم وأسرته وأقاربه والمقربين منه. وأغلب الظن أن الحاكم بدوره، يُغرق هذه الأجهزة السرية بالامتيازات المادية والمعنوية، حتى يتكرّس ولاء قياداتها له هو وحده. فهو الذي يمنح ويمنع، ولا رقيب ولا حسيب غيره. وهؤلاء هم الذين يزينون للحاكم صورته، ويُخفون عنه وعن الناس قبح هذه الصورة، وقيادات هذه الأجهزة السرية هم الذين يتشبثون مع الحاكم بالسلطة ـ لا فقط للاحتفاظ بكل الامتيازات، ولكن أيضاً للتغطية على مفاسد الحاكم ومفاسدهم هم أنفسهم. فهم لا يضمنون من يأتي بعدهم، وما إذا كان سيفتح كل الملفات التي تكشف الممارسات والعورات. وخلاصة القول أن أحد ركائز الإصلاح الشامل في مصر المستقبل هو وضع نهاية واضحة وحاسمة "للدولة البوليسية"، التي لا يستطيع المواطن المصري فيها أن يمارس معظم حقوق المواطنة إلا بتصاريح من أحد أجهزة المباحث أو المخابرات العامة.

أما الركيزة الرابعة لتشييد بناء ديمقراطي حقيقي في مجتمع مفتوح فهي "الإعلام الحر"، وهو ما يستوجب تحرير هذا الإعلام من سيطرة وسطوة الدولة. فخلال الخمسين سنة الأخيرة أصبح الإعلام المصري في خدمة الدولة، وليس في خدمة "الحقيقة" أو خدمة قيادات الشعب المختلفة. وإعلام في خدمة دولة غير ديمقراطية، يعني ببساطة أنه في خدمة الحاكم الفرد، أي الحاكم المستبد، حيث تتصدر أخباره وأفراد أسرته وحاشيته نشرات الأنباء، وحيث يتسابق العاملون في هذا الإعلام إلى تملق المسئولين والتودد لهم والتقرب منهم. وبذلك يفقد الإعلام أهم وظائفه، وهو الحياد والدقة في نقل الأخبار والمعلومات للقارئ والمستمع والمشاهد. ولا يكفي لتحرير الإعلام أن تمنح أجهزة المباحث هذه بتواجد ما يسمى بصحف أو مجلات مستقله. بهذه تظل جميعاً أقزاماً متواضعة، إن لم تكن كيانات مشوهة، مقارنة بالإعلام المقروء الذي تملكه الدولة ـ مثل الأهرام والأخبار والجمهورية هذا فضلاً عن وسائل الإعلام الإلكترونية ـ أي الإذاعية والتلفزيونية التي تحتكرها الدولة المصرية. إن هذه السيطرة الرسمية الثالثة حتى بالمقارنة ببعض وسائل الإعلام العربية الأخرى ـ مثل صحف الحياة والنهار والراية، ومثل قنوات العربية والجزيرة واللبنانية، ناهيك عن الوسائل الأجنبية البريطانية والفرنسية والألمانية والأمريكية. وخلاصة القول هنا، هو أنه لا يمكن إرساء ديمقراطية حقيقية بدون وسائل إعلام حرة، يستطيع المواطن من خلالها أن يتابع الشأن العام، ويسهم في صياغته، أو على الأقل أن يكون له "رأياً" حوله، وأن يعبّر عن هذا الرأي، إن أراد ذلك. ولا يمنع تحرير الإعلام من سيطرة الدولة ألاّ يكون لها إعلامها الحكومي، ولكن تكون القاعدة هي الحرية في ملكية وسائل الإعلام للأفراد والأحزاب والجمعيات والشركات، أي أن العبرة في المجتمع الديمقراطي المفتوح هو "التعددية" و "الحرية" في التنظيم والتعبير عن الآراء والمصالح. ولا تحول هذه التعددية من وجود تقنين، يرعاه ويشرف عليه القضاء، وليس السلطة التنفيذية.

وأخيراً، وليس آخراً، يتطلب بناء مصر الديمقراطية نظاما تربوياً تعليمياً جديداً. فمن خلال التعليم والإعلام معاً تتم التنشئة الاجتماعية والسياسية للمواطن الصالح. ويمكن أن يقال في إصلاح التعليم المصري الشئ الكثير. ولكنا نكتفي هنا بالإشارة الموجزة لما يسمى إعداد المواطن لفهم وممارسة الديمقراطية. ويتطلب ذلك تنمية القدرات التحليلية والنقدية منذ مرحلة الطفولة. وذلك بتشجيع التلاميذ على إبداء آرائهم بشكل منظم، وعدم تحقير آراء الآخرين، وعلى جمع وتنظيم المعلومات قبل اتخاذ القرار، أو التصويت على أمور تهمهم في مقاعد الدراسة أو الملاعب. إن نظاماً تعليمياً حديثاً، على هذا النحو، هو الذي يُعد المواطن لا فقط لاختبارات عقلانية حرة في مجتمع ديمقراطي مفتوح، ولكن أيضاً للعمل المنتج التنافسي في عصر العولمة.

هذه هي القضايا الهامة أمام الرئاسة القادمة في مصر الديمقراطية. وحولها فليجتهد المتنافسون.

 

أفراح قطر الدستورية

د. سعد الدين ابراهيم

يونيو 2004

 لاحظنا خلال السنوات العشر الأخيرة أن قلب العالم العربى ودوله الكبيرة مثل مصر وسوريا والسعودية، كاد يتوقف عن الخفقان، فقد أمعن حكام هذه البلدان فى مقاومة أى تغيير، حتى بعد أن تغير العالم من حولهم شرقا وغرباوشمالا وجنوبا. وربما كانت هذه المقاومة للتغيير هى بسبب تصلب الشرايين السياسية الشافية للقيادات الحاكمة لهذه البلدان المركزية. عكس ذلك تماما لاحظناه فى أطراف الوطن العربي من المغرب إلى قطر. ومن المفارقات الجديرة بالاهتمام أن هذه الأطراف – رغم أنه تحكمها أسر ملكية – إلا أنها كانت الأكثر حركة، والأكثر انفتاحا، والأكثر حيوية.

من ذلك أن الملك محمد السادس فى المغرب قاد ثورة اجتماعية بإصدار قانون (مدونة) الأسرة الذى أعطى المرأة المغربية كامل حقوقها السياسية والمدنية أسوة بالرجال. أكثر من ذلك، حاول هذا الملك الشاب أن يداوي الجراح التي خلفتها سنوات الحكم الطويلة لوالده الملك الحسن الثانى، فأنشأ لجنة وطنية للمصالحة والإنصاف تكون مهمتها التحقيق فى كل مخالفات وانتهاكات حقوق الإنسان أثناء حكم والده الراحل، وتعويض من أضيروا ماديا ومعنويا عن هذا الضرر. وهذه بالمناسبة هى السنة التى كان قد اختطها الزعيم الأفريقى العظيم نيلسون مانديلا بانشائه لجنة الحقيقة والمصالحة أعقاب انتهاء الحكم العنصرى البغيض فى جنوب أفريقيا. كذلك استكمل الملك محمد السادس مسيرة الديمقراطية فى المغرب بتحويل نظام حكمه تدريجيا إلى ملكية دستورية.

وعلى أقصى الجانب الشرقى من الوطن العربى نجد انتفاضة اصلاحية مماثلة فى قطر والبحرين والكويت. ونركز فى هذا المقال على ما يحدث فى قطر.

قطر هى بحق تمثل سندريلا الخليج، فقد أصبح هذا البلد الصغير بسكانه الكبير بأحلامه نبراسا لكل المبادرات الخلاقة. فقد استضافت قطر قناة الجزيرة التى أحدثت ثورة فى الإعلام العربي وحررته من اللغة الرسمية العقيمة التي تقمع الرأى الآخر. وقد جابت شهرة قناة الجزيرة الآفاق فتردد ذكرها فى الأفلام الدرامية الأمريكية، وأصبحت موضوعا لمناهج الدراسات الاعلامية فى كبريات الجامعات الغربية، وأعطت فرصة لجيل متميز من الإعلاميين العرب لينبغ فى مجال الإعلام الحر، وأصبحت رائدة لهذه النوعية الجديدة من القنوات العربية الحرة المستقلة. لقد أعادت قناة الجزيرة إلى الفضاء السياسي والفكري العربي حرية كان يتشوق إليها ويحلم بها ملايين العرب من موريتانيا إلى البحرين. ومن خلال قناة الجزيرة أصبح المواطن العربى يعبر عن رأيه بلا خوف ولا وجل.

كذلك قامت دولة قطر من خلال المبادرات المستنيرة للشيخة موزة باستحداث شبكة من المعاهد والكليات والجامعات ومراكز البحث العلمى على أعلى مستوى. بل إن معاهد هذه الشبكة رغم حداثتها أصبحت هى الأفضل والأقوى فى الوطن العربى. ولم يكن ذلك مصادفة، بل كان جزءا من تخطيط محكم استطاعت به قطر أن تجذب أفضل العقول العالمية والعربية لتعمل فى هذه الشبكة من المعاهد والمراكز البحثية العلمية، ولم تتردد فى أن تطلب الدعم والمشورة من أرقى جامعات العالم فى كل مجالات المعرفة.

ولعل هذه الخطوات الإعلامية والعلمية والمعرفية التي قامت بها قطر كانت تمهيداً لثورة دستورية، ففى يونية عام 2004 استضاف الشيخ حمد آل ثانى، حاكم قطر، مؤتمرا حافلا للديمقراطيين العرب، وفى هذا المؤتمر أعلن نيته على أن تصدر قطر دستوراً جديداً ينقلها من نظام الحكم المشيخي التقليدى إلى إمارة دستورية حديثة؛ يتم فيها الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ويسود فيها حكم القانون ويشارك كل مواطنيها رجالاً ونساءاً فى إدارة الشأن العام وانتخاب ممثليهم فى السلطة التشريعية.

ولعل حاكم قطر الشيخ حمد يحرص بذلك على المشاركة الكاملة لمواطنيه فى السلطة والثورة، فمنذ عدة سنوات وهو يطرح مؤسسات الدولة التي تمتلكها- من ثروة النفط الخام فى قطر – إلى الاكتتاب العام باسعار رمزية، يهدف بذلك إشعار كل مواطن قطرى بأنه يملك جزءا من ثروة وتراث بلاده. وهذا الإحساس بالملكية هو الذى يضفي على الإحساس بالمواطنة أبعاداً مضمونية مكينة، فالمواطن القطري الذي يمتلك حصة من ثروة بلاده وتراثها يشعر فى أعماقه بالانتماء لبلده وأن الثروة ثروته والسلطة سلطته.

ولعل قطر بهذه السنة الحميدة تقود منطقة الخليج فى إرساء قواعد دولة الرفاهة دون ابتذال أو تحلل. وفى أكثر من مناسبة حاولت أن أعرف من حاكم البلاد الشيخ  حمد الفلسفة أو الحكمة التى تؤثر فى قراراته، فقال الرجل بين ما قاله: ان الله قد حبى قطر ثروة عظيمة وشعباً بسيطا طيبا، وإنه بفضل ما أحرزناه من تعليم حديث أصبح هذا الشعب مؤهلا لتقرير مصيره بكامل حريته، وأنه – أي الشيخ حمد – حريص على أن يكمل هذه المهمة الجليلة فى أقصر وقت ممكن. ولما راجعناه فى ما إذا كان يستعجل الأمور أكثر من جيرانه فى منطقة الخليج والعالم العربي كان الرجل يرد بأنه نحن العرب قد أضعنا نصف قرن على الأقل فى متاهات أيدلوجية ومعارك وهمية بينما يتقدم الآخرون جنوبا وشرقا - فى الهند والصين والهند الصينية وجنوب أفريقيا – ولا نقول شمالاً وغرباً، فماذا ننتظر؟

وفعلا .. ماذا ننتظر ؟؟

 

على هامش إعلان الدوحة

صدق وعده... فهل يصدق الآخرون

د.سعد الدين إبراهيم

يونيو 2005

 كتبت في مقال سابق أن خطاب أمير قطر، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في افتتاح مؤتمر "الديمقراطية والإصلاح السياسي في الوطن العربي"، كان مفاجأة سارة للمشاركين، وذلك لجرأته وصراحته وما انطوى عليه من طروحات متقدمة، بشأن الإصلاح والتحول الديمقراطي، والذي رأى فيه أنه حتمية، لا ينبغي للأنظمة العربية، أن تؤجل أو تراوغ بشأنها، سواء بحجة الإسلام أو فلسطين أو العراق. وتعجب المشاركون في المؤتمر يومها واليومين التاليين (3-5 يونية 2004) ما إذا كان أمير قطر يعني فعلاً ما قاله في كلمة الافتتاح، أم كما يقول الأخوة السودانيون أنه "كلام ساكت"، أي غير جاد وغير صادق!

ولكن حاكم قطر فاجأ المشاركون، بعد ثلاثة أيام من مؤتمرهم، بإعلانه عن دستور جديد لشعبه ودولته ومن شأن هذا الدستور الجديد، أن يقفز بقطر خطوة عملاقة، تجعل منها، "ملكية دستورية"، أي يملك فيها الأمير، ولكن معظم السلطتين التشريعية والتنفيذية تكون في أيدي نواب منتخبين انتخاباً شعبياً مباشراً. أي أن أمير قطر ضرب المثل بنفسه، وكان بذلك في طليعة الحكام العرب المستعدين للإصلاح، والذين لا يخافون من الديمقراطية، ولا يتوجسون من شعوبهم. وهو بهذا لا يتجاوب مع رغبات شعبه، بل يستبق هذه الرغبات. ولعل الإلحاح على دور متساو للمرأة في هذا التحول الديمقراطي هو نموذج لأهمية التكامل بين "الاجتماعي" و "السياسي". كذلك هو رسالة مزدوجة لكل من الجارتين الخليجيتين: الكويت والسعودية.

فرغم أن الكويت كانت هي البلد الرائد في الديمقراطية السياسية في منطقة الخليج، إلا أن تكلس العناصر "الإسلاموية" في مجلسها النيابي، حجر على التقدم في منح المرأة الكويتية حقوق المواطنة. هذا رغم أن المرأة الكويتية، قبل الرجل الكويتي، كانت الأكثر صموداً وتفانياً في الدفاع عن الكويت في وجه الغزو "الصدامي" للكويت (1990-1991)، ولكن هاهي العناصر الأشد تخلفاً في الكويت تعطي الإسلام سمعة سيئة بتمترسها ضد حقوق المواطنة الكاملة للمرأة الكويتية.

كذلك فإن الخطوة المقدامة التي ينطوي عليها الدستور الجديد في دولة قطر، هو رسالة ضمنية للأشقاء في السعودية، حيث أن حقوق المواطنة هناك متعثرة للرجال والنساء على حد سواء، ولكنها تكاد تكون معدومة تماماً بالنسبة للنساء السعوديات. وضمن الأعذار التي يتخفى ورائها أعداء التحول الديمقراطي في السعودية هو أن مجتمعهم هو الأشد محافظة في الجزيرة العربية، بسبب المذهب الوهابي المتشدد، وهو المذهب السائد بين أغلبية سكانها. ولعل ما لا يعرفه الكثيرون هو أن اغلبية السكان في قطر هم أيضاُ من أتباع نفس المذهب الوهابي. ولكن ما برهن عليه الشيخ حمد بن خليفة ، وشريكته في التطوير وهي الشيخة موزة بنت مساعد بن مسند، هو أنه إذا صدقت النوايا، وهمّت العزائم، وضرب القادة المثل فإن الشعوب تستجيب، برجالها ونساءها.

ولعل ما طالعتنا به وسائل الإعلام العربية عن اللقاء الوطني الثالث في السعودية، والذي يعقد بالمدنية المنورة هذه الأيام، يكون فاتحة خير للمرأة السعودية بعد طول تجاهل ومعاناة. فقد صرّح الشيخ صالح بن عبد الرحمن الحصين، رئيس اللقاء، الذي ينعقد تحت عنوان "المرأة... حقوقها وواجباتها، وعلاقة التعليم بذلك"، أن نساء سعوديات تشاركن في هذا اللقاء، الذي اقتصرت دورتيه السابقتين على الرجال. وكما جاء في القول المأثور "إن أول الغيث قطر".

إن أهمية قضية المرأة في أي تحول سياسي حقيقي تنبع من محوريتها في أي تنمية حقيقية. فهي ليست فقط نصف المجتمع، ولكنها النصف الأهم. ويمكن قياس نهضة المجتمعات بما حققته المرأة نفسها من تطور في كل المجالات. فهي الأم، والزوجة، والشقيقة، والابنة، والحبيبة ولم يكن الشاعر حافظ إبراهيم مبالغاً، حينما صدح ببيته الأشهر:

               الأم مدرسة، إذا أعدتها            أعدت شعباً طيب الأعراق

هذا فضلاً عن أن المرأة الخليجية خصوصاً، كانت هي عماد مجتمعها قبل الحقبة النفطية. فكما هو معروف كان رجال الخليج، يتغيبون في رحلات الصيد البحرية الدورية الطويلة، لعدة شهور متتالية، تاركين أمور تربية الأبناء، وإدارة الشئون الأسرية للأمهات والزوجات والأبنات. وحافظت نساء الخليج على تماسك واستمرارية مجتمعاتهن لقرون طويلة. ولم ينقلب الحال على نساء الخليج إلا مع الثروة النفطية، التي تحكّم فيها الرجال. فأقلعوا عن الصيد البحري وتجارة المسافات الطويلة. وأعتقد الرجال أنه بإغراق النساء بالاستهلاك الترفي، فإنهم يعوضونهن عن شظف العيش فيما سبق، وينوبون عنهن في أمور الحياة فيما لحق.

ولكن على رجال الخليج، سواء كانوا حكاماً في قمة السلطة أو نواباً في البرلمان، أن يعلموا إن المرأة الخليجية تسعى، وبحق إلى ندية كاملة في شئون المجتمع والدولة. وهي جديرة بذلك. فعلى أصحاب الأمر في السعودية وعلى الأخوة النواب في مجلس الأمة الكويتي، أن يقتفوا سيرة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حاكم قطر في منح المرأة حقوقها كاملة. وليس هناك ما يخافون منه إلا الخوف نفسه.

أما بقية حكام الأمة العربية المذعورين من الديمقراطية، فلعلهم يستيقظون، ويدركون أنهم بترددهم أو مقاومتهم للتغيير فهم لا يحاربون شعوبهم فقط ولكنهم يقفون في وجه العالم والتاريخ. فإذا ظلوا متشبثين بسلطاتهم المطلقة، فلا بد أن تقتلعهم موجات الغضب الشعبي وعواصف التاريخ ولعنات العالم. وليكن لهم في صدام حسين نذيرا، وليكن لهم في أمير قطر بشيرا. لقد صدق الشيخ حمد وعده، فهل يصدق الآخرون.

الخائفون من الديمقراطية في الوطن العربي

د. سعد الدين ابراهيم

فبراير 2005

 شهد الشهر الأول من عام 2005 انتخابات رئاسية في فلسطين، وأخري برلمانية في العراق. وهما بلدان عربيان تحت الاحتلال الإسرائيلي والانجلو-أمريكي علي التوالي. وليست الانتخابات في ظل أي احتلال أمرا مرغوبا أو معتادا، ولكنه قد يكون أمرا مطلوبا أحيانا، وخاصة إذا كان ينطوي علي ضرورة أو علي شرط لإنهاء هذا الاحتلال واستكمال السيادة والوطنية – مثلما هو الحال في فلسطين والعراق. وقد حدث ذلك في مصر نفسها في ظل الاحتلال الإنجليزي،  والانتخابات التي تمت طبقا لأهم دساتير مصر الحديثة علي الإطلاق، وهو دستور 1922، والتي فاز فيها حزب "الوفد"، بزعامة سعد زغلول. وحدث ذلك في الهند،  حيث أتت الانتخابات بحزب "المؤتمر"، بقيادة المهاتما غاندي عام 1947.  وكان هذان البلدان العريقان تحت الاحتلال البريطاني في ذلك الوقت. كما حدث نفس الشيء في بلدان أخري عريقة مثل اليابان وألمانيا والنمسا وإيطاليا – بعد احتلالها نتيجة انهزامها في الحرب العالمية الثانية (1939-1945). وقد تعرضنا في مقالات سابقة لظاهرة الانتخابات في ظل الاحتلال الأجنبي، وتحديدا في كل من فلسطين والعراق.

ولكننا في هذا المقال نتعرض لتحليل ومناقشة أولئك الذين يرفضوا الانتخابات بذريعة أنها لا يمكن أن تتم في ظل الاحتلال،  بينما هم في حقيقة الأمر لا يريدون مثل هذه الانتخابات،  إما لانهم لا يؤمنون أصلا بالديمقراطية، ويفضلون عليها أشكالا أخري من صور الحكم – مثل الفاشية والسلطة الشمولية أو لانهم يدركون احتمال الخسارة في هذه الانتخابات.  ولان الديمقراطية أصبحت نمط الحكم الأكثر قبولا بين شعوب العالم خلال القرن الأخير، فقد أصبح متعثرا علي أعداء الديمقراطية أن يجاهروا بهذا العداء ولذلك رأيناهم في الحالتين الفلسطينية والعراقية يلجأون إلى وسائل أخري لإجهاض أي محاولة في هذا الصدد. من ذلك استخدام الفتاوى الدينية، أو اللجوء للعنف أو الوعيد والتهديد به. ومن ذلك مثلا، صدور فتوى من مفتي القدس، المتعاطف مع تنظيم "حماس" و"الجهاد" بمقاطعة الانتخابات الرئاسية في فلسطين. والغريب انه لم تصدر مثل هذه الفتوى في الانتخابات الرئاسية السابقة – عام 1996 – والتي جاءت بياسر عرفات إلى قمة السلطة الفلسطينية. كما أن نفس المفتي لم يصدر مثل هذه الفتوى لمقاطعة الانتخابات المحلية لانتخاب أعضاء المجالس البلدية في قطاع عزة،  والتي تمت في أواخر نفس شهر يناير، والتي كانت متوقعا طبقا لاستقصاءات الرأي العام أن تفوز فيها حركة "حماس".

وليس التلاعب "بالفتاوي الدينية" لأغراض "سياسية دنيوية" وقفا علي الفلسطينيين، فها هم هيئة علماء المسلمين في العراق يصدرون فتاوي مماثلة بمقاطعة الانتخابات العراقية لاختيار أعضاء الجمعية التشريعية التي ستضع دستورا جديدا للعراق. وهذه الهيئة هي المرجعية الدينية للعراقيين العرب السنة. بينما أصدر آية الله العظمي علي السيستاني أعلي مرجعية دينية للعراقيين العرب الشيعة فتوى مضادة، تحض كل مسلمي العراق علي المشاركة في الانتخابات كواجب وطني وكفريضة دينية. أما مفتي كردستان العراق فقد نأي بنفسه عن الخوض في هذا الأمر، ربما لان الأحزاب الكردية الرئيسية (الديمقراطي الكردستاني  والاتحاد الوطني) تملأ الفضاء السياسي الكردي وتتحمس للانتخابات القادمة لكل العراق. أي أن الدعوة لمقاطعة الانتخابات في العراق صدرت أساسا من مرجعيات دينية ودنيوية "عربية سنية" كما أن استخدام العنف ضد القائمين علي إجراء الانتخابات وعلي مراكز الاقتراع وتهديد المواطنين الذين يشاركون قد صدرت جميعا من متحدثين باسم العراقيين العرب السنة،  أو باسم رموز عربية سنية أخري من خارج العراق – مثل أسامة بن لادن وأبو مصعب الزرقاوي.

وهكذا يبدو أن الأمر في النهاية هو صراع من أجل السلطة وهو صراع سياسي دنيوي، ولكن تستخدم فيه كل الأسلحة – الآليات الدينية والطائفية والعرقية (الاثنية) واللغوية. وفي هذا الصراع فان من يعتقدون انهم يمثلون الأغلبية بين السكان يرحبون بالديمقراطية،  ومن ثم بالانتخابات كآلية لوصول هذه الأغلبية للسلطة. ومن هنا في حالة فلسطين سعت منظمة "فتح" ورحبت بالديمقراطية والانتخابات في عموم فلسطين، ورفضتها أو تحفظت عليها كل من حركتي "حماس" و "الجهاد"، وهما اللتان تزعمتا الدعوة لمقاطعة الانتخابات الرئاسية،  التي لم يكن لدي أي منهما فرصة الفوز بها. وقد اختلف الوضع بالنسبة للانتخابات المحلية لمجالس البلديات في قطاع غزة، فقد خاضتها حركة "حماس" ، علي النحو الذي ذكرناه بالفعل في فقرة سابقة أعلاه.

 فهل يعني ذلك أن كل من لا يشعر انه سيفوز بالانتخابات من واجبه أن يقاطعها وأن يناهض الديمقراطية ؟ الإجابة، هي بالقطع "لا" فالديمقراطية هي أكثر من الانتخابات، فان الديمقراطية تعني مجموعة من الحريات والحقوق والممارسة لكل المواطنين علي حد سواء،  "أغلبية" كانوا أو "أقلية" – ومن حقهم مراقبة ومحاسبة الأغلبية التي تحكم بواسطة الأقلية في المعارضة. ومن ذلك أيضا حق الأقلية في الاس