فقه الجملوكيات العربية نهاية للإشاعة وليس نهاية للقلق
سعد الدين إبراهيم
يناير 2004
كنا
قد كتبنا منذ أربع سنوات سلسلة من المقالات، نُشر بعضها في صحيفة
الحياة، وبعضها في مجلة المجلة، حول أنظمة الحكم الملكية وأنظمة
الحكم العربية، وكيف تعامل كل منها مع إدارة التغيير، والإصلاح
السياسي. وقد تزامنت هذه السلسلة مع رحيل العاهلين المغربي الحسن
الثاني، والأردني الحسين بن طلال. وكان الجديد في تلك المقالات
محاولة تفسير مشهدي رحيل الملكين، حيث ودعتهما جماهير غفيرة، تفجرت
فيها ومنها تعبيرات أحزان تلقائية، من الصعب اصطناعها أو حشدها
لأغراض دعائية. وكان مما ذكرناه في هذا الصدد هو إنه رغم المسيرة
المختلطة للملكين، حيث كانت في معظمها معادية أو مستفزة للقوي
الشعبية في بلديهما، إلا أن السنوات العشر الأخيرة شهدت مبادرات
حقيقية للمصالحة الوطنية، وللتحول الديمقراطي. وإنه علي ما يبدو كانت
هذه الخاتمة هي التي علقت وتعمقت في وجدان الجماهير المغربية
والأردنية.
قارنت بين حالتي
المغرب والأردن من ناحية وحالة خمس جمهوريات عربية من ناحية أخري،
وكيف أن الأنظمة الحاكمة لهذه الجمهوريات قد عشعشت في السلطة لحوالي
ثلاثين عاماً، وأن مسيرتها كانت عكس مسيرة الملكين المغربي والأردني
تماماً. فقد بدأت أنظمة تلك الجمهوريات بدايات "ثورية" وأعدت بإنجاز
كل الأحلام التاريخية للأمة: الوحدة العربية، وتحرير فلسطين، والحفاظ
علي الاستقلال الوطني، والعدالة الاجتماعية، والتقدم الاقتصادي،
والأصالة الحضارية. ولكن كلما طال الأجل بهؤلاء الرؤساء الجمهوريين
في قمة السلطة، كلما تعاظم استبدادهم، واستشري فسادهم، وجلبوا الخراب
علي بلادهم. وأكثر من ذلك كلما بدأ كل منهم في إعداد أحد أبنائه
لوراثته في الحكم. لم يكن بشار الأسد، قد خلف أباه حافظ الأسد بعد.
ولكن لم يكن خافياً إنه قادم. ومن هنا استحدثنا مصطلحاً جديداً، لا
سابق للغة العربية أو أي لغة أخري عهد به، وهو مصطلح "الجملوكية" أي
نصف "جمهورية" ونصف "ملكية".
وكان آخر مقالات
السلسلة، والذي نُشر في مجلة المجلة في صيف 2000، هو "الجملوكيات
العربية: مساهمة العرب لعلم السياسة في القرن الحادي والعشرين". وكان
هذا المقال هو آخر ما كتبته، حيث ألقي القبض عليّ وعلي زملائي من
مركز ابن خلدون بعد نشره مباشرة. ثم محاكمتي، ودخولي السجن خلال
السنوات الثلاث التالية. وربما كان تسلسل هذه الوقائع كلها مجرد صدفة
بحتة.
ولكن الذي أثار الشجون
والذكريات هو تصريح الرئيس المصري محمد حسني مبارك يوم الخميس
1/1/2004، والذي نشرته جميع الصحف اليومية المصرية بعناوين بارزة في
أعلي صفحاتها الأولي، وهو "إنه لا توريث للحكم في مصر". وضمن ما قاله
الرئيس مبارك في هذا الصدد أن مصر تتبع النظام الجمهوري، حيث لا
توريث للحكم، حتي لو حدث ذلك في بلدان عربية أخري! ذكر الرئيس أن قصة
توريث الحكم في مصر كانت "إشاعة أطلقها أحد الأشخاص الذي ذهب إلي
المحكمة فيما بعد، وصدقها الناس...". وقد سألني كثيرون منذ ذلك الحين
عما إذا كنت أنا هذا الشخص الذي أشار له الرئيس. وحيث أنني لم أكن
متأكداً، فقد كانت إجابتي هي "الله أعلم بمن قصده الرئيس".
وبعيداً عن هذه القصة،
سألني العديد من الصحفيين العرب والأجانب عن مغزي تصريح الرئيس،
وتوقيته، وإخراجه بهذا الشكل الدرامي، وماذا بعد ؟ وفيما يلي فحوي
إجاباتي:
أولاً، حسناً ما فعله
الرئيس، حيث قطع الشك باليقين، علي الأقل إلي إشعار آخر.
ثانياً، رحّبت مثل
غيري من المصريين بتصريح الرئيس الذي وضع حداً للإشاعات التي كانت
تملأ مصر حول هذا الموضوع طوال السنوات الأربع الأخيرة، والتي تضاعفت
بعد تعيين السيد جمال مبارك، نجل الرئيس، في موقع هام بالحزب الوطني،
وهو رئاسة لجنة السياسات، منذ عامين. ثم تضاعفت الإشاعات بوتيرة أسرع
بعد الإغماءة التي ألمت بالرئيس، أثناء افتتاحه للدورة الأخيرة
لمجلسي الشعب والشوري في 19 نوفمبر 2003.
ثالثاً، وضعت تصريحات
الرئيس حول رفض توريث السلطة حداً للإشاعات حول هذه المسألة تحديداً،
ولكنها لم تضع حداً للقلق الذي يساور المصريين علي مستقبل بلدهم. ولم
يشف غليلهم في الماضي ولا يُقلل من قلقهم في الحاضر، ما يردده الرئيس
من أنه لم يعين نائباً له طوال الثلاثة وعشرين عاماً الماضية، لأنه
لا يريد أن يفرض الرئيس التالي علي المصريين! طبعاً يمكن للرئيس أن
يُعين نائبين أو أكثر، ويترك لمجلس الشعب، أو للشعب نفسه أن يختار من
بينهم.
ربما هناك بعض الحكمة
فيما يذهب إليه الرئيس. ولكن الحكمة كاملة هو أن يشارك المصريون
أنفسهم في تقرير هذا الأمر.
وقد أجمعت القوي
السياسية، خارج الحزب الوطني، الذي لا نعرف له رأياً مستقلاً عن
الرئيس، علي أن الحكمة هي في تعديل الدستور، وخاصة في مواده الخاصة
باختيار رئيس الجمهورية، ومدة شغله لهذا المنصب، والسلطات المخولة
له.
- والإجماع الوطني،
كما قرأناه مؤخراً، هو أن يكون الاختيار "تنافسياً"، بين أكثر من
مرشح، وليس "استفتائياً" لمرشح واحد، مهما كان كماله، فالكمال لله
وحده.
- والاجماع الوطني، هو
أن يكون شغل منصب رئيس الجمهورية هو لمدة واحدة، مدتها ست سنوات، كما
في المكسيك، أو أقصاها مدتين متتاليتين كل منهما أربع سنوات، أي ما
أقصاه ثماني سنوات، كما في معظم الجمهوريات الديمقراطية.
- والإجماع الوطني، هو
الحد من سلطات رئيس الجمهورية، التي توجد في الدستور الحالي بشكل
مطلق، ودون آليات لمحاسبته أو إقالته من منصبه. وهي سلطات لا يتمتع
بها أي رئيس جمهورية آخر، في العالم. والفقه الدستوري في هذا الصدد
يوازن بين السلطات، بحيث تسهل المراقبة والمحاسبة. أما عندنا، فإلي
تاريخه لا يوجد رقيب أو حسيب.
- والإجماع الوطني، هو
أن الإصلاح الدستوري المشار إلي أهم بنوده أعلاه، لا يستقيم بدون
إصلاح سياسي أشمل، يتضمن إلغاء قوانين الطواريء وإطلاق حرية تكوين
الجمعيات، وإنشاء الأحزاب، والكف عن تدخل السلطة التنفيذية في شئون
النقابات المهنية.
- والإجماع الوطني، هو
أن يستعيد القضاء المصري وحدته واستقلاله، وهو ما يعني إلغاء كل
أنواع القضاء الموازي والاستثنائي مثل محاكم أمن الدولة والعيب
والمدعي الاشتراكي وما علي شاكلته.
- وأخيراً فإن الإجماع
الوطني هو أن يستعيد الإعلام في مصر استقلاله وحريته، بعد أن تخلف
كثيراً، لا فقط مقارنة بالإعلام العالمي والغربي، ولكن مقارنة أيضاً
بالإعلام العربي. ولا يتأتي ذلك إلا بإطلاق حرية إنشاء الصحف
والإذاعات والتليفزيونات الخاصة.
فقول في النهاية حسناً
فعل الرئيس مبارك بحسم قضية التوريث، ولكن هذه خطوة واحدة، تزيل
اللغط ولكنها لا تزيل القلق. إن الذي يزيل القلق حقاً فهو الإصلاح
السياسي والدستوري علي النحو الذي ذكرناه أعلاه. وهذا وحده هو الذي
يجعل التغيير بأيدينا، لا بأيدي زيد أو عمرو!
إن العالم من حول مصر
والوطن العربي، لا فقط يخطو أو يعدو ولكنه ينطلق كالصاروخ نحو
المستقبل، بينما نحن في مصر والوطن العربي أشبه بمن يتثاءب وهو يحاول
فك عقال البعير، ناهيك عن ركوبه ومعرفة الجهة التي يتحرك صوبها.
ماذا عن حالة الملكيات العربية
سعد الدين إبراهيم
مايو 2004
أثار
مقالي عن الحالة القطرية أسئلة عديدة توالت علي بالبريد الالكتروني؛
وكان بعضها من أصدقاء وزملاء ورفاق قدامي، ودارت حول مغزي المقال؛ أو
بتعبير أدق ماذا وراء المقال؟ وحاول بعضهم تذكيري بمرحلة الصبا
والشباب، أيام كنت ثورياً، يسارياً، ناصرياً، وخاصة في سنوات قيادتي
للطلبة المصريين، ثم للطلبة العرب بالولايات المتحدة وكندا في عقد
الستينيات من القرن الماضي. ففي تلك المرحلة كنت ومعظم أبناء جيلي
نناصب الملوك العرب العداء ؛ ونتهمهم بالرجعية. ونهتف بسقوطهم؛
ونحتفل حينما يسقط أحدهم. وكان السؤال المتكرر في رسائل الرفاق
والزملاء هو ما إذا كنت قد فقدت ثوريتي؛ وكيف أقول كلاماً طيباً في
حق أي أمير أو ملك عربي في مطلع القرن الحادي والعشرين؟ ولم تغضبني
أو تحزنني هذه التساؤلات. بل وأعتبرتها جميعاً أسئلة مشروعة، وتستحق
الإجابة عليها من جانبي، والتحاور حولها من المفكرين والباحثين
العرب. وها هي إجابتي، وربما إسهامي في الحوار المرتقب.
أولاً: حينما كنا نهاجم
الملوك والأمراء والسلاطين العرب في الستينيات ونتهمهم بالرجعية ،
فقد كانوا بالفعل رجعيين، أو هكذا بدا لنا الأمر في ذلك الزمان،
وخاصة إذا قورنوا بالأنظمة الثورية العربية المعاصرة لهم. فقد أعلنت
هذه الأخيرة عداءها للاستعمار والصهيونية في الخارج، وللإقطاع
والرأسمالية والاستبداد والفساد في الداخل. وهو ما لم يفعله الأمراء
والملوك العرب وقتها، لا بالأقوال ولا بالأفعال، كذلك لم يقم هؤلاء
الملوك والأمراء بتغييرات أو إصلاحات اجتماعية، مثل تلك التي شهدتها
الجمهوريات العربية في ذلك الوقت.. كالإصلاح الزراعي والحد من
الرأسمالية المستغلة أو الاقطاع، أو تأميم الشركات الأجنبية. من ذلك
أن الثورة المصرية حددت الملكيات الزراعية، وأممت شركة قناة السويس
الإنجليزية - الفرنسية. وفعلت الثورة العراقية 1958 نفس الشيء، وأممت
شركة النفط العراقية الإنجليزية . كذلك تخلصت هذه الجمهوريات الثورية
من القواعد الأجنبية علي أراضيها، واستكملت بذلك استقلالها. ولم تفعل
ذلك الأنظمة الملكية هذا، وبادرت الأنظمة الثورية لبرامج تنمية
طموحة، وأخذت بالتخطيط المركزي، وحاولت إقامة صناعات ثقيلة- مثل
الحديد والصلب، والسلاح، والصواريخ، وألهب ذلك خيالنا في ذلك الوقت،
وهو ما لم تفعله أو تحاوله البلدان العربية ذات الأنظمة الملكية أو
الأميرية.. وباختصار، كان حماسنا للأنظمة الثورية وعداؤنا للأنظمة
الملكية مبرراً، وبدا منطقياً. ودعم من ذلك أن العالم كله كان يعيش
عصراً ثورياً، وكانت حروب التحرير الوطنية مشتعلة الأوار- في الهند
الصينية، والجزائر وكوبا، وأنجولا وموزمبيق. كما كانت الولايات
المتحدة نفسها تموج بحركات الاحتجاج- سواء من أجل الحقوق المدنية
للزنوج، أو ضد الحرب في فيتنام، أو من أجل حماية البيئة. وكنت وجيلي
من الطلبة العرب الذين كانوا يدرسون في الولايات المتحدة في ذلك
الوقت جزءاً لا يتجزأ من هذا المشهد. فإلي جانب قضايانا العربية التي
أنشغلنا بها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وقضية الوحدة العربية،
فقد شاركنا زملاءنا من الشباب الأمريكي حركاتهم الاحتجاجية ضد
حكومتهم. وكذلك فعل الطلبة العرب في أوروبا.
ثانياً: لم تكن قضية
الديمقراطية مطروحة علينا بإلحاح في الستينيات. بل وكنا نتشكك في
نوايا من يطرحونها، معتبرين ذلك تضليلاً وتزييفاً للوعي ، وشغلنا
بحريات برجوازية علي حساب الأولويات القومية والاجتماعية الأكثر
أهمية وحيوية للحاضر والمستقبل. وتقبل جيلنا الطرح الناصري
والماركسي، الذي جعل من المسألة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية
والتحرر الوطني أولويات أكثر إلحاحاً، حيث هي تلبية لمطالب الأغلبية
الشعبية، صاحبة المصلحة في التغيير، بينما الديمقراطية فقد كانت
تعتبر بذخاً برجوازياً لخدمة مصالح من يملكون الثروة، ويريدون من
خلال الديمقراطية أن يحتكرون السلطة.
ثالثاً: جاءت هزيمة
يونية ،1967 التي منيت بها الأنظمة الثورية علي يد إسرائيل لتعيد
الوعي إلي بعض أبناء جيلي، وأنا منهم. فقد كانت الأنظمة الثورية قد
جاءت إلي السلطة في أواخر الأربعينيات وخلال الخمسينيات، كرد فعل
للهزيمة العربية الأولي في فلسطين عام 1948. وكانت البيانات الأولي
للانقلابات العسكرية في سوريا 1949 ، ومصر 1952 ، والعراق 1958
والسودان 1958 ، واليمن 1962 ، وليبيا 1969 تبرر نفسها أنها جاءت
لغسل عار الهزيمة وتحرير فلسطين، وتحقيق الوحدة العربية. وأنهم الذين
قاموا بهذه الانقلابات من الضباط، اتهموا الحكومات المدنية المنتخبة
بالفساد والخيانة، وبأنها السبب في وقوع هزيمة 1948.
وهكذا تصورت الجماهير
العربية، ونحن ضمنها، أن تلك الأنظمة، التي غيرت صفتها من انقلابات
إلي ثورات هي التي ستحرر في فلسطين. وفي سبيل هذا الهدف النبيل، قبلت
الجماهير العربية، ونحن ضمنها، التضحية بالديمقراطية وحقوق الإنسان.
فلما وقعت هزيمة1967 وكانت أكثر فداحة وهولاً من هزيمة ،1948 بدأ بعض
أبناء جيلي، وخاصة ممن كانوا في الخارج، يكتشفون الخدعة الكبري التي
أوقعتنا فيها الأنشطة المسماة بالثورية . وبدأ بعضنا يعيد النظر في
المقايضة التاريخية التي كنا قد أرتضيناها في الخمسينيات- أي التضحية
بالديمقراطية في سبيل فلسطين. فقد اتضح لنا أن الأنظمة العربية
الليبرالية المنتخبة كان أداؤها في حرب ،1948 رغم الهزيمة، أفضل من
الأنظمة العسكرية الانقلابية للثورية من ذلك، مثلاً، أن جيوش الأنظمة
الليبرالية التي خاضت حرب ،1948 قد صمدت في تلك الحرب لمدة ثمانية
شهور مايو 1948 إلي فبراير 1949 ، بينما لم تصمد الأنظمة الثورية
الليبرالية التي خاضت حرب 1967 سوي ستة أيام، وأن الأولي لم تخسر
أياً من أراضيها، رغم الهزيمة، بينما خسرت الثانية أجزاء شاسعة من
ترابها الوطني للعدو الإسرائيلي. ومن هنا بدأ بعضنا، وأنا منهم، يقلع
عن الحكم علي الأنظمة العربية بما تدعيه عن نفسها أو لنفسها. وبدلاً
من ذلك بدأنا نحكم عليها بسلوكها الفعلي، وأدائها العملي علي أرض
الواقع، دون اعتبار لشكل الحكم، سواء كان ملكياً، سلطانياً، أميرياً،
أو جمهورياً أو جماهيرياً.
رابعاً: بناء علي ذلك،
لاحظنا أن معظم البلدان العربية ذات الأنظمة الملكية- السلطانية-
الأميرية كان أداؤها أفضل بكثير في السنوات العشر الأخيرة من البلدان
ذات الأنظمة الجمهورية الثورية. ومن هنا لم تكن الحالة القطرية هي
الوحيدة التي كان أداؤها متميزاً في الآونة الأخيرة. صحيح ان الحالة
القطرية هي الأكثر إبهاراً- ربما لأنني لمستها مباشرة وتحدثت
للمسؤولين عنها. ولكن ها هي لمحات خاطفة مما حدث ويحدث من المحيط إلي
الخليج.
1- في المغرب الأقصي
يقود الملك الشاب محمد السادس ثورة اجتماعية صامتة، إلي جانب
استمراره في رعاية ودعم التحول نحو الديمقراطية من ذلك أنه وضع أمام
البرلمان في نوفمبر 2003 مشروع قانون للأسرة، يعطي المرأة المغربية
حقوقاً متساوية في كل ما يتعلق بالشؤون الأسرية من زواج، وطلاق،
وحضانة للأطفال. ومن ذلك أيضاً، أنه اعتمد بمرسوم ملكي إنشاء لجنة
للحق والإنصاف تقوم بتقصي الحقائق في كل قضايا حقوق الإنسان، وما
انطوت عليه من مخالفات وانتهاكات، خلال الأربعين عاماً السابقة- أي
طوال فترة حكم والده، الملك الحسن الثاني، وذلك للاعتذار لضحايا هذه
الانتهاكات، وتعويضهم مدنياً ومالياً، وعقاب من ارتكب هذه الانتهاكات
إذا كان ما زال علي قيد الحياة.
2- في البحرين، في أدني
الطرف الشرقي المقابل للوطن العربي، قام ملك البحرين الملك حمد بن
عيسي آل خليفة بتحويل نظام الحكم من الإمارة المطلقة إلي ملكية
دستورية، وتم بالفعل إقرار دستور جديد، تم استفتاء للشعب عليه، ويمنح
المرأة البحرينية حقوقها السياسية كاملة، وبناء عليه تمت الانتخابات
النيابية، وافتتاح البرلمان الجديد، عام 2003. وكانت الحياة النيابية
في البحرين قد عطلت منذ سبعينيات القرن الماضي. ورغم أن المعارضة
البحرينية ما زالت تطالب بالمزيد، إلا أن الشاهد، هو أن الخطوات التي
اتخذت إلي تاريخه قد هدأت الخواطر، ووضعت حداً للعنف الطائفي الذي
كانت البحرين قد شهدته في أواخر تسعينيات القرن الماضي.
3- وفي عُمان ومسقط، في
أقًصي الأطراف الجنوبية للوطن العربي، استمر السلطان قابوس في
إصلاحاته السياسية والاجتماعية، التي بدأها منذ عقدين، وقد أصبحت
مجالس الشوري علي مستوي المحافظات، ثم علي مستوي عُمان كلها تتم
عضويتها بالانتخاب الحر المباشر. وتبوأت المرأة العُمانية مواقع
ملحوظة في هذه المجالس.
4- وفي الأردن، استمر
ملك شاب آخر، هو عبدالله الثاني، في قيادة مسيرة الإصلاحات السياسية
والاقتصادية والتربوية بحماس ملحوظ. وتساعده في كل ذلك الملكة رانيا،
ذات الثقافة الرفيعة والتعليم الحديث.
أما السعودية والإمارات
فما يزال التحول الديمقراطي وعداً أكثر منه حقيقة، وإن كانت الضغوط
السلمية الداخلية والخارجية مستمرة من أجل هذا التحول. وقد وجه أي
أحد من كتبوا الرسائل هما هو تفسيري لهذه الظاهرة الجديدة التي تبدو
فيها الأنظمة الملكية أكثر إقبالاً وجرأة على الإصلاح. وكان تخميني
هو أن معظم القائمين عليها هم من الشباب، وأنهم تلقوا قسطاً وافراً
من تعليمهم في بلدان ديمقراطية ـ مثل فرنسا، وبريطانيا، والولايات
المتحدة. ومن ثم فهم أكثر انفتاحاً وإدراكاً لمتطلبات القرن الحادي
والعشرين، وأكثر استجابة وتكيفاً مع المتغيرات الداخلية والخارجية.
فلعل وعسي أن ينفخ الله سبحانه وتعالي من روحه في رؤساء الجمهوريات،
التي كانت ثورية وأصابها الجمود، أن تتحرك قبل فوات الأوان.
ولا حول ولا قوة إلا
بالله!
العسكريون والتحول الديمقراطي
د. سعد الدين إبراهيم
اكتوبر 2004
نظم
المعهد الإيطالي للشئون الدولية مؤتمراً في روما، يومي 9،8 أكتوبر،
حول نظرة دول شاطئ الأطلنطي لمبادرة الشرق الأوسط الكبير، التي
تبنتها قمة الثمانية الكبار في أتلانتا في يونيو 2004، وتم إقرارها
فيما بعد في اجتماع دول حلف الأطلنطي في استانبول، ثم في الاتحاد
الأوربي. وهكذا أصبحت تلك المبادرة هي السياسة المعتمدة من أقوى
وأغنى دول العالم في بلدان الوطن العربي والشرق الأوسط.
وقد شارك في المؤتمر
عرب وإسرائيليون وأوربيون وأمريكيون، وأكاديميون، ودبلوماسيون،
مدنيون وعسكريون، من بلدان لا فقط شاطئ الأطلنطي ولكن أيضاً من بلدان
شاطئ البحر الأبيض المتوسط. ونوقشت القضايا الملتهبة في العراق
وفلسطين، والإرهاب، والتهديد النووي، والأمن الإقليمي، وأهم من ذلك
مسألة التحول الديمقراطي، والتي هي جوهر مبادرة الشرق الأوسط الكبير.
وضمن الأوراق والمناقشات الضافية للمسألة الأخيرة، كان دور العسكريين
عموماً والعسكريين العرب خصوصاً موضع اهتمام كبير. وفيما يلي أهم ما
سمعته وتعلمته من هذه المناقشات.
أولاً: أن المؤسسة
العسكرية ـ كل فروع القوات المسلحة ـ هي من أهم قوى التحديث في
مجتمعات العالم الثالث وذلك بحكم انضباطها، ووطنيتها، واستخدامها
للأنظمة القومية للإدارة والتدريب والتسليح.
ثانياً: أن المؤسسات
العسكرية العربية قد تجاوزت الدور التقليدي لها، وهو حماية التراث
الوطني، إلى التدخل في السياسة، ثم إلى الاستيلاء على السلطة، ثم على
احتكار السلطة، لسنوات طويلة في معظم البلدان العربية (اثنى عشر من
واحد وعشرين قطراً عربياً). وقد تسببت هذه الظاهرة في إجهاض ما كانت
تمثل بذوراً جنينية للديمقراطية، في عدد من البلدان العربية التي
كانت قد بدأت وعاشت حقبة ليبرالية مثل مصر، وسوريا، والعراق، وليبيا،
وتونس، والسودان، وموريتانيا، والصومال.
ثالثاً: أن ظاهرة قفز
العسكريون واستيلائهم على السلطة، ليست ظاهرة عربية فقط، ولكنها
ظاهرة من ظواهر الحياة السياسية في العالم الثالث ـ بما في ذلك بلدان
أفريقيا وأمريكا اللاتينية، وأسيا. ولكن بينما انحسرت هذه الظاهرة في
معظم دول العالم الثالث في العقدين الأخيرين ـ في بلدان مثل الفلبين،
وأندونيسيا، وكوريا الجنوبية، وبنجلاديش، والبرازيل، والأرجنتين،
وشيلي، وغانا، ونيجريا ـ إلا أنها استمرت وتمترست في البلدان
العربية.
رابعاً: أن أحد عوامل
هذا الشذوذ العربي عن القاعدة في بلدان العالم الثالث، هو التذرع
باعتبارات الأمن القومي أو الصراع العربي ـ الإسرائيلي. هذا رغم أن
هذه الأنظمة العسكرية لم تدخل في أي مواجهة عسكرية مسلحة مع إسرائيل
منذ حرب أكتوبر 1973 ـ أي قبل 31 سنة. وفي المرات النادرة التي كانت
قد دخلت فيها في مثل هذه المواجهات (1973،1967،1956) فهي إما هُزمت،
أو خرجت متعادلة، وأنها على مدى 56 سنة لم تحرر شبراً واحداً من
فلسطين.
خامساً: أن الأنظمة
التسلطية التي تعتمد على، أو انبثقت من المؤسسة العسكرية في الوطن
العربي أصبحت تعتبر بقاؤها في السلطة ضمانة للاستقرار ضد الفوضى، أو
وصول "الإسلاميين" إلى السلطة. وأنها بهذه الذريعة أو "الفزاعة"،
أقنعت الغرب، والطبقة المتوسطة وغير المسلمين من مواطنيها أن بقاء
الأوضاع على ما هي عليه أفضل من المغامرة بفتح الباب على مصراعيه
لعملية التحول الديمقراطي. وكثيراً ما استخدمت هذه الأنظمة التجربة
الجزائرية للتدليل على صحة مقولتها، دون أن يراجعها المتخوفين بأن
"الإسلاميين" لم يصلوا إلى السلطة في الجزائر، وأن إنكار حقهم في
ممارسة السلطة بعد الفوز في الانتخابات النيابية، هو الذي أدى إلى
الفوضى وسفك دماء حوالي ربع مليون جزائري وتعطيل مسيرة التطور
السياسي والتنمية الاقتصادية في الجزائر، لأكثر من اثنى عشر عاماً.
وأنه لم يحدث في أي بلد شارك فيه الإسلاميون في العملية الديمقراطية
الانتخابية ـ مثل تركيا وبنجلاديش وأندونيسيا والأردن والمغرب ـ أنهم
انقلبوا على العملية الديمقراطية. وقد ظهرت نتيجة هذا التواءم بين
الإسلام عموماً والإسلاميين خصوصاً والديمقراطية في حقيقة أن ثلثي
المسلمين في العالم اليوم، يعيشون في ظل حكومات منتخبة ديمقراطياً،
سواء في بلاد أغلبيتها من المسلمين، أو في بلدان يعتبر فيها المسلمون
أقلية. وهكذا يتضح أن الاستثناءات الرئيسية مما يحدث في العالم
ديمقراطياً هي البلدان العربية.
سادساً: قيل في مداولات
مؤتمر روما أن الأنظمة التسلطية التي تعتمد على تأييد المؤسسة
العسكرية، تُغرق ضباط هذه المؤسسة بالامتيازات، وتوحي لهم أن التخلي
عن السلطة لأنظمة ديمقراطية مدنية يعني الحرمان من هذه الامتيازات،
وهو ما يؤدي إلى تعبئة أجيال متتالية من الضباط الجدد حول النظام
التسلطي الذي يحكم باسمهم، ويدعي أنه يحمي وضعهم، وامتيازاتهم،
وتأثيرهم في الدولة والمجتمع.
سابعاً: أكد ممثلوا
الجماعة الأوربية في مؤتمر روما أنهم صادفوا نفس الشيء في المؤسسة
العسكرية في بلدان وسط وشرق أوربا، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي،
والحرب الباردة، ولكن أركان تلك المؤسسة اقتنعوا تدريجياً، بأن
إقلاعهم عن التدخل في النظام السياسي لا يعني فقدان دورهم أو أهميته
في المجتمع والدولة، أو حتى خسران امتيازاتهم. ولم يتم ذلك بالوعظ
والإرشاد، ولكن من خلال التفاعل المباشر والزيارات المتبادلة
والمكثفة بين أعضاء المؤسسة العسكرية لبلدان حلف وارسو وبلدان حلف
الأطلنطي. وقد تم ذلك في البداية في كل من بولندا وتشيكوسلوفاكيا،
قبل أن يقتنع نظراؤهم في الاتحاد السوفيتي وبقية بلدان وسط وشرق
أوربا.
ثامناً: بعودة
العسكريين لدورهم التقليدي في حماية الأمن الوطني ضد التهديدات
الخارجية، تزول عقبة رئيسية في وجه التحول الديمقراطي. ومتى بدأت
العملية الديمقراطية، فإن الخطوة التالية هو إخضاع المؤسسة العسكرية
للسيطرة المدنية. أي أن يكون وزير الدفاع أو الحربية مدنياً، ضمن
حكومة منتخبة ديمقراطياً. وحينما تستكمل هذه الخطوة، يصبح البلد
مؤهلاً ديمقراطياً بالكامل. وفي حالة تركيا، كانت هذه الخطوة الأخيرة
شرطاً من عدة شروط للبدء في مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد
الأوربي. وهو ما يبدو أنه أصبح وشيكاً، وفي ظل حكومة تم انتخابها
ديمقراطياً، رغم أن حزبها، وهو حزب العدالة والتنمية ينبثق من خلفية
إسلامية.
تاسعاً: استعرض
المشاركون في مؤتمر روما المبادرات العديدة، التي أطلقت في الآونة
الأخيرة للمساعدة على التحول الديمقراطي في البلدان العربية
والمتوسطية ـ الشرق أوسطية، بداية من مبادرة برشلونة (1995)، وانتهاء
بالمبادرات الألمانية والبريطانية والأمريكية، والتي توجت وأقرت في
قمة مجموعة الثمانية في ستي أيلاند بولاية جورجيا