نشرة المجتمع المدنى

العدد2 مخاض نظام عربي جديد

رجل العالم المريض

بين مثلثى  (الفساد و الاستبداد و الخراب) و (الطغاة و الغزاة و الغلاة)

رجل العالم المريض

د. سعد الدين إبراهيم

مارس 2004

لمدة قرن وربع من الزمن - منذ اواخر القرن الثامن عشر الي اوائل القرن العشرين، شاع تعبير رجل اوروبا المريض ، اشارة الي الامبراطورية العثمانية، التي ظل سلاطينها يقاومون التغيير ويحاربون الاصلاح، ويضطهدون شعوب المنطقة، التي كانت تحت سيطرة الامبراطورية العجوز، والتي كانت تهزم في اواخر سنواتها علي ايدي القوي الخارجية في ارض المعارك. ومع ذلك تمعن في الاستئساد علي رعاياها.

وكانت هذه الفُصامية في طبيعة الامبراطورية العثمانية، فضلاً عن فساد وانحلال السلاطين وذويهم، هي التي اغرت المراقبين الاوروبيين باطلاق تعبير رجل أوروبا المريض علي الامبراطورية التي ترفض تناول الدواء، كما ترفض اجراء اي جراحة، رغم اشتداد المرض، وتضخم العلة، وكان الجميع -الا السلاطين- يرون الحالة المتدهورة، ويتوقعون لها ان تموت بالسكتة القلبية في اي لحظة، ولكن هذه اللحظة طالت الي اكثر من قرن، الي ان تجرعت الامبراطورية العجوز آخر هزائمها في الحرب العالمية الاولي، فانهارت بعد انقلاب بعض ابنائها عليها بقيادة مصطفي كمال اتاتورك، وبذلك انتقل رجل اوروبا المريض الي الرفيق الاعلي.

ونحن في الوطن العربي علي وشك ان يُطلق علينا رجل العالم المريض ، فكل التقارير الطبية الصادرة عن المنظمات الدولية تشير الي حالتنا الصحية المتدهورة. وكان آخرها التقرير العربي للتنمية الانسانية الذي صدر عن البرنامج الانمائي للأمم المتحدة والصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لعامي 2002 و 2003 والذي يكشف بكل جلاء عن السبب الاول والرئيسي لكل امراضنا، وهو نقص مزمن في الحرية والديمقراطية، ونقص آخر في المساواة بين الجنسين، ونقص ثالث في المعرفة والتكنولوجيا.

ومن العجيب والغريب ان عديدا من المهتمين او المهمومين بالشأن العربي والشرق الاوسط قد علقوا علي التقرير، بما في ذلك كبريات الصحف العالمية في كل قارات العالم، كما علق عليه زعماء اوروبيون وامريكيون، بمن فيهم رئيس الوزراء البريطاني، توني بلير، ووزير خارجيته جاك سترو والرئيس الامريكي جورج بوش، ووزير خارجيته كولين باول، هذا فضلا عن الامين العام للامم المتحدة، كوفي عنان، الذي تحدث عنه اكثر من مرة، كان آخرها في الكلمة التي ألقاها ممثله في الاحتفال باعادة افتتاح مركز ابن خلدون في 30/6/2003.

ومع كل هذا الاهتمام العالمي، فان الرؤساء والملوك العرب، ووزراءهم قد تجاهلوا التقرير تماما، وكأنه لا يعنيهم من قريب او بعيد، وهم في ذلك اشبه بسلاطين آل عثمان الذين كانوا يتجاهلون كل التنبيهات، والمطالبات، والصيحات، واخيرا الاستغاثات من اجل الاصلاح، سواء كانت هذه آتية من ابناء الوطن في الداخل، او من الاصدقاء والاعداء في الخارج. فبعد صدور تقرير الامم المتحدة المشار اليه، والذي شارك في اعداده خبراء مشهود لهم بالعلم والنزاهة والوطنية، بحوالي سنة صدرت مبادرة كولين باول، وزير الخارجية الامريكي، للشراكة في الشرق الاوسط (نوفمبر 2002) ثم صدرت مبادرة دانماركية (يوليو 2003) اثناء رئاسة الدانمارك للجماعة الاوروبية، ثم صدرت مبادرة برشلونة الثانية، والتي تهدف مثل برشلونة الاولي (1994)، الي شراكة اوروبية -متوسطية من اجل التنمية والامن والديمقراطية لبلدان جنوب المتوسط التي هي بلدان عربية واخيرا (فبراير 2004)، تسربت اخبار عن مبادرة امريكية، ستقدم الي مجموعة الثمانية الكبار، في قمتهم القادمة في يونيو، والتي تتناول تفصيلا امراض الوطن العربي، والشرق الاوسط بالتشخيص، وتقترح علاجا شاملا لهذه الامراض.

ومن الجدير بالذكر، ان قوي سياسية عديدة في الداخل العربي، قد قامت هي بالتشخيص، واقتراح العلاج، قبل ان يتطوع بذلك المخلصون او المغرضون في الخارج، بعدة سنوات.

ولكن السلاطين العرب الجدد في الاقطار ذات الثقل السكاني والجغرافي قابلوا اقتراحات بنيهم في الداخل بنفس التجاهل، او احيانا التنكيل، الذي قابلوا به نصائح الخارج بل ان الطريف هو ان الحاكم العربي الوحيد الذي ورث اللقب السلطاني عن آبائه واجداده، في عُمان، وهو السلطان قابوس، قد اظهر من الاستجابات والمبادرات، ما لم يظهر معظم السلاطين المحدثين، وخاصة من اغتصبوا حكم بلادهم بانقلابات عسكرية او ورثوا السلطة من انظمة بدأت بمثل تلك الانقلابات كذلك اظهر معظم الملوك العرب نفس روح المبادرة نحو الاصلاح والتحديث -مثلما رأينا في السنوات الاخيرة في كل من المغرب والبحرين وقطر والكويت والاردن. ولكن هؤلاء السلاطين والملوك والامراء هم اولا اصلاء وليسوا دخلاء، علي كراسي الحكم وهم ايضا الاكثر تعليما وانفتاحا.

أما من اسميناهم في هذا المقال بالسلاطين الجدد فهم في معظمهم رؤساء جمهوريات عربية، وقد اسميناهم بالسلاطين لانهم يتصرفون مثل سلاطين آل عثمان في الحقبة الاخيرة من عمر تلك الامبراطورية، التي سادها الفساد والانحلال والاستبداد.

ومن حظ العرب العاسر، ان هؤلاء السلاطين أي الرؤساء الجمهوريين، هم الذين يتحكمون في مصائر اكبر البلدان العربية والتي تقع في قلب الوطن العربي بينما السلاطين والملوك والامراء الذين بادروا باصلاحات ديمقراطية فان بلدانهم تقع في اطراف الوطن العربي -اقصي الغرب مثل المغرب، او اقصي الشرق مثل البحرين، او اقصي الجنوب مثل عمان. كما ان سكانها مجتمعين لا يمثلون اكثر من 10 بالمائة من اجمالي سكان الوطن العربي.

ومن المهم ان ندرك ان رعايا الامبراطورية العثمانية قبل قرنين لم يكونوا هم المرضي، ولكن تعبير الرجل المريض كان كناية لنظام سياسي انتهي عمره الافتراضي، ومع ذلك ظل متشبثا بالحياة، اي بالسلطة، مستعينا في ذلك بكل الوسائل الصناعية وغير الشرعية.

لذلك حينما نقول ان الوطن العربي علي وشك ان يطلق عليه رجل العالم المريض فان ذلك لا يعني ان المواطنين العرب هم المرضي فكل الشواهد تدل علي ان الانسان العربي راغب في التقدم، وقادر علي الاخذ بأسباب التقدم المادية والمعنوية. وقد رأينا في السنوات الاخيرة من ابناء الوطن العربي من حازوا ارقي الدرجات الجامعية، واعلي الجوائز العلمية والثقافية والرياضية فالمريض -اذن- ليس هو الانسان العربي كفرد، ولكنه النظام السياسي العربي كمنظومة من القيم والممارسات، التي عفي عليها الزمن واصبح استمرارها، تحت اي مبرر، خطرا علي ابناء الامة وعلي العالم.

من ذلك ان الآلاف من ابناء الامة يهربون يوميا الي اوروبا بطرق شرعية او غير شرعية، انقاذا لحياتهم ومستقبلهم من النظام السياسي العربي الكريه، الذي يرفض العلاج، ويرفض ان يلفظ انفاسه، فاذا كان الارهاب هو التحدي الداخلي الاكبر للولايات المتحدة منذ احداث سبتمبر 2001 فان الهجرة غير الشرعية هي التحدي الاكبر لأوروبا الغربية.

من هنا اصبح الاهتمام بعلاج المريض العربي هما عالميا وانسانيا، ومصلحيا فمثلما لم يكن الاهتمام برجل اوروبا المريض ملائكيا لوجه الله، حيث كان هناك من يتربصون لوراثة الرجل العثماني المريض، فكذلك الحال مع رجل العالم العربي المريض. فهناك من اصحاب المبادرات الاصلاحية الوافدة من الخارج من يضمر في نفسه اغراضا واطماعا لا تخفي عن فطنة المراقبين.

فندعوا الله ان يبادر السلاطين العرب - الاصلاء منهم والدخلاء- الي العلاج علي ايدي اطباء عرب، قبل ان تأتي سيارات الاسعاف الخارجية، اقول قولي هذا وادعو الله أن يغفر لي ولهم..

 

الاستبداد والفساد والخراب

د. سعد الدين إبراهيم

ابريل 2004

 كتب المفكر العربي الكبير عبد الرحمن بن خلدون في القرن الرابع عشر الميلادي (السابع الهجري) في مقدمته لعلم العمران: إن الظلم يؤذن الي خراب البلاد، وانهيار العمران .

وما زالت هذه المقولة صحيحة تماما بعد ثمانية قرون من اطلاقها. وكل ما جد حولها هو تعدد طرق القياس الكمي والكيفي لعناصر هذه المقولة في القرنين العشرين والحادي والعشرين.

من ذلك أن هناك هيئة عالمية تسمي الشفافية الدولية ، ومقرها مدينة برلين بألمانيا. ومثلما تخصصت منظمة العفو الدولية بلندن، في مراقبة حالة حقوق الانسان في العالم، وما يصدر بشأنها من اتهامات ومخالفات، فإن منظمة الشفافية الدولية، تخصصت في رصد حالات الفساد في دول العالم وإصدار تقارير سنوية حولها وهي في ذلك تستعين بأفضل المناهج وأدوات الرصد والقياس المتوفرة. وتقوم بترتيب دول العالم حسب معدلات الفساد فيها، فالأقل فسادا تحصل علي المركز الأول، والأكثر فسادا تحصل علي المركز الأخير.

وفي السنوات العشر الأخيرة منذ بدأت الشفافية الدولية تصدر تقاريرها، كانت كندا وسنغافورة والبلدان الاسكندنافية تشغل أو تتبادل المراكز الخمسة الأولي للأقل فسادا، يليها في المراكز الخمسة التالية دول مثل سويسرا وهولندا وألمانيا وبريطانيا، بين حوالي مائة وستين دولة.

وكانت البلدان العربية وروسيا وبلدان افريقية تحتكر أو تتبادل فيما بينها المراكز العشرين الأخيرة في القائمة، أي انها البلدان الأكثر فسادا من ذلك سوريا ومصر والسعودية، ونيجيريا والكونغو وكينيا وأوغندا.

وإذا اخذنا تقارير منظمة العفو الدولية عن حقوق الانسان والشفافية الدولية عن الفساد وتقارير منظمة ثالثة هي بيت الحرية عن حالة الديمقراطية في العالم، فإننا نجد درجات ارتباط عالية للغاية بمعدلات انتهاك حقوق الانسان، وغياب الحرية أو الديمقراطية، وانتشار الفساد. إن غياب الحرية والديمقراطية وانتهاك حقوق الانسان يمثل ما يمكن تسميته بمنظومة الظلم في مصطلحات ابن خلدون، او الاستبداد في مصطلحات العلوم الاجتماعية الحديثة. فالبلدان ذات الأنظمة الاستبدادية، هي الأكثر فسادا، والأكثر انتهاكا لحقوق الانسان. ولأن الناس لا تأمن علي حياتها او حرياتها او اموالها في ظل انظمة الحكم الاستبدادية هذه، فإن رؤوس الأموال تخاف الاستثمار، او حتي الادخار فيها أو بعزوف أو هروب رؤوس الأموال الوطنية او المحلية، فإن نظيراتها، أي رؤوس الأموال الأجنبية، تخاف بدورها. وتهرب بجلدها من مثل بلداننا عالية الاستبداد، وانتهاك حقوق الانسان والفساد.

هل هذا كلام نظري من الكتب؟

الاجابة هي بالقطع لا . فتقارير غياب الحرية وانتهاك حقوق الانسان، ومعدلات الاستثمار وتدفق رؤوس 

الاموال الأجنبية كلها الآن متوفرة في التقارير الدولية.

من ذلك انه في حالة مصر، مثلا كان حجم ما تدفق عليها من استثمارات خارجية عام 2000 هو 1400 مليون دولار. وتناقص هذا المبلغ في السنوات الثلاث التالية حتي انه لم يتجاوز 400 مليون دولار عام 2003 - اي ثلث ما كان عليه بدلا من أن يزيد، كما هو متوقع في الاقتصادات الناهضة، أو علي الأقل ان يحافظ علي نفس مستواه، كما في عام 2000. ولكن هذا التدهور في معدلات الاستثمار الأجنبية، لا شك يرتبط بما تنشره المنظمات الدولية عن مستويات الاستقرار الاجتماعي والسياسي، ومعدلات الفساد، والتي تنعكس بدورها علي معدلات نسبة العائد علي الاستثمار، فالفساد مثلا يرفع من سعر أو تكلفة التعامل - اي قيمة تكلفة انجاز الأعمال - كالحصول علي رخصة، أو تسجيل وتوثيق المعاملات أو الحصول علي اذونات التصدير والاستيراد، وما الي ذلك.

ويقال، مثلا، ان الوقت اللازم لبدء نشاط اقتصادي جديد في بلد ناهض مثل سنغافورة او دبي لا يتجاوز ساعات معدودات، بينما يستغرق في مصر عدة شهور. إن لم يصل الي عدة سنوات، ويضرب المثل، بمشروع الجامعة او المدينة العلمية، الذي وضع له حجر الأساس العالم المصري د. أحمد زويل الحائز علي جائزة نوبل منذ ست سنوات، في مدينة 6 أكتوبر، ولم يتقدم خطوة واحدة، رغم كل الآمال التي عقدت عليه. وتلقفت دولة قطر، ممثلة في الشيخة موزة بنت ناصر المسند، قرينة سمو الأمير الشيخ حمد بن خليفة الثاني، نفس الفكرة، وشيدت مدينة علمية علي أعلي مستوي عالمي خلال ثلاث سنوات، بينما ظل حجر أساس مشروع جامعة أو مدينة أحمد زويل في مصر، هو هو، حجر اصم واحد أوحد.

لقد أصبح واضحا ان السبب الحقيقي لمقاومة الاصلاح السياسي هو الفساد، والمستفيدين من هذا الفساد، والذي يقال انهم عادة في قمة السلطة، اي الحكام أنفسهم، أو أولادهم أو اصهارهم أو اصدقائهم وذويهم. فالاصلاح السياسي ينطوي علي حكم القانون، والمراقبة، والمحاسبة، اي الشفافية وهو ما يضير الفاسدين والمفسدين.

والي جانب ما تنشره منظمات حقوق الانسان والشفافية وبيت الحرية عن الاوضاع في بلاد العالم، والتي اشرنا اليها في موضع سابق من هذا المقال، والذي ذكرنا ان سوريا ومصر والسعودية من أعلي دول العالم في معدلات الفساد، فقد امتلأت العواصم الغربية، وخاصة باريس، بمعلومات أو اشاعات تربط هذه المعدلات بأسماء شخصيات بعينها من حكام هذه البلدان العربية الثلاثة: او أبنائهم.

كذلك ربط المحللون السياسيون بين هذه المعلومات والتقارير من ناحية وتفنيد عذر من حكام البلدان العربية الثلاثة في رفض مبادرات الاصلاح السياسي التي تعددت في السنوات الأخيرة من الداخل والخارج علي السواء. إن زعماء البلدان الثلاثة مثلا يبررون رفض هذه المبادرات لأنها وافدة من الخارج، الأوروبي - مثل المشروع الألماني - الفرنسي - أو الأمريكي - مثل مبادرة الشراكة في الشرق الأوسط، أو مشروع الشرق الأوسط الكبير ولكن ما هي الأعذار التي يمكن ان يقدمها هؤلاء الزعماء لرفض المبادرات العربية الوافدة من الداخل، والتي تعددت منذ مؤتمر أزمة الديمقراطية في الوطن العربي، المنعقد عام 1983 بمدينة ليماسول القبرصية، والتي كان آخرها في مدينة الاسكندرية المصرية في اوائل شهر مارس، وفي مدينة الدوحة القطرية في أوائل شهر أبريل من نفس العام 2004؟

ويتردد الآن في العاصمة الفرنسية، باريس، ومنها الي لندن، وفي العاصمة الأمريكية، واشنطن، ان استماتة زعماء الثلاثي المصري - السعودي - السوري، في مقاومة الديمقراطية، هو وعيهم ان الاصلاح الديمقراطي متي بدأ، فإنه لا ينطوي فقط علي مشاركتهم في السلطة، وكسر احتكارهم المطلق لها، ولكنه ينطوي ايضا علي فتح كل ملفات الفساد والاضطهاد التي تطال هؤلاء الزعماء انفسهم أو اقرب الناس اليهم.

ومن استماتة زعماء الثلاثي المصري - السعودي - السوري في مقاومة الاصلاح، اطلق عليهم بعض المراقبين عليهم في تونس بعد انهيار مؤتمر القمة الأخير الذي كان مقررا له 29-30/3/،2004 أنهم اصبحوا أشبه بالحائط الذي يشيده شارون الاسرائيلي، لمقاومة المقاومة الفلسطينية، ومن المفارقات ان ارييل شارون، رئيس الوزراء الاسرائيلي هو متهم ايضا في قضية فساد كبري، الفارق الكبير مع ذلك بين حالته وحالة الزعماء العرب الضالعين في الفساد، هو ان شارون وجهت له الاتهامات وستتم محاكمته في اسرائيل في غضون اسابيع او شهور. اما زعماؤنا العرب فإن حسابهم يبدو بعيد المنال علي شعوبهم في الأجل المنظور، ولكن التاريخ وربك لهم بالمرصاد ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

اختفاء رضا هلال

ناقوس خطر الاستبداد والفساد والخراب

 

د. سعد الدين ابراهيم

اغسطس 2004

لقد مضى عام كامل على الاختفاء المريب للصحفي المصري المعروف رضا هلال، مساعد رئيس تحرير صحيفة الأهرام، أكبر الصحف المصرية والعربية، وأكثرها عراقة.

ولم تنجح أجهزة الأمن المصرية، على تعددها وضخامتها، إلى تاريخه في فك ألغاز هذا الاختفاء المريب. وربما كان هذا الاختفاء نفسه وراء اشتداد الهمز وتصاعد اللمز، بأن بعض هذه الأجهزة، أو بعض الشخصيات المهمة فيها، وراء هذا الاختفاء المريب.

ونحن لا نتهم أحداً. ولكن وفاء للزميل الغائب/ المختفي خصصنا هذا المقال لتوثيق ما هو معلوم عن شخصاً وعن القضية، وهو كثير، ولكن المجهول علينا في القضية ربما يكون هو الأكثر والأهم. وقد نوهت كل المنظمات الحقوقية العالمية، ومنها العفو الدولية، بالاختفاء القسري للصحفي رضا هلال.

إن الذي يضاعف الريبة والحسرة بالنسبة للصحفي الغائب هو سكوت نقابة الصحفيين المصريين، بل والمؤسسة التي عمل فيها طوال حياته المهنية وهي الأهرام، عن المتابعة النشطة لقضية رضا هلال. فلماذا هذا الصمت المريب؟

وإلى عشر سنوات مضت، كانت حوادث الاختفاء القسري في منطقتنا مقصورة على أنظمة عربية بعينها ـ مثل النظام البعثي في العراق في ظل صدام حسين، والنظامين السوري والليبي. ولكن منذ عشر سنوات بدأت حوادث الاختطاف والاختفاء القسري تظهر على الساحة المصرية وكان من أشهرها اختفاء وزير الخارجية الليبي الأسبق، السيد/ منصور الكخيا، في ديسمبر 1993، أثناء زيارته لمصر للمشاركة في اجتماع مجلس أمناء المنظمة العربية لحقوق الإنسان، ثم لحضور مؤتمر مركز ابن خلدون عن المجتمع المدني في الوطن العربي. وقد كان ابن شقيقته، د. محمد زكي مغيربي، يعرض ورقته عن الحالة الليبية، وأسهم منصور الكخيا بمداخلة هامة بعد أن استمع لورقة ابن شقيقته، نوه فيها بالدور الهام التي تقوم به المعارضة الليبية في الخارج، بعد أن حاصر النظام الحاكم كل قوى المعارضة في الداخل، ومارس عليها ألواناً جديدة من القهر والرعب، لم يعهدها الشعب الليبي من قبل لا في عهد الاستعمار العثماني، ولا في حقبة الاحتلال الإيطالي. وكانت هذه المداخلة هي أخر تصريح عام أدلى به منصور الكخيا. ففي طريق عودته ماشياً من فندق شيراتون القاهرة، حيث المؤتمر إلى فندق سفير بالدقي، حيث محل إقامته، وهي مسافة لا تستغرق أكثر من عشر دقائق سيراً على الأقدام، استوقفته سيارة بأرقام السلك الدبلوماسي الخضراء على بعد خطوات من فندق سفير، ونزل منها عدة أشخاص أجبروه على اصطحابهم، وانطلقوا بسرعة البرق، طبقاً لرواية اثنان من أمن فندق سفير اللذين شهدا الواقعة، ولكنهما لم يستوعبا ما كان يحدث لحظياً، خاصة وأن السيارة المرسيدس السوداء الفارهة كانت من سيارات السلك الدبلوماسي. وقد مضى إحدى عشر عاماً، منذ اختفاء منصور الكخيا، ولا حس ولا خبر، لا من السلطات المصرية، المؤتمنة على ضيوف مصر، ولا من السلطات الليبية، هذا رغم أن اسرته، والمنظمة العربية لحقوق الإنسان التي كان هو أحد مؤسسيها، ومنظمة العفو الدولية، لم تترك باباً إلا وطرقته، ولم تترك حجراً إلا وقلبته. ولا حياة لمن تنادي. ومن الطبيعي والمنطقي أن تتكاثر التخمينات حول الاختفاء القسري لمنصور الكخيا، بصفته أهم رموز المعارضة الليبية، وأكثرها احتراماً. فضلاً عن أنه وقت اختفائه كان من أبرز الناشطين العرب في مجال الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان.

واستقرت أهم تلك التخمينات، على أن النظام الليبي، بمشاركة عناصر مصرية، وراء اختفاء الرجل. ودعم من هذا الظن سوابق عديدة للنظام الليبي في التعامل مع معارضيه، سواء أكانوا ليبيين أو غير ليبيين. وما زال ماثلاً في ذاكرة الملايين اختفاء الإمام موسى الصدر، الزعيم الشيعي اللبناني، مؤسس وقائد حركة "أمل"، أثناء زيارته لليبيا في أواخر أغسطس 1978. هذا فضلاً عن آخرين ورد ذكرهم في مصادر عديدة. 

على أن فشل أجهزة الأمن المصرية، بل وشبهة تورط بعض العاملين فيها في اختفاء الصحفي المصري رضا هلال عام 2003، ومن قبله اختفاء المعارض الليبي منصور الكخيا عام 1993، ومحاولة دفن القضية إعلامياً، ينذر بأخطار جسيمة على مصر والوطن العربي، لا من أطراف خارجية، ولكن من الأنظمة الحاكمة نفسها. فالقرائن التي صاحبت حالات الاختفاء القسري، يوازيها ويتداخل معها تلفيق القضايا للأبرياء، إما لتشويه سمعتهم أحياءاً أو لوضعهم خلف القضبان لعدة سنوات، قبل أن تظهر برائتهم. ولعل قضية مركز ابن خلدون كانت الحالة الدرامية التي كشفت فيها محكمة النقض، وهي أعلى محاكم الديار المصرية عن هذا الاختلال في أجهزة الأمن، بل وضلوع أجهزة تنفيذية أخرى على أعلى مستوى في