نشرة المجتمع المدنى

العدد 3 أزمــــة  المثقفين والثقافة العربية

المثقفين العرب بين ثقافة العار و الانكار ...

و الاستبداد و الوشاية ...والنكاية والمكابرة...

 

أزمة المفكرين العرب في القرن الحادي والعشرين

فقه الوشاية والنكاية

سعد الدين إبراهيم

ديسمبر 2003

 في أوائل شهر ديسمبر 2003، حضرت المؤتمر السنوي لمنتدى الفكر العربي، الذي يرأسه الأمير الحسن بن طلال، ويضم في عضويته أكثر من مائتي مفكر وصانع قرار ورجال أعمال، من كل أنحاء الوطن العربي. ويعتبر هذا المنتدى أكبر وأقدم تجمع أهلي مدني عربي، حيث تأسس عام 1981، على طراز نادي روما الشهير. ورغم أنني كنت أول أمين عام متفرغ لهذا المنتدى (1985ـ 1990) وكنت ومازلت أحرص على المشاركة في اجتماعاته السنوية، إلا إنني لم أفعل ذلك في السنوات الأربع الأخيرة، التي قضيتها بين محاكم وسجون مصر المحروسة.

لذلك حرصت هذا العام، بعد براءتي واستعادة حريتي (18/3/2003)، أن أحضر المؤتمر السنوي للمنتدى، خاصة وأن الموضوع الفكري للاجتماع كان حول "عوامل تقدم الوطن العربي". وكذلك كان مناسبة افتتاح مقر جديد للمنتدى في منطقة الجبيهة، أحد ضواحي العاصمة الأردنية الأنيقة عمان. وكانت الأيام الثلاثة للقاء مفعة بالمشاعر الحارة على المستوى الشخصي والإنساني للالتقاء بعشرات الأصدقاء، والزملاء، وفي مقدمتهم الأمير الحسن، الذي كان موقفه نبيلاً وشجاعاً ومتضامناً معي ومع أسرتي وزملائي في مركز ابن خلدون طوال سنوات المحنة (2000 ـ 20003).

ولكن شاب اللقاء مع ذلك ما لاحظته من تغير مفردات الخطاب الفكري لأعضاء المنتدى، فقد تسرب إليه اللغة السلفية، وخاصة مصطلح "فقه". فقد ترددت عبارات عديدة عن "فقه المصالح"، و"فقه المفاسد" و "فقه المكارة" ، و "فقه التنمية"، وما إلى ذلك من الموضوعات، التي تعود المفكرون العرب أن يطرقوها، طوال الربع الأخير من القرن العشرين، ولم يكن فيها من جديد إلا اقتران كل منها بكلمة "فقه".

ثم حدث أثناء المداولات ثلاثة مشاهد، كانت الأكثر إزعاجاً. وكان المشهد الأول منها في أعقاب مداخلة لأحد الضيوف المراقبين من العراق، وهو السيد/ حسين سنجاري، رئيس العهد العراقي للديمقراطية. جاءت المداخلة بعد استغاثة أحد أعضاء المنتدى بما فحواه "أن اللجنة التي تشكلت لصياغة الدستور العراقي الجديد تنوي حذف المادة التي تنص على أن العراق جزء لا يتجزأ من الوطن العربي، وأن شعبه جزء لا يتجزأ من الأمة العربية". وكانت مداخلة الأخ حسين سنجاري فحواها أن هذه المادة تستحق الحذف أو التعديل، في ضوء أنها تتجاهل وجود شعوب أخرى غير عربية تعيش في العراق من قديم الأزل ومنها الشعب الكردي... وأنه لا مانع من وجود مادة تنص على أن عرب العراق هم جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، وأن أكراد العراق هم جزء لا يتجزأ من الأمة الكردية، وأن العراق هو وطن لكل من يعيشون على أرضه..."

لم يكمل الزميل الكردي مداخلته إلا وانقض عليه عدد من أعضاء المنتدى بالهجوم والنقد اللاذع، وأصر بعضهم على أنه "عربي رغم أنفه، بما أنه يتحدث العربية". ورد الرجل بأنه يتحدث أيضاً الكردية والإنجليزية والألمانية إلى جانب لغته الأصلية وهي الكردية، وأنه يعتز بهويته الكردية، كما يعتز أشقائه العرب بهويتهم العربية. وانتهت هذه المشادة الكلامية، بأن طلب أحد أعضاء المنتدى من الزميل الكردي أن يغادر قاعة الاجتماعات ... فترك الرجل القاعة في حزن وأسى، لضيق صدور زملائه المفكرين العرب، بتعبيره عن رأيه ومشاعره في قضية تخصه كعراقي!.

وكان المشهد الثاني في أعقاب كلمة افتتاحية لرئيس الجلسة، في صباح اليوم الثاني، وهو دولة الدكتور عبد العزيز حجازي، رئيس وزاراء مصر الأسبق، علق على حالة الكآبة والتشاؤم ولطم الخدود، وجلد الذات، التي غلبت على مناقشات اليوم الأول، وتحدي زملائه في المنتدى أن يبحث أحدهم عن بارقة أمل، ولو واحدة، في هذه الظلمة الكالحة. فتطوع أحدهم ورصد سبعة بوارق أمل تبعث على التفاؤل، حدثت كلها في عام 2003، رغم كل ما تحدث عنه كل الزملاء الذين سبقوه من مواجع ونكبات. وكان مما ذكره: سقوط الديكتاتورية في العراق. واقتراب مسيرة السلام في السودان من الاكتمال لوضع نهاية للحرب الأهلية التي قاربت الأربعين عاماً، وحصدت أرواح مليوني سوداني، وشردت مليونين آخرين، والمبادرة السلامية لممثلين من المجتمع المدني الفلسطيني والمجتمع المدني الإسرائيلي، وتمثلت في اتفاق سلام افتراضي، تم توقيعه في جنيف، وأيده أكثر من أربعين رئيساً، وعشرات الشخصيات العامة العالمية، منها الرؤساء السابقين نلسون مانديلا، وجيمي كارتر، وبيل كلنتون، وعشرون من الحائزين على جوائز نوبل. ومنها التحولات الديمقراطية المشهودة في المغرب والبحرين وعمان... ولم ينته من رصد هذه الإيجابيات حتى انقض زميل آخر، محتجاً بأعلى صوته، أن سقوط صدام حسين هو كارثة للعرب أجمعين لأن الذي أسقطه هو الأجنبي الذي جاء "محتلاً لا محرراً للعراق"، ولأن اتفاق جنيف كان كارثة ثانية، حيث أن من وقعوها من الفلسطينيين قد فرطوا في "حق العودة"، وهو حق مقاس. ولكن هذا الاحتجاج لم يصل إلى نفس درجة الحدة التي وصل إليها مع الزميل الكردي، ولم يُطلب من الزميل "المتفاءل" أن يخرج من القاعة، فحمد هذا الأخير ربه على أن مصيره كان أفضل حالاً.

أما المشهد المأساوي الثالث فقد كان اقتراحاً من أحد أمناء المنتدى السابقين، فحواه إصدار بيان يندد بدعاوى "الحداثة" و "الديمقراطية" التي يرددها بعض المثقفين العرب، لأن مثل هذه الحداثة تأتي في أعقاب الانكسار العربي، وتلك الدعوة للديمقراطية تأتي في أعقاب الاحتلال الأمريكي للعراق... وهو ما يعني رفض الدعوتين أو على الأقل تعليقهما إلى أجل غير مسمى، أو إلى أن ينصلح حال الأمة العربية ويتحرر العراق، "فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة". أكثر من ذلك طالب نفس الزميل بأن يقوم منتدى الفكر العربي بمناهضة ومحاصرة وفضح أولئك المثقفين الذين يرجون الدعوة إلى الحداثة أو الديمقراطية لأنهم في أحسن الأحوال مخدوعين وفي أسوأ الأحوال عملاء للإمبريالية الأمريكية، والتي تحاول إغراقهم بالمنح والمساعدات!

 في ضوء هذه المشاهد الثلاثة المتشنجة، شعر يعض قدامى المؤسسين لمنتدى الفكر العربي، بأن هذا المنبر الذي كان مأمولاً أن يظل جزيرة للحرية في محيط الاستبداد العربي قد بدأ يتآكل، وينخُر فيه نفس السوس الذي استشرى في عقل الأمة وجسدها، بعد أن أقفل باب الاجتهاد في الفكر العربي الإسلامي منذ عشرة قرون... ولولا مداخلات من بعض العقلاء، في مقدمتهم الأمير الحسن، لاستبدت الفاشية العربية الزاحفة لتجهز على البقية الباقية من هذا المنبر، ولتغرق جزيرة الحرية تلك في نفس مستنقع الاستبداد العربي العميق.

كان ضمن ما قاله أحد العقلاء محذراً من هذه الفاشية العربية الزاحفة على منتدى الفكر العربي، هو أننا بصدد تحويل المنتدى إلى "محكمة تفتيش" في ضمائر المفكرين وقلوبهم، ومحاسبتهم على النوايا وعلى ما خبّأت صدروهم... وبذلك تحول كل منهم من دورة الأصيل "كباحث" إلى دور دخيل "كمباحث"... وإنهم كجهاز دخيل للمباحث سيكونون في مجموعهم لا فقط قد تخلوا عن دورهم كنقاد، منذرين ومبشرين، ولكنهم سيكونون جهاز مباحث ردئ من الدرجة الثالثة، إلى جانب أجهزة المباحث والمخابرات العربية الأكثر خبرة وحرفية...

واقترح أحد العقلاء استحداث نوع جديد من الفقه، هو "فقه النكاية"، وهو فقه يؤصل لرفض الحداثة والديمقراطية والتسامح، لشبهة جذورها الغربية عموماً والأمريكية خصوصاً. فهي "وافدة"، وكل وافدة "ضلالة، وكل ضلالة في النار". فما لم تأتي مفردات الفقه الأصيل على ظهر ناقة أو بعير، فأغلب الظن أنها أتت على ظهر سيارة أو دبابة أو طائرة... وبما أن هذه مركبات لا يصنعها العرب أو المسلمين، ولكن يجيد صنعها الفرنجة، فهي والمفاهيم التي جاءت معها ملعونة إلى يوم الدين!. وضمن فقه "النكاية" أن نتمسك بأي مستبد عربي، ونلتف  حوله ونفديه بالروح والدم، إذا ما تحرش به أو انقض عليه أي أجنبي. فألف مستبد عربي ولا أجنبي واحد، "وحاكم غشوم وفتنة لا تدوم".

وحيث أصبح "حديث الفقه"  هو جديد منتدى الفكر العربي في مطلع القرن الحادي والعشرين، فقد اقترح أحد الظرفاء من أعضاء المنتدى استحداث فرع آخر وهو "فقه الوشاية" وهو فرع يلزم لحراسة "ثوابت الأمة" والإيقاع بمن تراوده نفسه على مجرد التفكير في تبني جديد وافد من بلاد الفرنجة أو دار الكفر ـ مثل الحرية والديمقراطية والتعددية والتسامح والمساواة.

وقد علق المفكر العربي د. محمد جابر الأنصاري على الاقتراحين بما يفيد أن فقه "النكاية" ليس جديداً بالمرة، بل تعود جذوره إلى سنوات الفتنة الكبرى، حينما كان يتشبع فريق من المسلمين لعلي أبن أبي طالب (كرم الله وجهه)، لا حباً فيه ولكن نكاية في معاوية، بينما كان ينتصر فريق آخر لمعاوية، لا حباً فيه ولكن كراهية في علي. كذلك ذكر د. الأنصاري أن الأموي عبد الرحمن الداخل (صقر قريش)، تبنى المذهب المالكي، في الأندلس، نكاية في العباسيين في بغداد الذين كانوا قد تبنوا المذهب الشافعي!.

وهكذا بين فقه الوشاية والنكاية أراد فريق من المثقفين العرب أن يصادروا على حرية الفكر والاجتهاد تحت ذريعة "الحرام السياسي" والحفاظ على "ثوابت الأمة" دون إدراك أن ذلك كان مقدمة للإضلال والانحلال من العصر العباسي الثاني في القرن التاسع الميلادي وإلى منتصف القرن التاسع عشر، حينما لاحت بوادر عصر النهضة العربية الحديثة، التي يرمز رفاعة الطهطاوي لبدايتها، وتبعه سلسلة متصلة من أساطين التنوير، مثل على مبارك، والأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، وشبلي شميل، وأحمد لطفي السيد، وطه حسين، وعلي عبد الرازق، وانتهاءً بذكي نجيب محمود، ونجيب محفوظ.

بعد سجال منتدى الفكر العربي بعمان بثلاثة أيام فقط، قُبض على الرئيس العراقي السابق صدام حسين، في أحد المخابئ السرية تحت الأرض في مزرعة، قرب تكريت، مسقط رأسه. ورغم اختلاط وتضارب المشاعر العربية بين فرح معظم العراقيين لسقوط الطاغية، وأسف بعض العرب للحالة المزربة التي ظهر بها الرجل بعد خروجه من مخبأه، إلا أن قلة هي التي كان لديها شئ طيب تقوله عن الرجل الأسير. ومن هذه القلة أحد حراس "الثوابت العربية"، حيث ظهر على أحد الفضائيات العربية، يبكي ويرثي صدام حسين، "الفارس العربي النبيل". ولما راجعه مقدم البرنامج بالسؤال "ماذا تقول للذين يصفونه بالمستبد؟"، سارع الرجل بالإجابة وهو ما يزال يجهش بالبكاء، "ولكنه كان "مستبداً عادلاً"، ويكفينا كعرب أنه انتقم لكرامتنا من الطاغوت الأمريكي" أما كيف انتقم صدام من أمريكا، وكيف صان الكرامة العربية، بعد أن جلبت حماقاته ومغامراته الفساد والخراب والاحتلال، فإن مقدم البرنامج لم يسأل، ربما اشفاقاً على من يبكي على الأطلال، أو ربما مشاركة وجدانية منه لعابد الأصنام.

وأتساءل في نهاية هذا المقال: كم نكبة ينبغي أن تقع لنا، وكم مصيبة ستحل علينا، قبل أن نسترد وعينا ونبرأ من المقولات الزائفة، ومن فقه النكابة والوشاية، ونقلع عن عبادة الأصنام، ونكف عن الاعتقاد في أن ثمة مستبد عادل أو مهدي منتظر!


مؤتمر الإصلاح العربي بالإسكندرية

من فقه النكاية إلي فقه المكابرة

سعد الدين إبراهيم

مارس 2004

 افتتح الرئيس حسني مبارك، مؤتمراً نظمته مكتبة الإسكندرية وعدد من منظمات المجتمع المدني، يوم الجمعة 12/3/2004 مؤتمراً عربياً حافلاً للتداول حول إصلاح النظام العربي، من كل جوانبه، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ويجيء التآم هذا المؤتمر الأهلي غير الحكومي، بعد أن كثرت المبادرات والدعوات من الداخل والخارج التي تدعو إلي تحول ديمقراطي حقيقي في الوطن العربي وبقية بلدان الشرق الأوسط. والتي كان آخرها ما أشيع عن مبادرة أمريكية في أوائل فبراير شباط الماضي، تحت عنوان الشرق الأوسط الكبير، والتي ستناقش في مجموعة الثمانية الكبار، في شهر يونيه 2004. وقد سبقت هذه المبادرة عدة مبادرات أوروبية، بدأت في برشلونة عام ،1994 أي منذ عشر سنوات.

وكانت مبادرة برشلونة، والتي وقعت معظم الدول العربية بروتوكولها مع دول الاتحاد الأوروبي، تنطوي علي ثلاث حزم أو سلال مترابطة، هي:

حزمة الأمن والدفاع.

حزمة التنمية والتعاون الاقتصادي.

حزمة المجتمع المدني والديمقراطية.

وقد نفذت معظم الدول العربية التي وقعت علي بروتوكول برشلونة الحزمتين الأولي والثانية فقط، لأنهما انطويتا علي تلقي سلاح ومساعدات اقتصادية ولكنها تلكأت، وناورت، وكذلك فيما يتعلق بالحزمة الثالثة- أي تحرير المجتمع المدني، والاتجاه نحو الديمقراطية. أي أن دولنا العربية تلك تريد سلاحاً غربياً، وتكنولوجيا غربية، وأموالا غربية، ولكنها لا تريد ديمقراطية غربية، أو حتي هندية ، أو ماليزية أو بنغالية بنجلاديش ، أو أندونيسية أو تركية !

فواقع الأمر كما بين الأوروبيون، حينما سمعوا بعض الحكام العرب يتذرعون بالدين والثقافة الإسلامية ليبررو تلكؤهم في تنفيذ حزمة برشلونة الثالثة، أن ثلي المسلمين في العالم يعيشون في ظل حكومات منتخبة ديمقراطياً.. القطاع الوحيد من العالم الإسلامي الذي لا يعيش في ظل أنظمة ديمقراطية هم معظم العرب المسلمين.

وقد أطلقت الدنمارك، التي لا تمثل تهديداً لأحد في الشرق الأوسط أو غيره، مبادرة مماثلة في روحها لمبادرة برشلونة، في خريف عام ،2003 ولكنها أكثر تحديداً وتفصيلاً، حيث جعلت السلام الفلسطيني- الإسرائيلي، عنصراً من عناصر مبادرتها. وقد وعدت بأن تستغل رئاستها للمجموعة الأوروبية في دفع هذه المبادرة وتمويلها.. وطاف وزير خارجيتها بدول المنطقة في ديسمبر ويناير، للترويج لها.. لم يجد بين معظم الحكام العرب إلا الرغبة في المال والمساعدات الاقتصادية، والرفض المستتر أو العلني للديمقراطية، بدعوي أن شعوبهم غيرمؤهلة بعد، وأن الديمقراطية تفتح الباب للفوضي والعنف كما حدث في الجزائر!

لم ييأس الأوروبيون من هذا التلكؤ العربي، علي مستوي الأنظمة الحاكمة، فأطلق يوشكا فيشر ، وزير الخارجية الألمانية مبادرة ثالثة في مدينة ميونخ، بمناسبة انعقاد المؤتمر السنوي الأربعين، للسياسات الأمنية، يوم 7 فبراير ،2004 والتي أضاف فيها بندين إضافيين للمبادرات الأوروبية الأخري، أحدهما عن أفغانستان، والثاني عن العراق. ونقد مبادرة برشلونة، والمبادرة الدنماركية، شدد فيشر علي أهمية الشمول والترابط والشراكة بين قضايا الأمن والتعاون الاقتصادي، والديمقراطية، وإقامة دولة فلسطين أي أن المبادرة الألمانية، تستوعب وتلبي كل المطالب العربية المعلنة. ومع ذلك فقد تجاهلها الحكام العرب تماماً، وكذلك وسائل الإعلام العربية، وكذلك المثقفون العرب.

ولكنهم هبوا، وانتفضوا، وغضبوا، وزمجروا، وشجبوا، وتوعدوا، حينما سمعوا، مجرد سماع، عن مبادرة أمريكية في الطريق، فاجتمع رؤساء ثلاث دول عربية رئيسية هي السعودية، ومصر وسورية، ليعلنوا بملء أفواههم أنهم لن يقبلوا أي مبادرات للإصلاح تأتي من خارج الحدود!

حسناً، ربما يكون ذلك مفهوماً ومبرراً من أنظمة حاكمة لا تتعاطي مع الغرب عموماً، ومع أمريكا خصوصاً، وهو ما ينطبق إلي حد ما علي سورية. ولكنه في الحالتين المصرية والسعودية ينطوي علي مغالطات ظاهرة.

وفي كل الأحوال دعونا نتفق علي أنه من غير المستحب أن تأتي دعوات أو مشاريع الإصلاح من الخارج. والسؤال في هذه الحالة، ماذا عن مبادرات ومشاريع الإصلاح من الداخل؟ هل هناك ندرة أو انعدام، أو جفاف لمثل هذه المبادرات والمشاريع؟

والإجابة هي أن المبادرات والمشاريع من قوي عديدة في الداخل العربي لم تتوقف أو تنقطع طوال العقود الثلاثة الأخيرة فعلي سبيل المثال..

1- في فبراير ومارس ،1968 اجتاحت مظاهرات طلابية عارمة، المدن المصرية، تطالب بالديمقراطية، والشفافية، ومحاسبة المسؤولين عن الهزيمة العربية النكراء في يونيه 1967. واستجاب الرئيس الراحل عبدالناصر وقتها، ببيان 30 مارس، الذي وعد فيه بتلبية كل هذه المطالب، فور الانتهاء من تصفية آثار العدوان. ولكن المنية وافته قبل أن يحقق هذا أو ذاك، في سبتمبر 1970.

2- في فبراير ،1974 وبعد ما اعتبرته القوي السياسية المصرية انتصاراً في أكتوبر ،1973 تلبية ما كان قد وعد به عبدالناصر في بيان مارس قبل خمس سنوات. فأصدر الرئيس السادات ما سُمي بورقة أكتوبر في فبراير ،1974 والتي وعد فيها بتحقيق إصلاحات سياسية واقتصادية شاملة ولكنه لم ينفذ من هذه الوعود إلا بعض الاصلاحات الاقتصادية.. وهي سياسة الانفتاح، وبعض الاصلاحات السياسية الشكلية، وهي المنابر . ثم رحل الرجل أيضاً عن دنيانا، قبل أن يتم بقية الاصلاحات، هذا إن كان ينويها فعلاً.

3- أما في عهد الرئيس مبارك فقد تعددت المطالبات من الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني طوال العشرين سنة الأخيرة. وكان آخرها وأبرزها تلك التي صدرت عن لجنة الدفاع عن الديمقراطية التي تشكلت من الأحزاب الخمسة الرئيسية المعارضة (الوفد والتجمع، والناصري، والأحرار، والعمل)، وعشر من منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني، في عام 2002. وظلت اللجنة تحاول خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة الاجتماع بالرئيس مبارك أو أحد كبار المسؤولين من مساعديه لتقديم هذه المطالب الإصلاحية، ونظمت اللجنة ثلاث مظاهرات في ميدان التحرير، أكبر ميادين العاصمة المصرية، توجهت منه إلي قصر الرئاسة في عابدين، ولكن المتظاهرين كانوا يردون علي أعقابهم. وفقط في المظاهرة الأخيرة في 15 فبراير ،2004 سُمح لوفد من المتظاهرين أن يسلموا مذكرة مكتوبة إلي الحرس الجمهوري، عند البوابة الخارجية للقصر.

4- وأخيراً وليس آخرا، انضم الاخوان المسلمون، أقدم وأعرق الحركات الإسلامية في مصر والعالم إلي قائمة المطالبين بالتغيير، والاصلاحات السياسية والدستورية، فقد أعلن مرشدهم الجديد في اجتماع حاشد في مبني نقابة الصحفيين، أن الجماعة تتبني نفس المطالب الإصلاحية للجنة المصرية للدفاع عن الديمقراطية: انتخابات حرة ونزيهة، تحت الإشراف الكامل للقضاء، وانتخاب رئيس الجمهورية ونائب له في انتخابات حرة تنافسية لمدة أقصاها ست سنوات، أو مدتين كل منها أربع سنوات، وعودة القضاء الطبيعي إلي استقلاله، وإلغاء كل أنواع القضاء الاستثنائي وإلغاء حالة الطواريء وقوانين الطواريء، وخصخصة الإعلام، وإطلاق حرية تأسيس الجمعيات والأحزاب.

5- ولم يختلف الأمر في بلدان عربية، حيث لم تتوقف المطالبات الشعبية بالتغيير والإصلاح السياسي والاجتماعي. ولعلنا نذكر مظاهرة النساء السعوديات اللائي قدن سياراتهن في شوارع الرياض أثناء الاستعدادات لحرب تحرير الكويت عاصفة الصحراء ، بعد أن رأين المجندات الأمريكيات يقدن كل أنواع المركبات في شوارع وطرق المملكة، بينما ظللن هن محرومات من هذا الحق الإنساني البسيط. كما تتالت بعد هذه المظاهرة النسائية، مطالبات المثقفين السعوديين بالإصلاح التدريجي لأوضاع بلادهم.. وكانوا في ذلك في قمة المسؤولية والاعتدال. وفقط في العام الأخير ،2003 وافق ولي العهد، الأمير عبدالله علي لقاء وفد من هؤلاء المثقفين للحوار معهم.. وصدرت عدة وعود بمزيد من الاصلاحات الداخلية.

وهكذا لم تنقطع المبادرات الداخلية في معظم بلادنا العربية مطالبة بالإصلاح، ومزيد من الديمقراطية. لذلك لم يكن هناك معني أو مبرر لهذه الضجة المفتعلة حول الإصلاح من الداخل أو من الخارج . كما لم يكن هناك معني أو مبرر للرفض المسبق لكل دعوة للإصلاح تأتي من الخارج، لا لشيء، إلا نكاية في الغرب أو نكاية في الولايات المتحدة، حتي لو كان هذا الإصلاح يخدم شعوبنا، ويلبي طموحاتها المشروعة.. فالخارج لم يبدأ بمطالبة الأنظمة الحاكمة العربية بالإصلاح إلا بعد أن رأي تجاهل هذه الأنظمة لمطالب شعوبها. فالمبادرات الشعبية العربية ليست سراً حربيا، فلكل بلد غربي سفاراته وخبراؤه الذين يتابعون الأوضاع الداخلية، لا فقط في البلدان العربية، ولكن في كل بلدان العالم. وهو نفس الشيء الذي تفعله، أو ينبغي أن تفعله، السفارات العربية في البلدان الأجنبية.

إن الرفض لمجرد النكاية هو سلوك طفولي أو سلوك مراهق لا يليق لا بالحكام ولا بالمثقفين العرب.. لا يتساوي مع سلوك النكاية هذا من حيث الطرافة والمراهقة إلا سلوك آخر هو المكابرة ففي المؤتمر الأخير بمكتبة الإسكندرية، تباري المتحدثون لتسجيل ثلاثة مشاهد تبدو متناقضة:

المشهد الأول، هو صب اللعنات والإدانات علي الغرب عموماً، والولايات المتحدة خصوصاً، لمواقفها العدائية من العرب وقضيتهم الأولي، فلسطين، وقضيتهم الثانية، العراق.

المشهد الثاني، هو تسجيل الرفض لكل ما يأتي من الغرب أو الولايات المتحدة من مبادرات لإصلاح الأنظمة العربية، حيث لابد أن وراء هذه المبادرات مؤامرات أو مخططات خبيثة، حتي لو تسترت تحت شعارات الديمقراطية.

المشهد الثالث، وهو مكابرة الأنظمة الحاكمة نفسها بأنها كانت هي المبادرة للإصلاح الديمقراطي من تلقاء نفسها، ولم تنتظر أو تحتاج إلي نصيحة أطراف خارجية لكي تقوم بهذا الإصلاح.

ونحن نقول لا بأس من تسجيل هذه المشاهد وغيرها علي تناقضها وطرافتها.. إذا كان في ذلك إنقاذاً لماء وجه الحكام، أو إبراء ذمة المثقفين. المهم أن يتحقق الإصلاح، وأن يلحق العرب بركب الديمقراطية في العالم في مطلع القرن الحادي والعشرين، بعد أن أضاعوا نصف قرن بين فقه النكاية ، و فقه المكابرة ولا حول ولا قوة إلا بالله. 

الفتنة الطائفية مجدداً

ثقافة العار والإنكار

د. د. سعد الدين ابراهيم

اكتوبر 2005

 هزت أحداث العنف حول كنيسة مار جرجس، بحي محرم بك بالإسكندرية مشاعر وأحزان وهواجس كل المصريين الذين تابعوا مسلسلها  خلال الأسبوعين السابقين ليوم الجمعة الحزين 21 أكتوبر 2005.

فالذين تابعوا ما حدث يوم الجمعة السابق، 14/10/2005 حينما قام مئات المصلين بعد الصلاة بمسيرة، حاصروا فيها الكنيسة، وتركوا مطالبهم، مع مسئولي الكنيسة، وأعطوهم مهلة أسبوع لتنفيذها، وإلا عادوا، وأخذوا "حق المسلمين" بالقوة (أي بالسيف). وكانت المطالب محددة وهي اعتذار من البابا شنودة، عن رعاية كنيسة مار جرجس لمسرحية، عن شاب مسيحي غيّر دينه، باعتناق الإسلام، تحت  ترغيب أو ترهيب من بعض الجماعات الإسلامية. ولكن الشاب حينما رأى الإسلام من خلال ممارسة هذه الجماعات له، غيّر رأيه وعاد إلى "أحضان المسيح"، فقررت الجماعة المتطرفة قتله، كما يقضي بذلك حد "الردة"، وأطلقت النار عليه. ولكن المسيح كان يحميه، فنجى من الموت. واشتملت المطالب أيضاً معاقبة القس المسئول، وتدمير كل الأشرطة المدمجة التي طبعت للمسرحية، عندما عرضت على مسرح الكنيسة منذ عدة شهور.

ومن الواضح أن الاعتذار المطلوب لم يتم تقديمه في الوقت المحدد، فعاد المسلمون الغاضبين من صلاة جمعة21/10، وزحفوا على الكنيسة لتنفيذ تهديدهم، وأخذ "حق المسلمين  من أعداء الدين". ولكن في هذه المرة كانت قوات الأمن تحمي الكنيسة، فأصدم بها المهاجمون، وأطلقت النيران. وحينما انتهت المعركة، كان هناك ثلاثة قتلى وأكثر من مائة وستين مصاباً.

ولم تكن أحداث كنيسة محرم بك هي الأولى، وربما لن تكن الأخيرة في مسلسل الفتنة الطائفية. فقبل عدة شهور أنشغل الرأي العام بمسألة "وفاء قسطنطين"، زوجة أحد القساوسة، التي اختفت، وقيل وقتها أنها تحولت إلى الإسلام، أو في رواية أخرى أنها لم تكن سعيدة في زواجها، وأحبت رجلاً مسلماً، فقررت الهروب معه. وقامت دنيا الأقباط ولم تقعد إلا بعد أن عثرت قوات الأمن على وفاء قسطنطين، وأقنعتها بالعودة ثانية إلى أحضان المسيح، بعد فترة نقاهة في أحد الأديرة.