نشرة المجتمع
المدنى
العدد 3
أزمــــة المثقفين والثقافة العربية
مـــــقدمــــــــة
طالعنا الكاتب الصحفى
والأديب محمد سلماوى بمقال فى الأهرام بتاريخ 2/1/2006 بعنوان"المثقف
و مثلث الحصار!" . وقد كرس من شهرة محمد سلماوى فى السنوات الأخيرة
أنه أصبح أمين سر أفكار الكاتب الكبير ، صاحب نوبل، نجيب محفوظ. فمنذ
حادث الاعتداء الآثم على محفوظ بواسطة بعض المتطرفين الدينيين ،
والذى عاق حركته وقدرته على الكتابة بقلمه، أصبح الرجل يبوح بفكره
لمحمد سلماوى ، ينشرها أسبوعيا صباح الخميس فى صحيفة الأهرام.
وماجاء بمقال سلماوى
نفسه ، يلخصه فى المقدمة ، حيث يقول: " يقف المثقف فى مصر داخل مثلث
من ثلاثة أضلاع ، يحاصره من كل جانب ويعوق انطلاقه الى رحابة الفكر
وحرية الابداع . الضلع الأول من هذا المثلث هو بلا شك السلطة
السياسية ،التى مازالت تتسلح بترسانة بالية من القوانين المقيدة
للحريات ، والتى تسمح لها بتقييد حرية التعبير و النشر و الابداع .
والضلع الثاني، هوالمؤسسة الدينية ، التى قويت شوكتها فى السنوات
الأخيرة حيث أصبحت تتدخل فى العملية الابداعية ، فتدعو لمصادرة الكتب
حتى و ان لم تكن كتبا دينية. كما وصل الحد ببعض المتعصبين الدينيين
الى العمل على اخراس الفكر والابداع ، بمحاولة اغتيال أعلامه مثل
أديبنا الأكبر نجيب محفوظ والدكتور فرج فودة، وغيرهما. وأما الضلع
الثالث فهو الرأى العام غير المستنير ، الذى قد يتشبث بعادات بالية
،مصرا أنها تقاليد مقدسة، لا ينبغى المساس بها ، بينما هى فى معظمها
أعراف متخلفة لا يمكن أن يحقق التقدم الا باسقاطها. وأصحاب هذا
الاتجاه لا يقبلون من المبدع اى خروج عن التقاليد ، بينما الفن هو فى
جانب منه تخط للأعراف السائدة والثورة عليها".
وماجاء فى مقال سلماوى
تفصيلا لكل ضلع من اضلاع المثلث هو صحيح تماما فى رأينا. غير أنه لا
يمسك بكل أطراف أزمة الثقافة والمثقفين فى مصر و العالم العربي.
وربما لأن الموضوع أو الأزمة ،هى أكبرمما يستطيع الالمام به كاتب
واحد ، أومقال صحفى واحد. وكنا قد تعرضنا- أنا و سبع و عشرون من
زملائى فى مركز ابن خلدون- للحصار و التنكيل من الضلع الأول لمثلث
سلماوى. وهو "السلطة السياسية" ، لنظام الرئيس حسنى مبارك
(2000-2003).
والطريف والمحزن معا ،
هو أن الحصار الذى يتعرض له المثقف فى مصرنا وعالمنا العربي هو أشبه
" بالدائرة" ،أو المربع المتصل الأضلاع ، وليس فقط مثلث سلماوى. ومن
ذلك أن صمت المثقفين أنفسهم ، خوفا من السلطة، أوفى الأغلب تزلقا لها
هو جزء من هذا الحصار .وقدوثق باحث شاب هذا المشهد ، قبل محمد سلماوى
بخمس سنوات ، وهو المحامي مختار قاسم، فى كتاب ضخم تناول قضية
مركزابن خلدون ، واستخدم فى عنوانه نفس التشبيه الذى استخدمه سلماوى
فى حديثه عن أزمة أو مأساة المثقفين ،وهو "مثقف تحت الحصار".
ولأن هذا الكاتب (سعد
الدين ابراهيم) كان فى قلب الحصار ، وعانى منه مع أسرته وأهله ،
وزملاؤئه فى مركزابن خلدون وتلاميذه فى جامعات مختلفة الشيئ الكثير،
فقد وقع مقال سلماوى وكتاب مختار قاسم من قبله بعدة سنوات على جراح ،
أو شكت أن تندمل. ولكنها كأى جراح غائرة تترك من ورائها أثارا غير
منظورة ، وندوبا منظورة ، هى فى حالتنا تدهور عصبي ، يؤثر الى اليوم
(بعد ست سنوات) على سلوكنا الحركى – المشى والتوازن الجسماني. و لذلك
تأملت كثيرا وأنا فى سجون مبارك لسنتين ، أزمة الثقافة و المثقفين ،
وكتبت ، ومازلت أكتب عنها ، فى سياقات مختلفة ، كلما ألحت الحاجة الى
تحليل وجها من وجوه ازمة الثقافة والمثقفين فى مصر والعالم العربي
ومنها هذا التقديم الذى ألهمنى اياه مقال الصديق محمد سلماوى.
ولكن كما فى كل أزمة –
كما يقول المثل الصيني – "هناك مشكلة عويصة ولكن أيضا فرصة سانحة
للأفضل" . واعترف أنه كانت فى تجربة سجنى العديد من الفرص ، لأتعلم
الكثير عن نفسي وعن جوانب شتى من الطبيعة البشرية ، وعن مؤسسات
مجتمعى ، وعن قوى الخير والشر فى مصر والعالم . ومن ذلك المؤسسة
الأمنية والمؤسسة القضائية فى أسوأ وأحسن صورهما.
ومن ذلك أنه خلال
السنوات الثلاث التى أعقبت خروجي من سجون مبارك ، تضاعف تكريمي
بالجوائز والشهادات الفخرية ،أكثر مما حصلت عليه فى الأربعين سنة
السابقة لدخولى السجن. و لأن الذي يحصل على هذه الجوائز يلقى عادة
كلمة فى حفل تسلمها . ولأن الصحافة المحلية و الدولية التى كنت أتلقى
فيها هذا التكريم كانت تنقل ما ألقيه من كلمات فى هذه المناسبة ، فقد
كنت أحرص على أن أقول جديدا فى كل مرة، وخاصة اذا كنت سأكرم فى نفسا
الدولة أكثر من مرة. وفى أحد المناسبات لم يكن لدى جديدا أبدا فى
كلمتى سوى التعبير عن خاطر صادق مر بى فى الدقائق السابقة لبدأ
الاحتفال ، وهو "ان الجائزة التى شرفتموني بها ، كان لابد ان تكون
مناصفة بيني وبين الرئيس حسني مبارك. فلولا ان الرجل أودعني السجن ،
لما تحولت من استاذ جامعى عادي ، يعبر عن أرائه بماتعود عليه من حرية
أكاديمية، الى شخصية عامة مرموقة كأحد سجناء الرأى والضمير ،ويحظى
بكل هذا التكريم..". وضجت قاعة الاحتفالات الكبرى بتلك الجامعة (فى
انديانا) بالضحك . ولكن تلك هى فعلا الحقيقة!.
فربما من كان يعرفني
قبل السجن لا يتعدون مليون شخص من مصر والعالم العربي و الدوائر
الأكاديمية و الحقوقية. ولكن بعد السجن خلال الفترة ما بين عامي 2000
و 2003 ، فإن من سمعوا اسمى وعرفوا شكلى قدتضاعف عددهم مائة مرة على
الأقل ،لتواتر التغطية الاعلامية فى الصحف والاذاعات و شبكات
التليفزيون ،وخاصة أثناء المحاكمات الثلاث التى مرت بها القضية. اذ
لم يعد مألوفا فىالبلدان المتحضرة أن يوضع المتهمون فى أقفاص حديدية
– مثل الحيوانات – كما هو الحال فى المحاكم المصرية.ولابد أن مشهدى ،
ومعى سبعة و عشرين من الباحثين بمركز ابن خلدون ، قد فتح شهية
الاعلاميين الغربيين ، فضلا عن موضوع القضية ، الذى أظهر تخلف نظام
مبارك ، وأعطى الفرصة لكل من يريدون تسوية حساباتهم معه ، وربما مع
مصر كلها ، أن يصولوا ويجولوا.
ولكن القضية كلها
بجوانبها الجادة و العبثية ، أعطت الفرص لكثيرين آخرين لتسوية
حساباتهم الخاصة ، سواء من الأجهزة الأمنية فى مواجهة المنشقين
والمعارضين ، مثل المتهم الأول فى القضية (سعد الدين ابراهيم) أو من
أحزاب المعارضة فى مواجهة تنظيمات المجتمع المدني – اعتقادا منها أن
تلك المنظمات سحبت منها أعضاءا فعليين او محتملين.
والأنكى من ذلك ، أن
قضية ابن خلدون ، أعطت الفرصة لزملاء من المثقفين ، و لمنظمات ومراكز
بحثية شقيقة للشماتة فى مركز ابن خلدون والعاملين فيه. وتصور البعض
من هؤلاء أن اختفاء المركز والعاملين فيه وراء القضبان سيفسح لهم
المجال لملأ الفراغ الذى كانوا يشغله الخلدونيون ـ بحثا و دعوة وعملا
فى المجال العام- مصريا و عربيا وعالميا. ولم يكن لنا ان نكتشف مشاعر
الشماتة هذه ، ان كان أصحابها قد ظلوا صامتين، أثناء محنة الخلدونيين
(2000-20003) .ولكن بعضهم لم يستطع ان يحتفظ بهذه الشماتة لأنفسهم ،
فقد سارعوا بالتعبير عنها ، حتى أثناء التحقيق مع الخلدونيين فى صيف
2000، وقبل أن يحالوا الى المحاكمة ، وقبل أن يدان أى منهم. وكان
أضعف الايمان بالنسبة لهؤلاء المثقفين أن يتريثوا ، أو ينتظروا
احتراما للقاعدة العامة ، أن المتهم يظل بريئا ، الى أن يصدرعليه حكم
بات ونهائي" ( أى لا يقبل الاستئناف او النقض من جهة قضائية أعلى).
بل ومن هؤلاء الشامتين ما استبق نهاية التحقيقات ،اوحتى الاحالة الى
المحاكمة ، او صدور اى حكم ، ليطالب بإعدام المتهم الأول (سعد الدين
ابراهيم) شنقا فى ميدان عام، حدده هو بأن يكون "ميدان التحرير" ،
أوسع و أشهر ميادين القاهرة.
وقدوثق أحد الباحثين
الشباب ، هومختار قاسم فى مجلد ضخم (600 صفحة) ، صدر عن دار ميريت
عام 2001 ، ما كتبه ونشره هؤلاء الشامتون، واختار عنوانا لمجلده
هو"مثقف تحت الحصار". وقدنفذت (او اختفت) نسخ هذا الكتاب من الأسواق
خلال أسابيع قليلة من ظهوره. كما قبض على المؤلف وحبس لعدة أسابيع
بعد التحقيق معه ، لأسباب قيامه بنشر الكتاب.
وكان بعض المثقفون
المصريون والعرب يدركون ان من الواجب التضامن المعنوي مع الخلدونيين
فى محنتهم ، وهو يواجهون السلطة الغاشمة لآل مبارك. وقد فعل خمسمائة
منهم ذلك فعلا .وقد تقدمهم الليبرالي و عالم الاقتصاد المرموق
الدكتور سعيد النجار. ود.ابراهيم الدسوقى أباظة، ود.ابراهيم شحاتة،
ود.محمد الجوهرى ، ود. عبد المنعم سعيد ، ود. حسام البدراوى، واللواء
الدكتور احمد عبد الحليم، ود.احمد كمال أبو المجد، ود. حازم الببلاوي،
والفنان محمد نوح ، والكاتب الصحفى سلامة أحمد سلامة، ود.ميلاد حنا
،ود.محمد السيد السعيد، وأمين المهدى ، ورضا هلال، و د.مدحت خفاجة ،
وفريد زهران، وأحمد عبد الحفيظ، ويوسف سيدهم ،و رمزى زلقمة ، ودلال
البرزى ، و فريدةالنقاش ، ونهلة الشال وصلاح عيسى ، ووافية النقاش ،
وابراهيم عيسى ، وصلاح منتصر ، و الكاتب المسرحى على سالم، والمفكر
الاسلامى جمال البنا،والقطب الاخواني عصام العريان، و آخرون تضيق
الصفحات المحدودة لهذه المقدمة عن ذكرهم جميعا .ولكن نفس الباحث الذى
وثق ما فعله و كتبه هؤلاء الشتامون وثق أيضا ما فعله وكتبه ما سماهم
"المثقفين الشرفاء" ، تمييزا لهم عمن سماهم "الراجمون بالحجارة"!.
وضمن أحداث قضية ابن
خلدون كان هناك تضامنا دوليا واسعا . وكان من بين أهم المتضامنين
الناشطة الايطالية ، وعضوة البرلمان الأوروبي ايما بنينو
Emma Bonino
التى أتت لمصر عدة مرات لحضور جلسات المحاكمات
الأولى و الثانية والثالثة. والتقت فى تلك الأثناء بعشرات ممن قيل
لها أنهم "مثقفون مصريون" .و فوجأت السيدة التى لم تكن قد قابلت أيا
من الخلدونيون السبعة وعشرين ، ولم تكن قد تعرفت على المتهم الأولى
فى القضية، إلا وهو فى قفص الاتهام ، أن معظم من قابلتهم كانوا
يتهربون من اتخاذ موقف تضامني مع الخلدونيين. ولما كانت هى تسألهم
لماذا ؟ كانت تسمع ما أدهشها من أعذار. فمن قائل أنه يختلف مع المتهم
الأول فى هذه المسألة السياسية اوتلك ومن قائل أنه لا يتفق مع المتهم
فى توجهاته الديمقراطية او موقفه من أمريكا و الغرب و اسرائيل، أو
بسبب دفاعه عن حقوق الأقباط و الأقليات ، وهو ما يفتح فى رأيهم الباب
للفتن أو التدخل الأجنبي . ومنهم من تهرب بذريعة أن المتهم الأول كان
"ناصريا" ، وهو يمقت الناصريين. أو أولئك الذين تملصوا من التضامن مع
المتهم لأنه كان ناصريا وتخلى عن ناصريته !. ومنهم من قال أن المتهم
يعمل فى الجامعة الأمريكية، ومتزوج من أمريكية،وهو (اى المثقف الرافض
للتضامن مع المتهم)، يمقت كل ما هو أمريكي. وسمعت أعذارا أخرى شتى..
فقالت السيدة فى أحد مقابلاتها لصحفية ايطالية "ان المثقفين المصريين
الذين رفضوا التضامن مع د. سعد الدين ابراهيم الليبرالى ، رفضوا أيضا
التضامن مع الناشطة النسائية نوال السعداوى الاشتراكية الماركسية ..
انهم لا يتضامنون الا مع شهيد كامل يكتمل مثل المسيح اوغاندى.. وهذا
مجرد غطاء للخوف أو الغيرة اوالعجز عن فهم معنى حقوق الانسان
اوالالتزام بالدفاع عنها ، حتى فى حالة من نختلف معهم ..!"
وربما ما قالته السيدة
بنينو يلخص أزمة المثقفين المصريين ، و ربما كل المثقفين العرب
المعاصرين .فقيم الحرية و الحق الانساني فى التعبير و الاختلاف لم
تتعمق فى معظمهم بعد . ومازالت تحكمهم، بدلا من ذلك، قيم مغرقة فى
الذاتية والقبلية، بمعنى التمركز حول "الأنا الفردانية" او فى أحسن
الأحوال مع "الأنا الجمالية". اى مع من هم "مثلى" (أومن أقربائي ، من
نفس العائلة او القبيلة او الحزب). وربما هذا هو أحد أسباب ضعفهم فى
التأثير على مجتمعهم أو فى السلطة الحاكمة. بل ربما كانت هذه
"الذاتية" و "القبلية" هى ما يغرى السلطة ويسهل عليها الاستهانة بهم،
والتنكيل بهم فرادى، مطمئنة ان رفاقهم سيخافون و لن يجرؤ معظمهم على
التضامن مع من استهدفه السلطان!.
ولكن حتى بعيدا عن
سيناريو قضية مركز ابن خلدون و د. سعد الدين ابراهيم الذي تكرر فى
قضية حزب الغد ، ورئيسه أيمن نور، بعد خمس سنوات ، فإن أزمة المثقفين
المصريين هى فى كثير من جوانبها تعكس ازمة أكبر و أعمق للثقافة
العربية عموما و المصرية خصوصا وهو ما لابد أن نتطرق اليه كلما سنحت
الفرصة لذلك.
وقد سنحت هذه الفرصة
عندما ألح عديد من الأصدقاء و الزملاء ، الذين كانت تفوتهم قراءة ما
أنشره من مقالات فى الصحافة المصرية و العربية ، بضرورة اعادة
تجميعها ونشرها فى كتاب أوأكثر. وهذا ما تفضل بالقيام به نيابة عنا
اثنان من مساعدى فى مركزابن خلدون ، هما الباحث شريف منصور و الباحثة
فاطمة صابر. فلهما منى أعمق الشكر و العرفان. وقد قاما بتجميع كل عدد
من المقالات التى تندرج تحت موضوع واسع ، فى كتاب منفصل . فكان هذا
الكتاب بعنوان "أزمة المثقفين والثقافة العربية".
أرجو أن يسهم الكتاب
فى الحوار الهام و الملح فى اعادة مراجعة همومنا ومشاكلنا ، بلا حرج
أو خوف ، "فمن أخفى علته قتلته" . وعلى الله قصدالسبيل.
د. سعد الدين
ابراهيم
المقطم : مركز ابن
خلدون
3/1/2006