نشرة المجتمع المدنى

العدد 3 أزمــــة  المثقفين والثقافة العربية

تعليقات و ردودعلى بعض المثقفين و المفكرين

الكاهن الأعظم ووصاياه العشر

د. سعد الدين إبراهيم

يوليو 2005

من أطرف ما قرأته في الصحافة المصرية مؤخرا، ما يشبه حواراً ضمنياً بين السيد أسامة الباز، مستشار رئيس الجمهورية بالأمن القومي، والصحفي سليمان جودة، الذي يكتب عموداً يومياً في المصري اليوم.

كانت مناسبة الحوار، مقالاً لأسامة الباز، في صحيفة أخبار اليوم (16/7/2005) بعنوان "الوصايا العشر... حتى لا يندم بعد هذا أحد". دار مقال الباز حول الصفات التي ينبغي توافرها لمن يصلح رئيساً لجمهورية مصر العربية. من ذلك أن يكون المرشح" 1ـ ملماً بتاريخ بلده وتراثه، 2ـ أن تكون لديه خبرة كافية باتخاذ القرارات الحاسمة، 3ـ أن تتوافر له القدرة على تشخيص الأوضاع القائمة في الوطن تشخصياً سليماً وتحليلها بأسلوب علمي، 4ـ أن يكون المرشح قد اشتهر بالقدرة على الإدارة بأسلوب علمي رشيد، 5ـ أن تتوفر له القدرة على مخاطبة الجماهير والحصول على ثقتها بالصدق والمكاشفة، 6ـ أن يكون المرشح معروف بالصدق والأمانة والنزاهة، 7ـ أن تكون له خبرة معروفة في إدارة الأزمات، 8ـ أن يكون للمرشح اهتمام بالسياسة الخارجية، 9ـ ألا يكون المرشح معروفاً أو مستعداً للانصياع لقوى خارجية، و10ـ ألا يكون قد اشتهر عنه التردد أو التذبذب في المواقف. ويبرر الأخ اسامة كل وصية أو حيثية من هذه الوصايا والحيثيات ببلاغة لفظية أنيقة وحميمة، توحي للقارئ بالمعرفة الوثيقة والعميقة ببواطن أمور رؤساء الجمهوريات. وفي ذلك فاللرجل كل الحق، حيث أنه قضى معظم حياته العملية في خدمة الرؤساء الثلاثة الذين تداولوا السلطة في مصر خلال الأربعين سنة الأخيرة ـ عبد الناصر والسادات ومبارك. وكانت معظم هذه السنوات مع مبارك، وكان فيها أقرب مستشاريه، وخاصة في شئون الأمن القومي والسياسة الخارجية. وبالتالي يستحق نصيباً من الثواب والعقاب على المنجزات والاخفاقات في هذين المجالين وهو ما ربما نعود إليه في فقرة أخيرة.

وضمن ما لاحظه الصحفي سليمان جودة، وقاله في سخرية لاذعة، هو أن أسامة الباز نسي أن يقول صراحة في نهاية وصاياه العشر، هو أنه يشترط أن يكون اسم الرئيس هو حسني مبارك.

كذلك تساءل سليمان جودة، وبحق، هل اسامة الباز أو الشعب المصري يعرف مقدماً (عام 1981) ما إذا كان حسني مبارك يمتلك كل أو معظم، أو حتى أياً من هذه الصفات العشر؟ وماذا إذا كان قيل له وقتها، أو الآن (2005) أنه لا يحوز كل أو معظم هذه الصفات التي تؤهله لكي يكون مرشحاً لرئاسة جمهورية مصر العربية، طبقاً لمواصفات أسامة الباز؟ وهل يا ترى جاهر أسامة الباز، أو حتى همس في إذن حسني مبارك بما يتطوع الآن بتقديمه لمن يفكرون أو ينوون ترشيح أنفسهم لرئاسة الجمهورية؟

إن هذه وغيرها من تساؤلات سليمان جودة جديرة بأن يجيب عليها أسامة الباز، حتى يرتفع مستوى الحوار العام حول هذه المسألة الحيوية لحاضر ومستقبل مصر. ورغم مرور أسبوعان، لم أر رداً أو تعليقاً من أسامة الباز. وأغلب الظن أنه لن يرد على تعليق وانتقادات سليمان جودة، إما تعالياً على الصحفي الشاب (في عمر أولاده) أو لأنه كمستشار لرئيس الجمهورية لا يفعل إلا ما يؤمر به ـ أي أنه أُمر أن يسجل الوصايا العشر، وقبيل فتح باب الترشيح بأيام، ولكنه لم يؤمر بأن يتجاوز ذلك للدخول في مساجلات مع أحد، وخاصة إذا لم يكن رئيساً لتحرير، ولجريدة مستقلة أو معارضة مثل المصري اليوم. إن المرات التي كتب فيها أسامة الباز أي شئ في الصحافة المصرية هي مرات معدودة ـ وربما على أصابع اليد الواحدة ـ خلال الأربعين سنة التي تبوأ فيها مواقعه في قمة السلطة. ولا نظن أن ذلك لعجز في قدراته على الكتابة، أو لندرة في المعلومات. فكما رأينا من "وصاياه العشر" يملك الرجل قلماً سيالاً، وفيضاً متدفقاً من الأفكار. أغلب الظن أن المقال كان "تكليفاً" رئاسياً محدداً في توقيته مثل عشرات المهام التي يُكلف بها من رؤسائه طوال الأربعين سنة المنصرمة ـ سواء داخل مصر أو خارجها.

كان مما قاله سليمان جودة، واستغرب أن يكون مما فات أسامة الباز أن البشر، كل البشر، بما فيهم رئيسه الحالي حسني مبارك ورئيساه السابقان، أنور السادات وجمال عبد الناصر، لا يولدون رؤساء، ولم تولد معهم أي من الصفات العشر التي عددها في وصاياه. إنها صفات يكتسبها البشر في مراحل حياتهم المتتالية ـ بعضها في مرحلة الطفولة، وأخرى في الصبا والشباب، وأخرى في مرحلة النضج والكهولة، وحتى الشيخوخة. بل إن معظم ما ذكره اسامة الباز من صفات لا يمكن اكتسابها أو التيقن من وجودها إلا بعد أن يحتل الشخص موقع الرئاسة. من ذلك مثلاً، القدرة على اتخاذ القرارات الوطنية الحاسمة (الوصية الثانية)، وإدارة الأزمات (وصية رقم 7)، أو ضليعاً في السياسة الخارجية (وصية رقم 8)، هذا فضلاً عن أن معظم ما ورد في قائمة مستشار الرئيس يصلح شروطاً لأي "عريس" يختاره أو يوافق عليه أي أب لابنة له من سن الزواج، أو أي مهني ناجح (مثل الطبيب والمعلم والمهندس والمحامي والممثل). فهؤلاء جميعاً يشترط فيهم توفر القدرة على التشخيص العلمي للمشكلات القائمة والمستجدة (توصية رقم 3) والإدارة باسلوب علمي سليم (وصية رقم 4).

أما إذا كانت هذه الوصايا أو الصفات العشر متوفرة في "سيد القصر الجمهوري الذي يخدمه أسامة الباز، فلماذا لم تظهر نتائجها بعد ربع قرن؟ وإذا لم تكن متوفرة في "سيد القصر"، بينما يعتقد أسامة بضرورة توافرها في سيده، فلماذا لم يتركه ويبحث عن سيد آخر، تتوفر فيه هذه الصفات؟ أم هل أن أسامة الباز يضع شروطاً تعجيزية إضافة إلى تلك التي وضعها الحزب الوطني في الاستفتاء التعيس وقانون الترشيح لرئاسة الجمهورية؟

من اللافت للنظر اختيار أسامة الباز لعنوان مقاله. "فالوصايا العشر" هو تعبير "ديني ـ توراتي ـ إنجيلي"، يشير إلى أوامر إلهية مقدسة، من صاحب الجلالة إلى نبيه موسى عليه السلام، وتنطوي هذه الأوامر الإلهية على عقاب من يعصاها أو يخالفها، إما في الدنيا (عقاب عاجل) أو في الآخرة (عقاب آجل). ولم ينس أسامة الباز بدوره أن ينذرنا بعبارة إضافية في عنوان المقال، "وهي حتى لا يندم بعد هذا أحد". وهكذا فقد أعذر من أنذر... آي والله!

من الوصايا الغائبة في فقه السلطة والسلطان، للعالم العلامة والحبر الفهامة أن يكون قد عرفت عن الرئيس أو المرشح للرئاسة أنه "يحترم إرادة شعبه"، ويحرص على معرفتها دورياً، و"النزاهة" بحيث لا يزّور أو يصادر هذه الإرادة في الانتخابات العامة، وأن يكون قد عُرف عنه "الأمانة"، أي ألا يكون هو أو يسمح لمن حوله بالفساد، أي الإثراء باستخدام مواقعهم في السلطة أو القرب منها. وهكذا في مقال من حوالي ألف كلمة، في عام 2005، لا نجد ذكراً "للديمقراطية" أو "الحرية" أو العدالة أو حقوق الإنسان مرة واحدة. فمن الواضح أن هذه المفاهيم الحقوقية لا مكان لها لا في قاموس أسامة الباز، ولا في وعيه السياسي المعلن على الملأ، حتى وهو يتحدث عن موضوع سياسي ينطوي علي "ترشيح" و"انتخاب" لقمة السلطة في مصر المحروسة. وهذا أيضاً رغم أن الرجل قد درس الحقوق في أعرق جامعة مصرية (فؤاد الأول أو القاهرة فيما بعد) وفي أعرق جامعة أمريكية (هارفارد).

كانت طبقة "الكهنة" في مصر القديمة تتولى مسئولية توظيف الدين لتكريس خضوع المصريين لسلطة الفرعون. وهم الذين أبدعوا مفهوم "الملك ـ الإله" (god- King)، لكي تتكامل سلطته "الزمنية ـ الدنيوية" مع سلطته "الروحية ـ الأخروية". وهكذا تكون السيطرة كاملة أبدية من جانب الملك ـ الإله، والطاعة واجبة ـ عمياء من جانب الشعب. وكانت طبقة الكهنة تحيط نفسها بغلالة كثيفة من الغموض والكتمان. وهي حافظة الأسرار، ومستودع المعرفة والحكمة، تقيم الصلوات ومراسم التتويج، وتبارك الولادات، وتعقد الزيجات، وتقود الجنازات والوفيات إلى مثواها الأخير في البر الغربي للنهر، حيث تغيب الشمس.

وكان لطبقة الكهنة كبير، هو الكاهن الأعظم. وحينما فرغت من قراءة "الوصايا العشر... حتى لا يندم بعد هذا أحد" قفزت إلى مخيلتي هذه الصورة التاريخية لكبار كهنة مصر الفرعونية، يحملون المباخر في موكب مهيب، يتقدمهم الكاهن الأعظم الذي يكاد يتطابق في حجمه، ورسمه، واسمه مع أسامة الباز، ومن خلفه أشباه صفوت الشريف، وفتحي سرور، وزكريا عزمي، وعمر سليمان، وحبيب العادلي. أما الذي لست متأكداً منه هو ما إذا كان الموكب "جنائزياً" إلى البر الغربي لتوديع فرعون إلى مثواه الأخير، أو تتويجاً في البر الشرقي لفرعون جديد. وليس أكثر خبرة بهذا أو بذاك في مصر المحروسة من أسامة الباز. فقد شارك في أربعة من هذه المواكب إلى تاريخه. والله أعلم

بين خالد محي الدين... وهيكل... والسيد ياسين

سعد الدين إبراهيم

اكتوبر 2004

 ما زال مثقفونا في الوطن العربي مسكونون بنظريات المؤامرة. فعندهم كل جديد بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فهي مؤامرة أمريكية، أو إسرائيلية، أو غربية، بهدف اختراقنا، والهيمنة على مصائرنا، واستغلال ثرواتنا. وكان آخر ما طالعناه من تجليات هذه العقلية العربية التآمرية، مقالاً للأستاذ السيد ياسين بعنوان "الإسلام الليبرالي من التخطيط الاستراتيجي إلى التطبيق العملي"، نشره في كل من "المصري اليوم" و "الاتحاد الإماراتية" (21/10/2004). وهو ملئ بالفانتازيا، التي اعتمدت في مصادرها "العلمية" على جريدة مصرية تسمى "الأسبوع". والمقال جدير بالقراءة المتمعنة، لا لقيمته الفكرية، ولكن لأنه تجسيد درامي لحالة مرضية، أطلقنا عليها في مقالات سابقة، "مدرسة فقه النكاية والوشاية". ويتسم هذا الفكر بالرفض التشنجي لما قد يكون مفيداً ومطلوباً ومرغوباً، لا لشيء إلا نكاية في طرف آخر، توهماً أن ذلك سيضايقه أو يضره. وسنعود في نهاية هذا المقال لأوهام الأستاذ السيد ياسين، ولكن بعد إشارتين لتصريحات صدرت في الآونة الأخيرة، عن الأستاذين خالد محي الدين ومحمد حسنين هيكل، وتمهدان للرد على مقولات السيد ياسين.

نقلت صحيفة "نهضة مصر" (6/10/2004) عن الأستاذ خالد محي الدين، عن خطاب له في مؤتمر شعبي في القليوبية "أن أحزاب المعارضة في مصر ضعيفة، والحزب الوطني ومن ورائه النظام الحاكم عنيد، ولا يريد الإصلاح السياسي، ولا أمل والحالة كذلك في ديمقراطية حقيقية إلا بضغوط خارجية، ولا مانع لدي من ضغط أمريكي لتحقيق الديمقراطية في مصر...".

ولولا تاريخ وتراث خالد محي الدين، أحد زعماء ثورة يوليو، ومؤسس حزب التجمع اليساري، لسارع أمثال الأستاذ السيد ياسين باتهامه بأنه يروج للأجندة الأمريكية في مصر والعالم العربي. فمدرسة الوشاية والنكاية ترفض "الديمقراطية" لمجرد أن أمريكا على لسان رئيسها الحالي، جورج بوش، بدأت تدعو إليها في منطقتنا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.

لقد كان خالد محي الدين داعية للديمقراطية في مصر، ربما قبل أن يولد جورج بوش. وربما لا تتذكر الأجيال الشابة أنه أصطدم مع الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، بسبب هذه القضية عام 1954، حيث انتصر وقتها لوجهة اللواء محمد نجيب، التي كانت ترى ضرورة عودة ضباط الثورة إلى ثكناتهم، وإجراء انتخابات ديمقراطية حرة، يتسلم من خلالها المدنيون مقاليد الأمر في الجمهورية الناشئة، بعد خلع الملك فاروق وتغيير نظام الحكم. ودفع خالد محي الدين ثمن موقفه هذا، بالنفي خارج البلاد لعدة سنوات. ومن الواضح أن الرجل، وهو في مطلع الثمانينات، قد فاض به الكيل من ألاعيب ومناورات ومراوغات الحزب الوطني الديمقراطي، الذي يبدو له ولمعظم المصريين أنه حقيقة لا هو "بالحزب"، ولا "بالوطني" ولا "بالديمقراطي".

كيف ينسى أو يتجاهل الأستاذ السيد ياسين هو وأمثاله من مدرسة فقه الوشاية والنكاية الكفاح الديمقراطي لأربعة أجيال من أبناء مصر، لمجرد أن أمريكا أو الغرب يدعون للديمقراطية عندنا الآن؟ أليس ذلك هو الخبل بعينه؟ لقد كان الجيل الأول من دعاة الديمقراطية في مصر، أولئك الذين شبوا عن الطوق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكان الجيل الثاني هو الذي قاد ثورة 1919، وكان الجيل الثالث هو ذلك القطاع من أبناء ثورة يوليو الذي يرمز له خالد محي الدين. أما الجيل الرابع فهو الجيل الحالي الذي يبني على هذا التراث، والذي بدأ مسيرته الحالية بمؤتمر "أزمة الديمقراطية في الوطن العربي"، الذي عُقد في مدينة ليماسول القبرصية (1983)، وكانت إحدى ثمراته ولادة "المنظمة العربية لحقوق الإنسان، التي يرأسها حالياً الأستاذ محمد فايق، وزير الإعلام الأسبق في العهد الناصري، والذي كان قد قضى عشر سنوات في سجون الرئيس السادات، فخرج مؤمناً بأن "الديمقراطية هي الحل". وكان محمد فايق، مثل خالد محي الدين، من أصغر الضباط الأحرار عند قيام ثورة يوليو. ولكن اكتشاف خالد أن "الديمقراطية هي الحل" كان عام 1954، أي قبل محمد فايق بحوالي عشرين عاماً. ولا ندري متى سيكتشف السيد ياسين، وأترابه في مدرسة الوشاية والنكاية، ما اكتشفه خالد وفايق قبل خمس وعشرين عاماً على التوالي.

أما ظهور اسم الأستاذ هيكل في عنوان المقال فهو للتدليل على شيء مشابه لما حدث للأستاذ محمد فايق. كان هيكل وما يزال كاتباً صحفياً مرموقاً، وارتبطت معظم أمجاده بعلاقته الوطيدة بالزعيم الراحل جمال عبد الناصر، ورئاسته لتحرير الأهرام. غير أن دوره في النظام الحاكم تغير أثناء رئاسة أنور السادات (1970-1981) الذي لم يفرد له نفس المكانة المرموقة، وانتهى خلاف بينهما بعد حرب أكتوبر 1973، بإقالة أو استقالة هيكل من قلعته الحصينة في الأهرام في فبراير 1974. وبعد أن كان يكتب الرجل مقالاً أسبوعياً (بصراحة) على امتداد عشرين عاماً، توقف عن الكتابة في الأهرام لمدة عشرين سنة تالية، إلى أن كتب مقالاً بعد هذه الغيبة الطويلة في الأهرام، يوم 22 أبريل عام 1994 بعنوان "أقباط المهجر ليسوا أقلية وإنما جزء من الكتلة الإنسانية الحضارية للشعب المصري"، ليهاجم فكرة مؤتمر كان ينظمه مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، عن هموم وحقوق "الأقليات في الوطن العربي". وكان جوهر هجوم هيكل، أن الحديث عن هموم الأقليات في الوطن العربي عموماً، وعن هموم الأقباط في مصر خصوصاً، هو مصدر لإيقاظ فتن نائمة، ونكأ لجراح ملتئمة، وأن المؤتمر والقائمين عليه ينفذون أجندة خارجية، ويتلقون تمويلاً سخياً من مصادر أجنبية. وقامت الدنيا ولم تقعد لعدة شهور. ثم مرت بمصر أحداث طائفية جسام خلال السنوات العشر التالية، ربما كان أبرزها ما حدث في بلدة الكشح بمحافظة سوهاج في الليلة الأولى من الألفية الثالثة (31/21-1/1/2000). كذلك شهد الوطن العربي من الجزائر للعراق، لسوريا، للسودان أحداثاً عرقية وطائفية أكثر جسامة، هددت وما زالت تهدد وحدة هذه الأوطان.

الأستاذ هيكل قد يخطئ، ولكنه لا يكابر. وقد كان على خطأ حينما هاجم مؤتمر ابن خلدون عن هموم الأقليات. ولكنه اكتشف بعد عشر سنوات أن الذي يهدد وحدة الأوطان ليس هو المؤتمرات التي تدرس وتحلل وتستشرف، ولكنها الأنظمة التي تستبد، وتفسد، فتخرب البلاد، وتظلم العباد. وبعكس مدرسة الوشاية والنكاية التي يرمز لها السيد ياسين، فإن هيكل في سلسلة أحاديثه في قناة الجزيرة الشهر الماضي، وتحديداً في حلقته الثامنة والتي نقلتها بعض الصحف المصرية والعربية، اعترف بأن أكبر مشكلة تواجه العالم العربي في الوقت الراهن هي مسألة الأقليات. حسناً، فعل هيكل فالرجوع إلى الحق فضيلة. صحيح أنه أضاع من عمر الأمة عشر سنوات، حيث صرف بنفوذه الأدبي الهائل، الأنظار عن الاهتمام بتلك المشكلة، التي كانت بوادر انفجارها ظاهرة لكل عالم اجتماعي مبتدئ. ودفعت شعوب الأمة العربية ضريبة دم فادحة خلال تلك السنوات العشر.

وأخيراً، نأتي لصديقنا السيد ياسين، قطب الأقطاب لمدرسة الوشاية والنكاية. ونحن نعرف الرجل منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وخاصة في فترة عمله البحثي المبكر. ومن أقواله الطريفة حينما توقف عن البحث، هو أنه مثل لاعب كرة القدم حين يتقاعد، فهو إما يصبح "مدرباً"، أو "حكماً"، أو "معلقاً رياضياً". وقد اختار هو أن يكون معلقاً على الأعمال الفكرية للآخرين. ومن ذلك أنه خصص أربعة من مقالاته الأسبوعية في الأهرام، وصحف عربية أخرى للتعليق على تقرير أعدته باحثة أمريكية مجتهدة على ما يبدو، ولكنها غير معروفة، واسمها "شيرلي بينار" بعنوان "الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيجيات"، وقد نشرته مؤسسة راند، عام 2003.

ومثل كل المعلقون على المتون، كتب السيد ياسين عن ذلك التقرير، عدداً من الصفحات ربما يفوق عدد صفحات التقرير نفسه. وهذا دأبه طوال العقد المنصرم، في التعليق على أعمال آخرين.

وقد قفز السيد ياسين قفزة هائلة في مقاله الخامس الذي نشرته المصري اليوم والاتحاد بتاريخ (21/10/2004) ليدعي أنه:

"صدر قرار من الكونجرس الأمريكي بتخصيص منحة مالية ضخمة للوكيل الأمريكي المعتمد في مصر، لتنفيذ البرنامج الذي طرحته شيرلي بينار، وإمعاناً في التحدي تقرر أن تكون هذه المنحة خصماً من المعونة الأمريكية للحكومة المصرية. وقد تولى مركز ابن خلدون الذي يديره د. د. سعد الدين ابراهيمتنفيذ التوصيات الأمريكية بالإسهام في إعادة بناء الدين الإسلامي، بما يتفق مع القيم الأمريكية، ونظم في القاهرة مؤتمراً موضوعه "الإسلام والإصلاح".

ثم يدعي صاحبنا، "أن أخطر توصية تبناها المؤتمر دعوته إلى تنقية التراث من الحديث النبوي الشريف...".

ونبدأ نحن في الرد على ادعاءات السيد ياسين:

1 ـ إذا كانت الفقرة الأخيرة هي عينة ممثلة لاقتباسات وتأويلات الرجل، فبأس دقته العلمية، ونجزم في ضوئها أنه لم يقرأ بنفسه البيان الختامي للمؤتمر، ولكنه اعتمد على منهج "العنعنات"، أي على معلقي متون آخرين، فربما عن "الأنباء"، عن "الميدان"، عن "الأسبوع"، أن البيان الختامي قال... وقطعاً للشك فإننا نرسل مع هذا الرد، نص البيان الختامي، الذي نرجو أن تفرد له هذه الصحيفة حيزاً لنشره كاملاً.

2 ـ يبدو أن الأستاذ الجليل السيد ياسين، كغيره من مدرسة فقه الوشاية والنكاية، مصاب "بعقدة الخواجة"، وخاصة الخواجة "الأمريكي". وكما لم يعلق أبدأ، على اكتشاف أو إعادة اكتشاف جيلين مصريين وعربيين للديمقراطية قبل أن يتحدث عنها لمنطقتنا جورج بوش، فإنه لم يعلق أبداً على، وربما لم يقرأ ما كتبه المفكر الإسلامي الكبير جمال البنا، في مجلداته الثلاثة بعنوان "نحو فقه جديد"، الذي نادى بإعادة فتح باب الاجتهاد، وتنقية التراث، واستنباط أحكام فقهية جديدة عن النصوص القرآنية المقدسة، لكي يتوائم المسلمون مع عصرهم. وقد ظهر المجلد الأول منذ عشر سنوات، وظهر المجلد الثالث منذ خمس سنوات، أي ربما والآنسة شيرلي بينار، كانت ما تزال طفلة تحبوا، مثلما كان جورج الابن بوش، ما زال في بطن أمه حينما ناضل ونفى خالد محي الدين من أجل الديمقراطية!.

3ـ على فرض أن صديقنا السيد ياسين لم يعد يقرأ كتب الفكر الإسلامي المعاصر، ويكتفي بالتعليق على تعليقات الخواجات عليه، أفلم يطلع على العمود الأسبوعي للمفكر جمال البنا، في نفس أحد الجرائد الأسبوعية التي يكتب السيد ياسين فيها عموداً مشابهاً، وهي "القاهرة". لقد كتب جمال البنا مجدداً لدعوته للإصلاح الديني في الإسلام، بمناسبة الذكرى الأولى لأحداث سبتمبر 2001، أي في سبتمبر 2002، وأفردت له صحيفة القاهرة، صفحة كاملة، وبعنوان بارز حول الحاجة لحركة إصلاح ديني مثل تلك التي حدثت في أوربا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، على يد "مارتن لوثر" و "جون كالفن". أم أن الأستاذ ياسين، على ما يبدو، يكتفي من صحيفة القاهرة بنرجسية قراءة عموده هو فقط.

4ـ يتحدث السيد ياسين عن "وكيل أمريكي معتمد في مصر" خصصت له منحة مالية ضخمة، خصماً من المعونة الأمريكية لمصر. ولكن صديقنا الذي كان يوماً باحثاً مدققاً في مصادر معلوماته لم يكشف لنا عن وثائق أو أوراق الاعتماد لوكيلهم في مصر، ولا تاريخ هذا الاعتماد، ولا الجهةّ التي اعتمدته! فهل هي الكونجرس الذي خصص الأموال؟ أم البيت الأبيض الذي يرسم السياسات؟. أم الخارجية الأمريكية التي تنفذ هذه السياسات علناً؟ أم وكالة المخابرات المركزية التي تنفذها سراً؟ بودي حقيقة أن أعلم، حيث أن باحثي مركز ابن خلدون لهم مصلحة أكيدة في ذلك، إذا كانت الإشاعة صحيحة حيث ينتظر السذج منهم مضاعفة مرتباتهم عشرة مرات. فإذا تأكد صحة هذا الادعاء، وثبت أنه لم يكن شطحة من شطحات الفانتازيا الذي اصطنعها السيد ياسين، أو اصطنعها غيره، ورددها هو بطريقة "العنعنات" (أي عن، عن، عن أن صفراء اليمامة قالت أو رأت) ، فإننا نعده بتخصيص نسبة مئوية له مكافأة البشارة.

5ـ ليكن في علم الأخ السيد ياسين، أن مركز ابن خلدون يرعى مشروع الإصلاح الديني منذ منتصف التسعينات تحت إشراف د. أحمد صبحي منصور، الذي يشرف عليه المفكر الإسلامي جمال البنا، منذ نهاية عام 2000. ولكن المشروع توقف لمدة ثلاث سنوات حينما لفقت مباحث أمن الدولة، قضية مركز ابن خلدون الشهيرة، وقبض على سبعة وعشرين من العاملين فيه، وأوصدت أبواب المركز، وظل تحت الحراسة المشددة لقوات الأمن المصرية إلى أن تمت تبرأة جميع العملين في مركز ابن خلدون، بواسطة أعلى محكمة في الديار المصرية، وهي محكمة النقض، من جميع التهم التي كانت قد لفقت لهم. وبمجرد البراءة وإعادة فتح أبواب المركز، استأنف إعادة فتح باب الاجتهاد، واستأنف العمل في مشروع الإصلاح الديني، وتحت إشراف نفس المفكر جمال البنا، أطال الله عمره.

6ـ يتحدث صاحبنا عن قرار من الكونجرس بتخصيص منحة مالية ضخمة للوكيل المعتمد في مصر...". أن الكونجرس مؤسسة تشريعية، لا تصدر قرارات، ولكن "قوانين"، لكل منها رقم وتاريخ ومنطوق. وحيث لا علم لمركز ابن خلدون، إلى تاريخه، لا برقم ولا تاريخ ولا منطوق القانون، وحيث لم يطلب منا الكونجرس، ولم نعرض نحن، أن نكون "وكلاء معتمدين" لأحد في أمريكا أو غيرها، فليخبرنا صاحبنا الجهبذ بمصدر معلوماته لأنه، على حد معلوماتنا إلى يوم 25/10/2004، أن الوكيل المعتمد الوحيد، والذي يتلقى 2000 مليون دولار سنوياً، يخصصها الكونجرس الأمريكي بقانون، هي الحكومة المصرية وحدها، ولا شريك لها، ولا رقيب عليها، ولا حسيب لها، فإذا كان من يتلقى مثل هذه الأموال هم أدوات للسياسة الأمريكية، في أرض النيل، فعليه تسليط مهاراته "البحثية القديمة" أو "المباحثية الجديدة" الفذة، لا فقط لفضح هذا الأمر، ولكن تحديداً للكشف عن تفاصيل العلاقة المريبة بين رأس هذه الحكومة والباحثة "شيرلي بيتار"، التي انشغل بها السيد ياسين، وشغل بها قرائه في مصر والعالم العربي على امتداد الشهور الخمسة الأخيرة.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله، في هذا الشهر الكريم، لي وللسيد ياسين، وحتى للحسناء "الكتابية" شيرلي بيتار!.

 عادل حمودة فارس بلا قضية

سعد الدين إبراهيم

نوفمبر 2004

 في توقيت غريب لا معنى له بالمرة، فتح الأستاذ عادل حمودة في صحيفة صوت الأمة، معركة من طرف واحد على مركز ابن خلدون، ورئيس أمنائه، سعد الدين إبراهيم. وإلى تاريخه (15/11/2004) خاض أ. عادل حمودة ثلاث جولات، على ثلاث صفحات، في ثلاثة أعداد متتالية من صوت الأمة،  التي يرأس تحريرها، ويمتلك سلطة مطلقة على ما ينشر فيها (انظر 1/11/2004 و 8/11/2004 حتى عندما نُشر لنا رداً مقتضباً في آخر هذه الأعداد بتاريخ 15/11/2004 أبى إلا أن يقرن ردنا عليه في نفس الصفحة، مع مقال آخر عمره عشر سنوات للمؤرخ يونان لبيب، واختار لموضوع معركته قضية عفى عليها الزمن، وتجاوزتها الأحداث في مصر والوطن العربي والعالم، ألا وهو مؤتمر الأقليات والملل والنحل في الوطن العربي، الذي نظمه مركز ابن خلدون في شهر مايو 1994. وتمحورت معركة عادل حمودة المعلنة حول نقطتين: الأولى، أن الداعين غلى المؤتمر، اعتبروا أقباط مصر "أقلية"، وهو لا يعتقد بذلك، ويرى أن أي مصري  لا يشاركه هذا الاعتقاد هو مذنب في حق دينه، وخائن لوطنه، وعميل لمن يريدون بالأمة سوءاً. أما سنده  ودليله على ذلك فهو مقال كتبه أستاذه ومثله الأعلى في الصحافة الأستاذ محمد حسنين هيكل، كرّم الله وجهه، وأطال عمره. وكان ذلك المقال قد نُشر في وقتها في صحيفة الأهرام بتاريخ 22/4/1994. واعاد عادل حمودة نشره ثانية في صحيفة صوت ألمة بتاريخ 8/11/2004، دعماً لحجته في المعركة التي لم يحاربها عام 1994، مع هيكل وغيره ممن لا أتذكرهم الآن. أما لماذا تذكر حمودة الأمر، واختار أن يدخل معركة قديمة بسلاح قديم، فهو أمر لا يعرفه ولن يعرفه إلا حموده نفسه، وربما بعض الأجهزة المعنية بملف الأقباط. وسنقدم اجتها&#