نشرة المجتمع
المدنى
العدد 4 الاسلام و العالم
مـــــقدمــــــــة
عودة الى الاسلام والعالم
د. سعد الدين ابراهيم
ما يزال"الاسلام" كدين
، و المسلمين "كبشر" يشغلون بقية العالم ، وغير المسلمين. ورغم أن
هذا الانشغال كان قد بدأ قبل سنوات من تفجير "مركزالتجارة العالمي"
فى مدينة نيويورك فى 11 سبتمبر 2001 ، إلا أن هذا الحدث الأخير كان
فاصلا حرجا فى هذا الانشغال ، فقد تضاعف الاهتمام ، وتضاعف معه الخوف
من هذا الدين ومن أصحابه ومعتنقيه.
ولا ينبغى لنا – نحن
المسلمون- أن ننكر هذه الحقيقة أو أن نكتفى برمى المتهمين و الخائفين
منا بتهم ساذجة ،مثل "التآمر" أو "المؤامرة" على الاسلام. فلا أحد ،
سواء كان فردا أو جماعة – يولد خائفا او متحاملا من فرد آخر اوجماعة
أخرى. ولكن هذه المشاعر ، وما يصاحبها من سلوك ، هى أمور نكتسبها
سواء من خبرات حياتية مباشرة أو قرأوا عنها . ولا يعني ذلك انعدام
المغرضين و المضللين ، الذين لأغراض سياسية و مادية ، اى دنيوية
خالصة، يقومون بالشحن النفسي و التحريض الثقافي والحضارى ضدالاسلام
والمسلمين.
ولكن هذا الكاتب من
أنصار المدرسة النقدية ، التى تبدأ بفحص الذات الجماعية ، قبل، أو
على الأقل ، مع اتهام الآخر الجماعي، بالتحامل علينا، اواستهدافنا
كشعوب أوكثقافة ودين. فحتى اذا كان ذلك قد حدث فى حقبات تاريخية
سابقة – مثل زمن الحروب الصليبية ، أو عهد الاستعمار فى قرون سابقة –
فلا ينبغى أن نظل أسرى تلك الأزمان السالفة . فكل زمان وكل مكان
تحكمه قواعد وقوانين متغيرة، وخاصة بها. نعم لا ننسى الماضى ، ونتعلم
من دروسه. ولكن نتعلم مع الحاضر بمنظار الفهم و آليات للسلوك تتفق مع
المعطيات وموازين القوى المعاصرة.
ان ما حدث فى نيويورك
صباح 11 سبتمبر 2001 وأودى بحياة ما يقرب من ثلاثة آلاف من البشر ،
معظمهم من الأمريكيين المدنيين ، ومن ثلاثين جنسية أخرى ، الذين
كانوا يسعون سلميا فى الأرض لكسب أقواتهم ، ولم يفعلوا شيئا لايذاء
الاسلام و المسلمين. بل وقيل ان من بين الضحايا فى ذلك الصباح ما
يزيد عن مائة مسلم من جنسيات أسيوية وشرق أوسطية و افريقية
مختلفة.وكان الذين قاموا بتفجير برجى التجارة ادعوا انهم فعلوا ذلك
باسم الاسلام والمسلمين معنويا ، باعطائهما سمعة العنف والبربرية
والارهاب و أساؤا لدار الاسلام ماديا ، بتعريضهما لانتقام الأقوياء
وغزواتهم ، على الأقل من بلدانها ، وهما أفغانستان ، ثم العراق،الى
تاريخه (2005).
وقد دفعت هذه التطورات
العقلاء من المفكرين الاسلاميين الى أن المعتقدات و الأحكام
والممارسات الاسلامية تحتاج الى مراجعات جادة ، لتنقيتها من الشوائب
والخزعبلات التى علقت بالاسلام ، على مر العصور، وشوهته ، أوجمدته فى
متاحف القرون الوسطى. وكان المفكر الاسلامي النابه جمال البنا ، من
أوائل من دعوا الى اصلاح الفقه الاسلامي ،وتجديده باعادة فتح باب
الاجتهاد على مصراعيه ، وعدم قصره على "رجال الدين" ، بحيث يتسع هذا
الفقه لمستجدات القرن الحادى و العشرين، بعد أن ظل حبيس القرن الثالث
الهجرى ، العاشر الميلادي. وضمن هذه المبادرة ، وأمثالها، لاصلاح ما
أفسده غلاة المسلمين ، كان لابد أن يصطدم المجددون بفريق من
"الأدعياء" . الفريق الأول ، يريد احتكار الحديث بإسم الاسلام ،
بدعوى انه درس و تخصص . وحقيقة الأمر أن هؤلاء – سواء فى الأزهر ، أو
الزيتونة ، أوالنجف، أو قم ، لم ينجحوا خلال القرنين الماضيين فى
بلورة ما يكفى و ما يناسب متطلبات العصر الحديث. بل أنهم ، وبدعوى
التخصص، أسهموا فى عزل الاسلام عن الحياة.وكلما منى المسلمون بفشل او
انتكاس او هزيمة ، سارعوا بالاتهام بأن غير المسلمين يتربصون بنا
شرا، ويكيدون لنا كيدا ، ويريدون أن يطفئوا نور الله الذى اصطفى به
الاسلام والمسلمين. ونسأل أولئك الذين يريدون احتكار الاجتهاد و
الفتوى فى الاسلام، بدعوى أنهم أهل الاختصاص ، كيف نجح المسلمون
الأوائل ، ولمدة قرنين، فى تشييد أعظم امبراطورياتهم ، و التى امتدت
من حدود الصين شرقا الى شواطئ الاطلنطي غربا، وأداروا شئون دينهم
ودنياهم دون فئة متخصصة من مشايخ الأزهر أو آيات الله من قم او النجف
الأشراف؟. وكيف أنه مع ميلاد وترعرع هذه التخصصات المدرسية الدينية ،
بدأ التدهور فى أمور الدنيا و الانحطاط فى أمور الدين؟ .
أما الفريق الثاني من
الأدعياء الذين يريدون احتكارالحديث باسم الاسلام و المسلمين ، فهم
من يعتقدون بان التمسك بأهداب الدين وأحكامه، دون تهاون أو تخازل، هو
المنقذ من الضلال، وهو الجدير باستعادة الفردوس المفقود. أى عصر
النبوة والخلفاء الراشدين- أى ما ساء خلال العقود السبعة الأولى
للاسلام. وينسى هؤلاء الأصوليون المتشددون أن ثلاثة من الخلفاء
الأربعة ماتوا قتلا بسيوف اوخناجر مسلمين آخرين . من الذين تلقوا
صحيح اسلامهم على يد الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى يد الصحابة
الأولين من مهاجرين وأنصار. أى أن عصر الخلافة الراشدة لم يكن فردوسا
ولا عسلا مصفى ولكنه كان مجتمعا بشريا ، فيه كل أنواع البشر بأخيارهم
و أشرارهم، بفجورهم وتقواهم. والقرآن الكريم نفسه لم يتحدث او يتوقع
من المسلمين ان يكونوا مجتمعا من الملائكة الذين لا يخطئون، ومن ثم
فإن الأدعياء المتزمتون لا يفقهون صحيح دينهم ولا طبيعة دنياهم. ولم
يسأل أى منهم نفسه لماذا فشل كل من حاول ان يستعيد ذلك الفردوس
المفقود على الأرض رغم تكرر المحاولات طيلة أربعة عشر قرنا؟. وحقيقة
الأمر أن كل من حاول تأسيس المدينة الفاضلة او المجتمع الطوباوي، منى
بنفس الفشل والاحباط، سواء فعلوا ذلك باسم الاسلام ، مثل طالبان فى
افغانستان ، أوآية الله فى ايران، أو الترابيون فى السودان ،
أوحاولوا ذلك باسم الماركسية ، كما حاول لينين و ستالين فى روسيا
البلشفية، أو فيدل كاستروا فى كوبا اللاتينية. او باول بوت فى
كنفوشيا الأسيوية.
ربما كانت النماذج
المجتمعية الأقرب لفردوس الاسلاميين المتشديين هى البلدان
الاسكندنافية (السويد والنرويج و الدانمارك) . فهى أكثر مجتمعات
الدنيا من حيث كفاءة الانتاج و العدالة فى التوزيع. ولكن ما قد يأخذه
الاسلاميون المتزمتون على هذه المجتمعات هووفرة الحريات الشخصية ،
بما فى ذلك الحرية الجنسية، و السعى المشروع للمتعة والسعادة. و
الاسلاميون المتشددون حسب ما نقرأ فى أدبياتهم ، ونرى فى ممارساتهم
يعتبرون مثل هذه الحريات ، اباحية و انحلال. ومع ذلك ينسى هؤلاء
المتزمتون ، رغم اباحيتها، هى الأكثر ثراء وعدالة وتقدما. و أن نصف
الشباب فى عالمنا العربي يحلم بالهجرة الى هذه البلدان طبقا لما
أورده تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2002.
ان المشكلة اذا ليست
فى الاسلام القرآني كنصوص مقدسة، ولكن فى التفسيرات البشرية لهذه
النصوص والتى جاءت فى الغالب ملوثة بكل المقاصد الدنيوية. ومن ذلك
علاقة الاسلام بالسياسية. وقد قيل فى الموضوع ان "الدين قداسة و
السياسية نجاسة" ولكن حتى مع صحة هذه المقولة ، فإن من حق الاسلاميين
ان يشاركوافى العمل العام . المهم فى هذه المشاركة ان يلتزم
الاسلاميون بنفس الروح والجدية ، وقواعد العملية الديمقراطية، وهى
حكم القانون الوضعى، الذى يسنه البشر ،واحترام حقوق المواطنة الكاملة
للنساء و لغير المسلمين، ولمبدأ التداول السلمي للسلطة من خلال
انتخابات دورية محددة المواقيت مقدما. واحترام الحريات الأساسية ،
ومنهاحق التعبير والابداع الأدبي والفنى والالتزام بالقوانين
والمعاهدات الدولية. وهذا مافعله حزبي العدالة والتنمية فى كل من
تركيا و المغرب. وهماخلفيات وتوجهات اسلامية منذ انتخاب أعضائها
لبرلماني البلدين عام 2002 . و لذلك نقول أنه ، مع الآداء الرفيع
للاخوان المسلمين فى ألانتخابات البرلمانية المصرية فى أواخر عام
2005، لا ينبغي لنساء مصر وأقباطها أن يخافوا، أو يفزعوا ،أويتقوقعوا
. ولكن أن ينغمسوا ويشاركوا و يحاوروا الاخوان وغيرهم من القوى
السياسية . فالمشاركة الفعالة هى التى تقى الجميع شر جنوح او جموح
الأقلية او الأغلبية على السواء.
وهذا الكتاب هو
اجتهادات صاحبه التى نشرها فى شكل مقالات متناثرة مع تبرئته وخروجه
من سجون مبارك (2000-2003) وكان جزءا منها نتاج لحوارات مستفيضة مع
اسلاميين من كل الاتجاهات والألوان ، بما فى ذلك ما أجريته من بحوث
فى السبعينيات كعالم اجتماع اوما دافعت عنهم فى الثمانينيات من
اسلاميين كأمين عام للمنظمة العربية لحقوق الانسان.
وأشكر الأنسة فاطمة
صابر والباحث شريف منصور من مركز ابن خلدون على طبع وتجميع مادة
الكتاب التى تناثرت بين الصحف المصرية والعربيةعلى امتداد السنوات
الثلاثة الماضية .وعلى الله قصد السبيل.
د.سعد الدين ابراهيم
المقطم ،مركز ابن خلدون
1/1/2006