نشرة المجتمع المدنى

العدد 4 الاسلام و العالم

 

الاسلام والغرب

الاستبداد وأوروبا والإسلام والإرهاب

د. سعد الدين إبراهيم

يوليو 2005

 دعتني اللجنة المشتركة للدفاع والأمن الداخلي بمجلس النواب الإيطالي للحديث حول أوروبا والإسلام والإرهاب. وكان ذلك يوم 20/7/2005، أي بعد أقل من أسبوعين من تفجيرات لندن واغتيال سفير مصر في بغداد، د. إيهاب الشريف (7/7/2005).

ولا يخفى أن تفجيرات لندن، مثلها مثل تفجير القطارات في مدريد، قبل سنة وأربعة شهور (11/3/2004) أو تلك التي وقعت في واشنطن (البنتاجون) ونيويورك (برجي مركز التجارة العالمي) قد هزت البلدان الغربية من أعماق أعماقها. ورغم أن الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش أعلن الحرب على الإرهاب، مستهدفاً تنظيم القاعدة الذي يقوده المتطرف السعودي اسامة بن لادن في حينها (11سبتمبر 2001). ورغم اسقاط نظام طالبان الذي كان يحكم أفغانستان ويحتضن تنظيم القاعدة. ورغم اسقاط نظام البعث العراقي الذي كان يقوده صدام حسين بعد ذلك بسنتين (9/4/2003)، وهو نظام ادعت الإدارة الأمريكية في حينه أنه يدعم الإرهاب وربما تكون له علاقة بتنظيم القاعدة وبن لادن. نقول أنه رغم كل ذلك استمرت أحداث الإرهاب، التي كان آخرها تفجيرات لندن. وفي كل هذه الأحداث كان الضحايا أساساً من المدنيين الأبرياء وكان الذين قاموا بها، من "المسلمين". وسواء كان هذا صحيحاً أو غير صحيح، فقد أعطى الإسلام والمسلمين صورة قبيحة عند الرأي العام العالمي عموماً، والرأي العام الغربي خصوصاً.

ولأن لندن هي المركز الثقافي والسياسي والاقتصادي لأوروبا فقد كانت تفجيرات وسائل المواصلات العامة فيها، مثار صدمة وذعر. صحيح أن رد فعل  البريطانيين كان أقل هستيرية من الأمريكيين، ولكن ظل الحدث مجال تفكير ونظر من البريطانيين والأوربيين، وذلك لأسباب عديدة لا تخفى على القارئ، ولكن ضاعف من إلحاح هذه الأسباب ما يلي:

1ـ أن الأربعة الذين قاموا بالتخطيط والتنفيذ لتفجيرات لندن هم مواطنون إنجليز، صحيح أنهم مسلمون، ولكنهم جميعاً ولدوا في بريطانيا، تربوا فيها، وتعلموا في مدارسها. وذلك يختلف عن الضالعين في تفجيرات نيويورك وواشنطن ومدريد.

2ـ أن ثلاثة على الأقل من الضالعين في تلك التفجيرات هم مسلمون شباب من أصول باكستانية، وكانوا يترددون على باكستان في أجازتهم، وأن بعضهم عبر الحدود إلى أفغانستان، وربما تلقى تدريبات على أيدي تنظيم القاعدة.

3ـ إنه بحكم عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوربي، فإن مواطنيها، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، من حقهم السفر والتجول في كل بلدان الاتحاد الأوربي، الخمس والعشرين. أي أن الشباب الأربعة الذين قاموا بتلك التفجيرات كان يمكن لهم أن يقوموا بها في باريس أو برلين أو روما، أو أي مدينة أوربية أخرى.

4ـ أن عدد الأوربيين المسلمين الذين يحملون جنسيات اتحادية أوربية في الوقت الحاضر يتراوح ما بين عشرة وخمسة عشر مليون، نصفهم من الشباب، دون الثلاثين من أعمارهم. أي أن هناك على الأقل خمسة مليون شاب أوربي مسلم يتشابهون في العديد من خلفياتهم مع هؤلاء الشباب الأربعة الذين قاموا بتفجيرات لندن.

وقد كانت هذه الاعتبارات، وخاصة الأخير منها مدعاة لقيام بعض البلدان الأوربية بإلغاء أحد الاتفاقيات التي وقّعت عليها وتسمح بالحركة الحرة عبر الحدود، دون تأشيرات سفر، وهي اتفاقية "تشانجن". وكانت فرنسا وهولندا هما الأولتان في هذا الصدد. وكان الرأي العام في بقية بلدان الاتحاد الأوربي منقسماً، وما يزال، حول هذا الأمر. بل إن اتفاقيات أوربية أخرى أصبحت محل مراجعة، منها تلك الخاصة بانضمام تركيا للاتحاد خلال عشر سنوات بتعدادها الذي يتجاوز سبعين مليون مسلم.

وفيما يلي بعض ما اجتهدنا بشأنه في هذه الموضوعات، حيث كان البرلمان الإيطالي على وشك اتخاذ قرار إما بمسايرة فرنسا وهولندا أو التمسك بالنهج الإيطالي في دعم الوحدة الأوربية، وعدم تقييد حركة الأوربيين والزائرين إلى إيطاليا ومنها كرد فهل متسرع لتفجيرات لندن:

أولاً، إن ما حدث في لندن وقبلها في نيويورك ومدريد، حدث مثله في بلدان عربية وإسلامية أخرى. بل إن عدد المسلمين من ضحايا الإرهاب خلال السنوات العشر الأخيرة يفوق بأكثر من مائة مرة مجموع ما حدث في البلدان الغربية مجتمعة خلال نفس الفترة. من ذلك أن الجزائر وحدها وقع فيها أكثر من مائتي ألف قتيل من المسلمين، على يد إرهابيين مسلمين. وفي العراق سقط في السنوات الثلاث الأخيرة أكثر من 25 ألف قتيل. هذا فضلاً عما وقع في إندونيسيا (منتجع بالي)، والدار البيضاء (مايو 2003) وتركيا (2005). أي أن ضحايا الإرهاب من المسلمين على يد إرهابيين مسلمين يفوق  بأضعاف مضاعفة ضحايا غير المسلمين. ومن هنا لا يصح ولا ينبغي أن تقع المساجلات البرلمانية في إيطاليا في نفس الخطأ الذي وقع ويقع فيه آخرون، بالربط بين الإرهابي من ناحية والإسلامي والمسلمين من ناحية أخرى.

ثانياً، إن تشييد الأسوار والتقوقع خلف الجدران لم ينجح في أي وقت من الأوقات في حماية من هم داخل هذه الأسوار، أو وراء هذه الجدران. ولعلكم تذكرون في أوروبا خط ماجينو، وخط سيجفريد في الحربين العالميتين. كذلك لم ينجح خط بارليف الذي شيّدته إسرائيل في حماية قوات احتلالها في سيناء عام 1973.

ثالثاً، إننا نفضل ونوصي بأن تلجأ إيطاليا وبقية أوروبا لاستراتيجية وقائية عقلانية، وذلك بمساعدة مواطنيها المسلمين على الاندماج الكامل والمشاركة الكاملة في الشأن العام. وأن هذا فقط من شأنه أن يجعل المواطنين المسلمين مثلهم مثل أي مواطنين يشعرون بقوة الانتماء إلى أوطانهم الأوربية الجديدة، ويكونون في مقدمة المدافعين عنها.

رابعا، إن جزءاً أصيلاً من هذه الاستراتيجية الوقائية هو أن تعطي أوروبا اهتماماً مركّزاً حول الأوضاع الداخلية في البلدان العربية والإسلامية. فالديمقراطية والتنمية في هذه البلدان من شأنها أن تخفف مصادر الغضب والسخط، والتهيؤ لاستخدام العنف ضد القوى المهيمنة سواء في تلك البلدان أو في خارجها.

     الإسلاميون العرب في حرب ضد العالم

د.سعد الدين إبراهيم

سبتمبر 2004

 

في أسبوع واحد (هذا الخريف 30/8 – 5/9/2004) ادعى إسلاميون عرب مسئوليتهم عن ذبح اثنى عشر مواطناً نيبالياً في العراق، وتفجير طائرتي ركاب روسيتين، مما أدى إلى مقتل كل ركابها الذين تجاوزوا المائة، وأخيراً احتجاز رهائن من الأطفال، وأولياء أمورهم في مدرسة ابتدائية في اليوم الأول للدراسة في بلدة بيسلان، بولاية أوستيا الروسية.

وأدت محاولة إنقاذ الرهائن إلى مقتل أكثر من ثلثمائة من الأطفال وذويهم ومن الإرهابيين ورجال الأمن الروسي. وكان بين هؤلاء الإرهابيين القتلى طبقاً لما رددته وكالات الأنباء عشرة من جنسيات عربية. وهذا المشهد القبيح، بكل تفصيلاته، يؤكد في أذهان العالم ترابطاً سببياً بين الإسلام والعروبة والإرهاب. والواقع أنه منذ االتفجيرات الدموية المروعة في سبتمبر 2001، والإسلاميون العرب يواصلون ترويع العالم بأحداث إرهابية مشابهة. طالت إلى الآن بشراً مدنيين مسالمين في أربع قارات. كما طالت مسلمين وغير مسلمين، وعرباً وغير عرب. وبهذا المعنى فإن الأمر يبدو كما لو كان حرباً كونية طرفاها "الإسلاميون العرب" من ناحية، وبقية العالم من ناحية ثانية.

وقد تعمدنا في عنوان هذا المقال أن نستخدم الكلمات بدقة. "فالإسلاميون"، هم قلة من المسلمين، لا يتجاوزون عدة آلاف، ويستخدمون الإسلام لأغراض سياسية. أي أنهم لا يمثلون غالبية المسلمين، الذي يبلغ عددهم 1200 مليون، لا في بلدانهم الأصلية، ولا في العالم الإسلامي، الذي يمتد من أندونيسيا إلى المغرب. وهذه القلة القليلة من الإسلاميين، ينحدرون من أصول عربية ـ سعودية ومصرية وأردنية ويمنية، ومغاربية. وربما هناك أسلاميون آخرون شاركوا في هذه العلمليات الإرهابية من بلدان غير عربية. ولكن الظاهر إلى الآن هو أن الأغلبية التي تدبر وتخطط وتنفذ هذه العمليات هم من العرب . وهم لا يمثلون أغلب العرب (300 مليون)، ولكنهم قلة قليلة من العرب. وهكذا نحن بصدد قلة من الإسلاميين العرب، الذين ارتبط معظمهم حقيقة أو مجازاً بتنظيم القاعدة الذي أنشأه السعودي أسامة بن لادن، والمصري أيمن الظواهري. أحدهما هو الممول الرئيسي، والثاني هو المخطط الرئيسي لهذه العمليات الإرهابية.

يستطيع الإسلاميون العرب، أن ينشروا الرعب في بقاع كثيرة من العالم. وهم فعلاً قاموا بذلك، لا فقط في نيويورك وواشنطن، رمزا القوة العسكرية والاقتصادية الأمريكية، يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001، ولكنهم قاموا بذلك هذا ذلك التاريخ الفاصل، في عدد من المشاهد الدرامية، التي استحوذت على اهتمام وغضب العالم. من ذلك ما كانوا قد فعلوه بتفجير سفارتي أمريكا في نيروبي (كينيا) ودار السلام (تنزانيا )، وتفجير المدمرة الأمريكية كول، قبالة الشواطئ اليمنية في البحر الأحمر. وكذلك نجحوا في إشاعة الرعب  بعد 11/9/2001 في عدد من المدن الأسيوية ـ مثل منتجع بالي في أندونيسيا، الذي راح ضحيته مئات من السياح الاستراليين والأوربيين واليابانيين، وفي مدن أفريقية مثلما فعلوا بتفجير أحد الفنادق الكبرى في الدار البيضاء، وأخيراً في عاصمة أوربية، وهي تفجير قطار للركاب في مدريد في الحادي عشر من مارس 2004. ثم كما رأينا في هذا الأسبوع الأول من سبتمبر 2004 في العراق وروسيا، كما لو كانوا يحتفلون بالذكرى الثالثة لتفجيرات نيويورك وواشنطن. ونحن لا نستبعد أن يستمر الإسلاميون العرب سيستمرون في تنفيذ عمليات إرهابية مشابهة في أماكن أخرى من العالم، كلما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

وسيفعل الإسلاميون العرب ذلك بالتحالف مع التعساء والبؤساء، من أصحاب أي قضية عادلة في أي بقعة من العالم، كما رأيناهم يفعلون بالتحالف مع أبناء الشيشان الذين لهم قضية عادلة، ضد  الاتحاد الروسي، الذي لا يريدون أن يكونوا جزءاً منه. وربما دمروا  قطار مدريد بالتعاون مع ثوار الباسك (أيتا) الذين يريدون الانفصال عن أسبانيا. ولكن إلى أين ستؤدي هذه الأعمال الدرامية التي تهز العالم، وتحصد مئات أو آلاف الأرواح من الضحايا المدنيين؟

في يقيني أنها ستنتهي إلى طريق مسدود. فالإرهاب لم يحرر شعباً طوال التاريخ، وتحديداً في العصور الحديثة. حتى الحركات الوطنية التي لجأت إلى الكفاح المسلح، كان انتصارها في نهاية المطاف رهناً بوضوح الهدف ونزاهة الوسيلة. حتى في الحالات القليلة جداً، أثناء حركات التحرير الوطني، سواء في الجزائر أو فيتنام، حينما كان المناضلون يلجأون إلى ما يبدو أنه إرهاب، فقد كان ذلك أساساً رداً على عمليات إرهابية قامت بها قوات الاحتلال أولاً. وفي كل الأحوال كانت مثل هذه العمليات تتم في أرض المعركة، أي أرض الوطن الذي يحارب من أجل الاستقلال، وليس خارج الحدود.

ربما يكون للإسلاميين العرب قضية أو قضايا عادلة، وحسابات تاريخية يريدون تسويتها مع الغرب. ولكن الذي سيؤدي إلى هزيمتهم هو أسلوبهم الإرهابي، الذي يرعب ولكنه لا ينجز، ويخيف ولكنه لا يحرر شبراً واحداً من أرض مغتصبة، ولم ولن يعيد حقاً واحداً مهدراً للعرب والمسلمين. وهذا ما ينبغي أن ينتبه له من يطربون منا أحياناً ـ نحن العرب والمسلمين ـ لكل عملية إرهابية أو انتحارية ضد الأعداء أو الخصوم، وتحصد مدنيين مسالمين. ولا ينبغي أن نستمع إلى الفتاوى الجهولة لبعض من يدعون العلم بأمور الدين، يبررون بها مثل هذه العمليات الإرهابية. إن طريق الإرهاب طريق مسدود. مثلة مثل الطرق الفاشية والاستبدادية والشمولية. فالتاريخ المعاصر، في المائتي سنة الأخيرة، يثبت أنه مهما كانت الانتصارات أو الفرقعات المبكرة لأصحاب هذه الوسائل، فإنهم في النهاية يندحورن وينهزمون.

حتى في تجاربنا العربية النضالية خلال المائة سنة الأخيرة، كانت إنجازاتنا القليلة، نتيجة كفاح جهادي، واضح في أهدافه، وشريف في وسائله. فالمجاهدون الجزائريون، على امتداد ثماني سنوات، ومليون شهيد، لم تبرح عملياتهم القتالية أرض الجزائر. وكان بوسعهم ترويع فرنسا والفرنسيين في أوربا، حيث كان هناك عشرات الآلاف من الجزائريين المقيمين في فرنسا والمتعاطفين مع الثورة الجزائرية. كذلك كان الإنجاز النبيل لمقاتلي حزب الله في جنوب لبنان، محكوماً بالأرض اللبنانية المحتلة أو عبر منطقة الحدود الإسرائيلية ـ اللبنانية، التي يتم فيها حشد دوريات العدو وإرسالها لترويع اللبنانيين أو اغتصاب أرضهم. وكانت عمليات المقاومة اللبنانية كلها موجهة ضد أهداف عسكرية. هذا رغم أنه كان من السهل استصدار الفتاوى الدينية، بأن كل إسرائيلي هو أو هي جندي محتمل في المستقبل. كذلك كانت الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1988-1992) هي التي استحوذت على إعجاب وتعاطف العالم، وأثمرت اتفاقية أوسلو، التي مهما كان الاختلاف حولها، إلا أنها هي التي مكنت قيادات منظمة التحرير من العودة إلى أرض فلسطين، بعد خمس وأربعين سنة من التيه والتخبط. وهو ما لم تنجزه الانتفاضة الثانية (2000-2004) بكل عملياتها "الانتحارية"، التي سميناها نحن العرب "استشهادية"، بينما سماها واعتبرها بقية العالم عمليات "إرهابية"، فهذه الأخيرة لم تحرر شبراً واحداً من أرض فلسطين. بل إنها أعطت الفرصة لليمين الإسرائيلي المتشدد، بقيادة شارون إلى إعادة احتلال ما كانت الانتفاضة الأولى قد حررته. هذا فضلاً عن فقدان معظم التعاطف والإعجاب اللذان كان أطفال الحجارة في الانتفاضة الأولى قد حققوه.

إن الإسلاميين العرب، بوسائلهم وعملياتهم الإرهابية غير الشريفة، من اختطاف أو تفجير، يصيب أو يدمر أو يقتل مدنيين مسالمين سواء من أمريكا أو روسيا أو نيبال أو أسبانيا أو المغرب أو أندونيسيا ـ هم في الواقع يسيئون إلى العروبة والإسلام، ويستعدون الرأي العام في العالم كله لا فقط ضد قضيتهم، أيا كانت، ولكن أيضاً ضد كل العرب وكل المسلمين. إن الوسائل غير الشريفة لا يمكن أن تحقق أهدافاً شريفة. لقد أعلن الإسلاميون العرب الحرب ضد العالم، وضد التاريخ. ولا يمكن أن ينتصروا في تلك الحرب مهما كانت نزعاتهم الانتحارية أو الاستشهادية. فعاجلاً سينتصر العالم، وآجلاً سينتصر التاريخ. والله أعلم.

     أمريكا والعالم الإسلامي في الدوحة

د. سعد الدين إبراهيم

ابريل 2005

     من الظواهر الجديدة في العالم العربي أن البلدان الواقعة علي اطرافه قد حلت مكان بلدانه المركزية في المبادرات المستقبلية. من ذلك ان بلدانا مثل قطر والبحرين والامارات والمغرب والاردن اصبحت الأكثر استجابة وتفاعلا مع متطلبات العولمة والقرن الحادي والعشرين، لذلك اصبحت ايضا الأكثر جذبا للاستثمارات والمؤتمرات الدولية، وفي السنوات الخمس الاخيرة مثلا، برزت قطر في مقدمة هذه البلدان - فاستضافت الدوحة عشرات المؤتمرات غير الحكومية، وشملت لقاءات لدعاة الديمقراطية العرب، والحوار العربي- الأوروبي، والحوار الاسلامي- المسيحي، واخيرا الحوار الامريكي الاسلامي. وقد شاركت بصفتي الشخصية، او ممثلا لمركز ابن خلدون، في معظم هذه الملتقيات خلال العامين الأخيرين، ويحرص أمير دولة قطر سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني علي المشاركة النشطة في هذه الملتقيات، كلما استطاع الي ذلك سبيلا ويحاكيه في ذلك افراد النخبة القطرية- سواء كانوا من المسؤولين او المثقفين والاعلاميين واصحاب المال والاعمال.

وبعد احداث 11 سبتمبر ،2001 واحتقان المشاعر بين الامريكيين حيال المسلمين والعالم الاسلامي، نشط عدد من الحكماء من كلا الطرفين في محاولة لاحتواء هذا الاحتقان قبل ان يحتدم الي صراع حضاري، خاصة وان عالما سياسيا امريكيا هو صامويل هانتنغتون كان قد انذر قبل عدة سنوات 1994 باحتمال وقوع هذا الصراع. وقد تركز الحكماء علي الجانب الامريكي في مجموعة من الاساتذة وقدامي السياسيي والدبلوماسيين المتقاعدين الذين يرتبطون تقليديا بمعهد بروكنجز.

أما علي الجانب الاسلامي فقد بادر الي جانب أمير قطر رؤساء وزراء سابقون من لبنان وماليزيا والسودان وتركيا وجمهوريات آسيا الوسطي واعلاميون ورجال دين ومفكرون وأساتذة ونشطاء في مجالات حقوق الانسان والمجتمع المدني من اقصي العالم الاسلامي في اندونيسيا الي ادناه في الغرب.

وكان من الذين شاركوا في الجولة الاولي للحوار الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون ووزير الخارجية الاسبق هنري كيسنجر -كما شارك في الجولة الثانية للحوار رتشارد هولبروك، مندوب امريكا السابق في الأمم المتحدة، ومارتن بانديك السفير الامريكي السابق في اسرائيل ومدير معهد صبان لسياسات الشرق الاوسط ود. شبلي تلحمي - الفلسطيني الامريكي - الذي يشغل كرسي انور السادات للسلام في جامعة ميريلاند، واعلاميون مرموقون مثل جاكسون ديل، محرر صفحة الرأي في الواشنطون بوست. أما من المسلمين، فقد شارك الامام الصادق المهدي (رئيس وزراء السودان الأسبق)، والمفكر الاسلامي المصري جمال البنا (شقيق حسن البنا، مؤسس حركة الاخوان المسلمين)! ومحمد دحلان وزير الدولة الفلسطيني، ود. بثينة شريط، وزيرة الثقافة الجزائرية ود. انور ابراهيم، نائب رئيس وزراء ماليزيا الأسبق، ود. حسام بدراوي رئيس لجنة التعليم في مجلس الشعب المصري، وزميله في مجلس الشوري د. محمد كمال، ومن الاعلاميين العرب المرموقين د. فيصل القاسم صاحب برنامج الاتجاه المعاكس بقناة الجزيرة، ورامي خوري رئيس تحرير نجمة الصباح اليومية اللبنانية الناطقة بالانجليزية -كذلك كان الحضور العراقي لافتا للاهتمام والاثارة، ممثلا في نائب رئيس الوزراء السابق، موفق الربيعي. ونفس الشيء لكبار علماء المسلمين في اوروبا، وعلي رأسهم الشيخ مصطفي شيرش، مفتي البوسنة والهرسك.

تركزت مناقشات الجولة الثانية للحوار (10-13/4/2005) علي تجاوز التفكير الاستقطابي التبسيطي النمطي الذي ساد في السنوات الثلاث الاخيرة لاحداث سبتمبر، 2001 والتي نظرت للأمور في كلا الجانبين، اما ابيض او اسود، خير او شر، فعلي الجانب الامريكي هناك من الاخيار بقدر ما هناك من الاشرار وليس حقيقيا ان امريكا تستهدف شرا بالمسلمين، كمسلمين. وهنا كان حديث مفتي البوسنة مؤثرا، فقد استدعي الشيخ مصطفي شيرش سنوات الحرب الاهلية الاخيرة في البلقان، وكيف وقفت الولايات المتحدة الي جانب المسلمين ضد الصرب المسيحيين، رغم ان المسلمين البوسنيين لا يملكون لا نفطا ولا غازا، ولا مواقع استراتيجية تغري اي دولة كبري، واكد هذا المعني السيد موفق الربعي، المسؤول العراقي في الحكومة الانتقالية، التي اعقبت سقوط نظام صدام حسين، لقد عبر عن عتاب الشعب العراقي لأشقائه العرب، الذين لم يحركوا ساكنا للاعتراض او الاحتجاج طوال ثلاثين سنة من بطش صدام حسين بشعبه وشعوب الجوار (ايران والكويت) وفقط حينما تدخلت امريكا وحلفاؤها لاسقاط صدام، تذكرت الأنظمة العربية ان هناك عراقا مستباحا، وهو بالفعل كذلك ولكن الذي بدأ استباحة العراق وشعبه هو صدام حسين وحزب البعث.

ولولا هذه الاستباحة المبكرة، والتي استمرت 35 عاما (1968-2003)، لما استطاعت امريكا، وربما لما فكرت في غزو العراق، وفي كل الاحوال، كما اكد موفق الربيعي، من الأسهل التخلص من الاحتلال الامريكي خلال سنة او سنتين علي الأكثر، عما كان عليه الحال من قبل - اي التخلص من نظام صدام حسين، الذي كان مستعدا دائما لابادة الملايين من ابناء شعبه في سبيل بقائه وافراد اسرته علي قمة السلطة في العراق.

كان حديث مفتي البوسنة، خريج الازهر الشريف، غريبا علي اسماع بعض العرب الذين اعتادوا علي نغمة واحدة للحديث عن امريكا، وهي نغمة المقت والغضب والكراهية، ولولا ان الشيخ مصطفي شيرش كان يداعب بعض هؤلاء بنكات مصرية من التي التقطها اثناء سنوات دراسته في القاهرة لاعتبره البعض داعية او عميلا للغرب عموما، وللولايات المتحدة خصوصا. ومن قفشاته انه كان يشيد ساخرا بمليارات الدينارات والريالات التي انهالت علي البوسنة اثناء القتال من اخوتهم المسلمين، فضلا عن الفرق المسلحة والطائرات والدبابات التي ارسلتها الدول الاسلامية! وكان الشيخ مصطفي، السريع البديهة حين يتعرف علي لهجة احد المتحدثين العرب، ومن ثم البلد الذي ينتمي اليه، كان يقول ساخرا، اما عن الفيلق التونسي الذي ابلي بلاء حسنا في غزوة سيبرانيسكا. اما عن الكتيبة السورية التي ابادت لواء صربيا عن بكرة أبيه.. وأما عن المليار ريال سعودي الذي انقذنا من مجاعة الاربعين يوما.

كانت هناك في المقابل شهادات امريكية من أساتذة وخبراء ومسؤولين سابقين شديدة النقد للسياسة الخارجية للولايات المتحدة وللرئيس جورج بوش، سواء تجاه المسألة الفلسطينية او المسألة العراقية، وللممارسات الاعلامية الامريكية، وتضمن هذا النقد الذاتي ازدواجية المعايير من ذلك حديث جورج بوش عن الديمقراطية، ثم رفضه التعامل مع الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات - رغم انه كان الرئيس العربي الوحيد المنتخب ديمقراطيا، في ظل رقابة دولية (1996) ومن ذلك ايضا حديث امريكا الدائم عن الحريات ومنها حرية الاعلام، وفي نفس الوقت غضبها واحتجاجها علي قناة الجزيرة لانها كانت تنقل وقائع ما يحدث في العراق في ظل الاحتلال الامريكي مثل حصار وتدمير الفلوجة او فظائع التعذيب والامتهان الجنسي للاسري العراقيين في سجن ابوغريب.

لقد كان الجديد في هذا الحوار الامريكي -الاسلامي هو ما انطوي عليه من مصارحة في نقد الآخر، ولكن الأهم من ذلك هو الامانة في نقد الذات اي ان الهدف لم يكن تسجيل النقاط في مرمي الطرف الآخر، بقدر ما كان سعيا مشتركا من الطرفين للبحث عن الحقيقة وعن ارضية مشتركة. واذا استمر هذا النوع من الحوار، فلابد ان نكون نحن المسلمون الرابحين في النهاية، لأننا رغم كثرتنا العددية، فنحن الأفقر والأضعف والله أعلم.

الغاضبون من الإسلام والمسلمين

د. سعد الدين إبراهيم

ديسمبر 2004

خلال النصف الأول من شهر ديسمبر شاركت في خمسة مؤتمرات دولية، كان القاسم المشترك الأعظم فيها هو الإسلام والمسلمين، والتطرف والعنف، وصدام الحضارات، والديمقراطية. وقد يتساءل القارئ عن العلاقة بين هذه المصطلحات والمفاهيم، ولماذا تتردد وتتواتر مع الإسلام والمسلمين. وهما سؤالان مشروعان. ولعل معظم من سيقرأون هذا المقال يدركون هذه العلاقة بالفعل.

ولنبدأ بآخر هذه المؤتمرات، وكان في العاصمة البرتغالية، لشبونة (12-14 ديسمبر 2004)، وكان الآخر في العاصمة التونسية، تونس (15-16 ديسمبر 2004). كان منظموا مؤتمر لشبونة أوربيون، وأطلنطيون، وأمريكيون. ولكن المضيف كان المعهد البرتغالي للدراسات الاستراتيجية والدولية الذي يرأسه البرفيسور الفارو فالكوندليساس، ذو الملامح المصرية "الصعيدية"، والذي يفخر بأصوله الأندلسية. وكان مؤتمر لشبونة مؤتمر التعبير عن الهواجس، و "المخاوف" و"الهلع" عند الغربيين تجاه الإسلام والمسلمين.

كان الأمريكيون، على قلة عددهم في مؤتمر لشبونة الأكثر تعبيراً عن "الهلع"، إن لم يكن هلعهم هم كأفراد، فقد كان تعبيراً أميناً عن هلع رئيسهم جورج دبليو بوش، والذي نجح في نقل هذا الشعور بالهلع إلى بقية المواطنين الأمريكيين، فأعادت أغلبيتهم انتخابه رئيساً لهم لمدة أربع سنوات ثانية. وقد نجح معه "المحافظون الجدد" في تحويل هلع مؤقت مشروع في أعقاب الهجوم الذي فجّر مركز التجارة العالمي في نيويورك يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001، إلى "صناعة" مزدهرة، وإلى تجارة رابحة. فقد فوضت الشعب الأمريكي بما يشبه "شيكاً" على بياض، لكي ينفق من الأموال ويشن من الحروب ما هو "ضروري" لكي يدمر "الإرهاب" وينتصر على الإرهابيين. وإلى تاريخ كتابة هذا المقال، كان الرئيس بوش قد أعلن "حرباً كونية" على الإرهاب بلا حدود ولا قيود. ثم شن حرباً ثانية على نظام طالبان، الذي كان يدعي أنه نظام "إسلامي"، ويستضيف تنظيم "القاعدة" الذي أسسه وتزعمه المنشق السعودي، أسامه بن لادن، ونائبه المنشق المصري د. أيمن الظواهري. أما الحرب الثالثة فهي تلك التي شنها جورج بوش ومعه تحالف غربي محدود، على عراق صدام حسبن (19/3/2003)، رغم أن هذا الأخير لم يكن له علاقة من قريب أو بعيد بتفجيرات 11 سبتمبر، كما لم تثبت أي علاقة له بطالبان أو أسامه بن لادن. كما لم يثبت امتلاكه لأسلحة الد&