نشرة المجتمع
المدنى
العدد 4 الاسلام و العالم
قضية التجديد الديني
أزمة المفكرين العرب في
مطلع القرن الحادي والعشرين
فقه الإصلاح الديني
د. سعد الدين ابراهيم
يناير 2004
بدأت الدعوة الحديثة
إلى الإصلاح الديني في الإسلام مع جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد
عبده في أواخر القرن التاسع عشر، أي منذ أكثر من مائة وعشرين عاماً.
وكانت الدعوة في أساسها إن فهم المسلمين لدينهم العظيم قد إنحط على
مر العصور، وتحديداً منذ أقفل باب الاجتهاد في القرن الرابع الهجري،
العاشر الميلادي . وأياً كانت الأسباب التي بررت ذلك، فإن اقفال باب
الاجتهاد أدى إلى
الجمود في تفسير
النصوص القرآنية، واللجوء إلى الأحاديث النبوية، التي بدأ تدوينها
بعد وفاة الرسول (صلهم) بحوالي مائتي عام، أي بعد ثمانية أجيال.
ولأنه لم تكن هناك مناهج صارمة لضبط تدوين هذه الأحاديث وتدقيقها،
فقد وصل عددها في بعض الروايات إلى أكثر من مائة ألف! ويقال أن أصحاب
الحاجات من الحكام في الغالب، ومن المحكومين أحياناً، كانوا يلجأون
إلى من يصطنع لهم مثل هذه الأحاديث المنسوبة زوراً إلى الرسول، حتى
يضفوا شرعية دينية على ما يحقق مآربهم.
ولكن إقفال باب
الاجتهاد في أمور الدين سرعان ما انسحب على أمور الدنيا. فتوقف
الإبداع والاختراع اللذان كانا قد جعلا العرب والمسلمين رواد الحضارة
الإنسانية في شقي مجالاتها. وقد تنبه رفاعة الطهطاوي، ثم الأفغاني،
ثم عبده، ثم عبد الرحمن الكواكبي وعلي عبد الرازق إلى خطورة هذا
الجمود الذي بدأ في أمور الدين ثم عمت تداعياته المدمرة إلى أمور
دنيا المسلمين، فتخلفوا بينما تقدم غيرهم، شرقاً وغرباً، شمالاً
وجنوباً.
وكان المصلحون الدينيون
المسلمون يبغون تنقية أصول الدين مما علق به طوال عشرة قرون من
ملوثات وتشوهات. ولكي يتأكدوا من صلابة الأرض التي يقفون عليها في
سعيهم هذا، فقد اعتبروا النص القرآني هو الأساس الأول، وربما الوحيد
في انطلاقاتهم الاجتهادية. وإمعاناً من بعض المصلحين في الحذر، فقد
استبعدوا أي مصدر آخر غير القرآن، حتى أطلق عليهم البعض اسم
"القرآنيين".
ولكن دعوة وجهود هؤلاء
المصلحين الأوائل تم حصارها، وتهميشها بدءاً من الربع الثاني للقرن
العشرين، وذلك بواسطة "المؤسسة الدينية" الرسمية الجامدة من ناحية،
والحركات الدينية المتشددة من ناحية أخرى. وبين الغلو في الجمود
والغلو في التشدد ضاعت جمهرة المسلمين... وانصرف بعضهم عن الدين
وولوا وجههم نحو كل ما هو "غربي" ينشدون فيه الحداثة والانفتاح
والانطلاق. وتخندق بعضهم الآخر في آفاق القوالب الجامدة وانفضت القلة
المتشددة منهم تعصف وتدمر كل ما يمكن أن تصل إليه أيديهم أو
قنابلهم في
الداخل والخارج، ووصل السخط والغضب ببعضهم إلى الجانب الآخر من
المحيط الأطلنطي، حيث اختطفوا الطائرات المدنية بركابها المسالمين،
واستخدموها كصواريخ متفجرة لتدمير مركز التجارة العالمي في نيويورك،
ومبنى وزارة الدفاع (البنتاجون) في العاصمة الأمريكية واشنطون، في
9/11/2001.
وعلى الفور بدأت
الولايات المتحدة رد فعلها الكاسح على هذا العبث من المتشددين الذين
اختطفوا الإسلام، وأسبغوا عليه رداءاً دموياً، فأساؤوا لدينهم وجلبوا
الخراب على دنياهم. فقد تعرضت قاعدتهم في أفغانستان للتدمير، وتم
احتلال أفغانستان بأكملها. ولم يتوقف رد الفعل الأمريكي عند ذلك. فقد
تحرشت بالعراق في العام التالي بدعوى أن قدرتها على إنتاج أسلحة
الدمار الشامل، مع نظامها الاستبدادي المُعادي للولايات المتحدة
يمكن أن يؤدي إلى وقوع هذه الأسلحة في أيدي الإسلاميين المتطرفين، ثم
إلى تهديد أمريكا والغرب من جديد. وتطور التحرش الأمريكي بالعراق إلى
غزوها واحتلالها، وإسقاط نظـام صدام حسين (9/4/2002)، ثم وقوعه هو
نفسه أسيراً في أيدي القوات الأمريكية بعد ذلك بعدة شهور
(13/12/2003) وعلى النحو الذي تابعناه جميعاً ـ بالكلمة والصوت
والصورة!.
فهل كانت الولايات
المتحدة تضمر سوءاً للآسلام والمسلمين، وأنتهزت فرصة هجوم المتطرفين
الإسلاميين، لكي تنفذ مخططاتها التوسعية العدوانية ؟ ربما كان ذلك
صحيحاً، ولو أن هذا الكاتب يستبعده، لأن أمريكا لا تحتاج إلى مثل هذه
المسرحية لخدمة أهدافها الكونية. فهي ليست في حاجة إلى إحتلال أراضي
جديدة لهذا الغرض، حيث أن أسلحتها تصل إلى كل مكان على وجه
المعمورة... كما أنها ليست في حاجة إلى مثل هذا الاحتلال للسيطرة على
مصادر النفط. فالذي يستكشف وينتج، ويسوق، ويوزع هذا النفط ومشتقاته
هي شركات أمريكية في الأساس. والسوق الأمريكية هي المستهلك الرئيسي
للنفط العالمي ـ سواء كان نفطاً عربياً أو أسيوياً أو نيجيرياً.
ولكن كما حدث في
العدوان الياباني على ميناء بيرل هاربر الأمريكي (1942)، الذي دمرته
الطائرات اليابانية المغيرة، ومعه الاسطول السابع الأمريكي، وقتلت
حوالي ثلاثة آلاف أمريكي في يوم واحد، فقد كان رد الفعل الأمريكي
شاملاً. فبعد الصدمة الأولى عزمت الولايات المتحدة لا فقط على هزيمة
اليابان عسكرياً، ولكن على تغيير الدولة والمجتمع في اليابان تغييراً
شاملاً، بحيث لا يتكرر مثل هذا الهجوم المباغت عليها. وهو ما كان
خلال السنوات العشر التالية لبيرل هاربر. فقد ثم تدمير المؤسسة
العسكرية اليابانية، باستخدام سلاح جديد لأول مرة ، وهو السلاح
النووي، حتى استسلمت اليابان بلا قيد أو شرط، وتم تغيير النظام
التعليمي الياباني بحيث أصبح أقرب إلى النظم الغربية من حيث مقاصده
القيمية. وتم تغيير النظام السياسي، فأصبح نظاماً ديمقراطياً تعددياً.
وتم تغيير التربية الدينية اليابانية، التي كانت تقدس الإمبراطور،
إلى درجة العبادة.
ما علاقة هذا كله بحديث
الإصلاح الديني في الإسلام ؟ هناك أولاً شبهة أن الولايات المتحدة
تريد أن تفعل في العراق وأفغانستان، بل وفي البلاد العربية
والإسلامية في مطلع القرن الحادي والعشرين مثلما فعلته في اليابان،
وإلى حد ما في ألمانيا، في منتصف القرن العشرين ـ أي إدخال إصلاحات
جوهرية على أنظمتها التربوية والسياسية، بحيث تتحول مجتمعاتنا من قيم
وممارسات التشدد إلى قيم وممارسات التسامح، وتتحول أنظمتنا السياسية
من الممارسات السلطوية الإستبدادية إلى التعددية والديمقراطية.
ربما تريد أمريكا ذلك
بالفعل... ولكن السؤال لنا نحن هو: وماذا نريد نحن لأنفسنا، كعرب
ومسلمين ؟
هناك ثلاثة إجابات
شائعة على هذا السؤال، يتداولهما المثقفون العرب:
الإجابة الأولى، وهي ما
ينطبق عليها، وصف "فقه النكاية" وهي تتلخص في رفض كل ما هو عربي
عموماً، وكل ما هو أمريكي خصوصاً. لذلك فإن كل دعوة للإصلاح الديني
والتربوي، هي دعوة مرفوضة، لشبهة أن أمريكا ربما تكون ورائها، وربما
تستفيد منها.
الإجابة الثانية، وهي
ما ينطبق عليها وصف "فقه الغواية" وهي تتلخص في الترحيب والاحتفاء
بكل ما يقترحه علينا الغرب المتقدم، لعل وعسى يشملنا هذا التقدم.
والإجابة الثالثة، وهي
ما ينطبق عليها وصف "فقه الهداية"، وهي تتلخص في أن الحكمة هي ضالة
المؤمن، وأن علينا أن نهتدي بما فيه مصلحة العباد، بصرف النظر عن
"المصدر"، فالمهم هو "المقصد".
وتسمح الإجابة الثالثة
هذه بأن نكون إنتقائيون، نأخذ من أي مصدر ما يعود علينا نحن بالخير
والبركات. فالدعوة للإصلاح الديني سابقة للوجود الأمريكي في العراق
وأفغانستان بقرن وربع قرن على الأقل. فلا يُعقل أن نرفض هذه الدعوة
الآن، في مطلع القرن الحادي والعشرين، لمجرد أن هناك شبهة في أن
أمريكا أو الغرب تريد مثل هذا الإصلاح.
نفس الشئ ينطبق على
الديمقراطية. فقد بدأت الدعوة للإصلاح السياسي في مصر في ستينيات
القرن التاسع عشر، في عهد الخديوي إسماعيل، الذي افتتح أول برلمـان
منتخب في 18 نوفمبر 1866. بل إن هذا الحاكم قد كتب إلى أحد أصدقائه
في باريس بمزيج من الرومانسية والواقعية، يقول "يهمك أن تعرف أن
الإقبال على الانتخابات كان عظيماً، مع أن حالة الشعب عندنا لم ترتق
إلى مستواها في أوربا. وقد أدرك الشعب تمام الإدراك الفوائد والمزايا
التي تعود عليه في وجود مثل هذا المجلس، ويدرك أن هذه نعمة عظيمة
أولتها الحكومة للشعب. ويقول عامة الناس بأنه من الآن فصاعداً سيصير
جميع الموظفين والحكام، صغاراً وكباراً، ملزمين بالتنازل عن عجرفتهم،
وسوف يتبعون طريق الحق والصواب فيما يصدر عنهم من تصرفات". ولم تنقطع
منذ ذلك الوقت دعوات المصلحين في المطالبة بمزيد من الديمقراطية.
فلا يُعقل والأمر كذلك
أن تنكر للإصلاح الديني أو الإصلاح السياسي لمجرد أن الغرب يطالب
بنفس الشئ لنا ولغيرنا من البلدان التي ما زالت ترزح تحت نير الطغيان
السياسي أو السلفية الدينية الجامدة ؟
إن المفكر الإسلامي
الكبير جمال البنا هو أحد حلقات سلسلة المصلحين الدينيين، التي بدأت
بالأفغاني وعبده. فهو على امتداد نصف قرن وهو يجتهد في تطوير الفكر
الديني، منطلقاً من منابعه القرآنية الصافية. وفي هذا السعي نشر ما
يزيد عن ثلاثين كتاباً، كان أهمها ثلاثة مجلدات بعنوان "نحو فقه
جديد" وهي في مجملها تبشر بفكر إسلامي مستنير، يتسق مع العقل، وروح
الإسلام السمحة، ومنهجه الوسطي المعتدل. وأهم من هذا وذاك أن هذا
الفكر الإسلامي المستنير لا يعادي العلم أو المرأة، أو روح العصر، أو
غير المسلمين.
ولكن الذي يميّز المفكر
جمال البنا عما سبقوه حتى من المصلحين الإسلاميين في القرنين التاسع
عشر والعشرين، هو أن دعوته إلى الإصلاح الديني ترتبط إرتباطاً عضوياً
وثيقاً بدعوته للإصلاح السياسي. فهما عنده وجهان لنفس العُملة. فهو
داعية للديمقراطية بقدر ما هو داعية للإسلام. ولا يرى في ذلك تناقضاً
أو خصاماً، كما أنه لا يفعل ذلك بمنهج توفيقي أو تلفيقي.
إن محور الربط بين
الإصلاح الديني والإصلاح السياسي، بين التسامح الديني والتعددية
السياسية، هو قيمة "الحرية". فالحرية هي المطلب الأول للمؤمن الحق.
وللأستاذ جمال البنا كتاب بهذا العنوان. فالله سبحانه وتعالى قد أنزل
في كتابه الكريم "وقل الحق من ربّكُم فمن شاء فليؤمن، ومن شاء
فليكفر" ( الكهف الآية 28) . فإذا كان سبحانه قد أعطى هذا الحق لبني
الإنس ان، على الإطلاق، فليس لإنسان آخر أو لأي نظام وضعي أن يحرمه
منها أو يساومه عليها.
فحرية الاعتقاد هي مدخل
الأستاذ البنا لكل الحريات الأخرى، وهي المدخل الأصيل لكل حقوق
الإنسان الدينية والمدنية والسياسية، ولا يكتفي الأستاذ البنا في
بناء هيكل فكري متماسك حول الحرية كقيمة أساسية وكمطلب للإصلاح
الديني والسياسي. ولكنه يتجاوز ذلك إلى القضايا الخلافية التي شغلت
العالم حول الإسلام في السنوات الأخيرة، وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر
2001.
فمن ناحية يقر مفكرنا
الكبير منذ البداية أن للمسلمين مشكلة حقيقية مع أنفسهم أولاً، ومع
غيرهم ثانياً. فقد تخلف المسلمين بسبب إغلاق باب الاجتهاد، على النحو
الذي أشرنا له سابقاً. ولو ظل باب الاجتهاد مفتوحاً، لاستطاع فقهاء
الإسلام ومفكريه أن يصلحوا من شأن المسلمين فكراً وممارسة، على نفس
النحو الذي حدث به الإصلاح الديني في المسيحية الغربية، على يدي
مارتن لوثر، و جون كالفن، في القرنين السادس عشر والسابع عشر. إن تلك
الحركة الإصلاحية الأوربية هي التي فتحت بقية الأبواب المرصدة أمام
الاجتهادات العلمية، والاكتشافات الجغرافية، والثورات السياسية
والاقتصادية والصناعية. أي أن تحرير العقل الديني الأوربي كان هو
المقدمة لتحرير هذا العقل في كل مناحي الحياة الأخرى. فانطلقت أوربا
المسيحية البروتستانتية (الاحتجاجية) بسرعة مذهلة خلال القرون
الأربعة التالية لتسيطر على الطبيعة وعلى الكون.
ولا يجد المفكر جمال
البنا ما يمنع المسلمين من ثورات مماثلة، تبدأ بالإصلاح الديني
وتوأمه الإصلاح السياسي ـ وقد ألح الرجل علينا في مركز ابن خلدون
طوال السنوات العشر الأخيرة، منذ إنضمامه لمجلس الأمناء، أن نتبنى
دعوته، ونشاركه مسعاه. وحينما شرعنا في ذلك في منتصف التسعينيات
تعرضنا لهجوم ممتد، وصل ذروته في عام 2000، حيث تعرض العاملون في
المركز من رئيسه إلى باحثيه للمطاردة والتنكيل، بين المحاكم والسجون.
ولكنا والحمد لله وقد برأت أعلى محاكم الديار المصرية، وهي محكمة
النقض، ساحتنا من كل ما وجه إلينا من اتهامات، نعود إلى استئناف
مسيرة الدعوة إلى الإصلاح على كل الجبهات، بداية بالإصلاح الديني،
تحت رعاية الأستاذ جمال البنا، الذي يشرف على برنامج طموح في مركز
ابن خلدون.
إن برنامج الإصلاح
الديني هو محاولة لتحرير الإسلام من قيود المتزمتين الذين حبسوه
وحبسوا الأمة معه في غياهب القرون الوسطى التي لا يدخلها النور أو
الأكسجين. وبنفس القدر لتحرير الدين الحنيف من المتطرفين الذين
اختطفوه، ليرهبوا به العالم، ويهددوا به الإنسانية. والإسلام براءاً
من الفريقين.
وبرنامج الإصلاح الديني
هو محاولة لتقديم الإسلام المستنير، لا فقط إلى المسلمين في أوطانهم
الأصلية، ولكن أيضاً إلى ثلاثين مليون مسلم يعيشون في المهجر ـ في
أوربا والأمريكتين وأستراليا. ونحن في سباق مع المتزمتين الذين
يصرفون بتزمتهم هؤلاء المهاجرين عن الدين الحنيف، ومع المتطرفين
الذين يريدون بتطرفهم أن يحولوا المسلمين في المهجر إلى قنابل زمنية
موقوتة، ضد شعوب البلاد المضيفة، كما حدث في 11 سبتمبر 2001.
وأخيراً فإن برنامج
الإصلاح الديني هو محاولة لحوار جاد مع الحضارات الأخرى، أي ما يعني
أن أصحاب هذا البرنامج يقدمون لأبنائنا ديناً في الداخل والخارج، هو
الإسلام كما ينبغي أن يكون ـ ديناً وسطاً يؤمن بالله واليوم الآخر،
وبقيمة الإنسان، وقيم الحرية والديمقراطية وتعدد الأديان والثقافات.
وبهذه المعاني جميعاً
فإننا نؤمن أن المسلمين يمكن، وينبغي أن يعودوا إلى تبوأ مكانتهم
الرائدة بين ديانات وثقافات وشعوب العالم.
شكراً لأستاذنا الجليل
جمال البنا على ما قدمه ويقدمه من مآثر لدينه وأمته وللإنسانية
جمعاء.
مع فقه الإصلاح الديني
من الحاكمية في السماء إلي
الديمقراطية علي الأرض
د. سعد الدين إبراهيم
يناير 2005
شهدت السنوات الأخيرة
فيما شهدت من أحداث جلال تحولاً ثورياً صامتاً في عقول وقلوب
وممارسات الحركات الإسلامية. صحيح أن المعارك مع فلول تنظيم
"القاعدة" ما يزال محتدماً على أطراف أفغانستان، ومع امتدادات
التنظيم وفروعه في أنحاء متفرقة من العالم، شملت السعودية واسبانيا
وأندونيسيا والعراق. ولكن المؤكد أن الأغلبية العظمى لمن يندرجون تحت
لافتة الحركات الإسلامية بدأو يراجعون ممارساتهم القطعية المتزمتة في
عداوتها لمجتمعاتها وللغرب والعالم. ولم يتبق من الجيل المعاصر من
الإسلاميين إلا قلة تتمسك بمقولات أبو الأعلى المودودي وسيد قطب حول
"الحاكمية لله" أو "الحاكمية للسماء". فمهما كانت جاذبية هذه
الشعارات، فإن أغلبية "المؤمنين" بدأو يوقنون، أنه إذا كان المقصود
بهذه الحاكمية هو تطبيق نصوص دينية مقدسة، أي الحكم بما انزل الله،
والتي هي في حالتنا نحن المسلمين هي "القرآن"، فإن هذه النصوص،
وقبلها وبعدها الله جل علاه، لا تحكم من تلقاء ذاتها، فهي نصوص
يقرأها بشر، ويفهمها أو يسئ فهمها بشر، ويطيعها بشر. أي أن النصوص لا
بد أن تمر من خلال بشر. وهؤلاء البشر ليسوا معصومون من الخطأ أو
الهوى. وهؤلاء البشر ـ إذن ـ يمكن أن يدنسوا ما هو "مقدس".
ولكن التحول الصامت في
الحركات الإسلامية، ما كان له أن يحدث لولا مجموعة متنوعة من العوامل
داخل هذه الحركات نفسها، وداخل أوطان بعضها، ومن العالم الخارجي. كما
كان هذا التحول جزءاً من الضغوط المتكاثرة لإصلاح الأنظمة العربية
الحاكمة من ناحية والضغوط العسكرية والمالية المتصاعدة على هذه
الحركات من ناحية أخرى. وسنتعرض في هذا المقال لبعض جوانب هذا
المشهد.
بدأ عام 2004 بعدة
مبادرات حول إصلاح
الأنظمة
السياسية العربية التي تكلست من جراء الاستبداد، والذي أفرز بدوره
صنوفاً
شتي من التطرف
الديني، الذي فاض وطال الشواطيء الأمريكية، حتي وصل أقصي جموحه في
أحداث يوم
الحادي عشر من سبتمبر، حيث تم تدمير مركز التجارة العالمي في
نيويورك،
وتدمير جزء من
مبني وزارة الدفاع الأمريكية المعروف باسم البنتاجون . هزت هذه
الأحداث أمريكا
من أقصاها إلي أدناها، ومن أسفلها إلي أعلاها، كما لم يحدث لها منذ
الهجوم الياباني
علي ميناء بيرل هاربر، والذي دفع أمريكا إلي خوض حرب ضد اليابان،
استخدمت فيها
سلاحاً مدمراً لم يسبق للبشرية تجربته، وهو القنبلة الذرية التي
ألقيت
علي مدينتي
هيروشيما و نجازاكي ، وأدي إلي استسلام اليابان دون قيد أو شرط، عام
1945فإذا كان
ذلك هو ما حدث قبل 56 عاماً من أحداث 11/9/،2001 فقد كان من
سذاجة وضحالة من
دبروا ونفذوا تلك الأحداث أن يتوهموا أن الولايات المتحدة، وهي ما
هي عليه من قوة
وصلف وجموح، ألا تستجيب بنفس الشراسة والعنفوان الذي ردت به علي
العدوانية
اليابانية. وربما كان عدم استخدامها للسلاح الذري أو النووي ضد من
اعتقدت
أنهم وراء أحداث
سبتمبر هو تقديرها أنها تستطيع الرد بأسلحة أقل فتكاً ودماراً
للحصول علي نفس
النتائج. لقد اسقطت طالبان في أفغانستان ولكنها لم تستطع أن تقضي
علي تنظيم
القاعدة الذي يقوده المنشق السعودي أسامة بن لادن، ونائبه المنشق
المصري
أيمن الظواهري.
وأشار المحللون والخبراء علي إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش أنه
أهم من القضاء
علي القاعدة وبن لادن والظواهري تغيير الأنظمة الحاكمة والمناخ
السياسي والتربة
الثقافية الدينية التي أفرزتهم، وتعيد إنتاجهم، ولكن المشكلة كانت
ومازالت أمام
الولايات المتحدة أن بعض الأنظمة العربية الحاكمة التي تنتج تربتها
هذا التطرف
وهؤلاء المتطرفين هي أنظمة صديقة تاريخياً للولايات المتحدة - مثل
النظامين
السعودي والمصري - والدليل علي ذلك ليس فقط أن أسامة بن لادن سعودي،
وأن
الظواهري مصري،
ولكن أيضاً أن معظم المتهمين في أحداث سبتمبر 2001 هم سعوديون
ومصريون. صحيح
أن ثمة أنظمة غربية أخري تستحق التغيير، وهي في نفس الوقت معادية،
ولها سجل سافر
في هذا العداء - مثل نظام صدام حسين في العراق، والأسد في سوريا،
والقذافي في
ليبيا، والبشير في السودان.
واختارت الولايات
المتحدة استراتيجيات متدرجة مع هذه الأنظمة وتلك.
فكانت
استراتيجية المطرقة الساخنة لكل من نظام طالبان في أفغاستان ونظام
صدام حسين
في العراق،
وكانت استراتيجية العصا الغليظة مع كل من أنظمة ليبيا وسوريا
والسودان.
واستجاب الأول علي
الفور بمجرد التلويح بالعصا، وفعل كل ما طلبته منه الولايات
المتحدة خصوصاً
والغرب عموماً. وتلكأ النظام السوداني قليلاً، فارتفعت العصا، ولكنه
استجاب جزئياً
قبل أن تهوي العصا علي رأسه، ويتلكأ النظام السوري علي أمل أن يفلت
من العصا
الثقيلة، تارة بالمناورة في لبنان أو علي الحدود السورية العراقية،
أو
بإرسال إشارات
الوعود إلي تركيا وإسرائيل باستعداده للتفاهم وإقفال الملفات
المفتوحة،
وأحياناً برسائل الاستجداء لاعطائه فرصاً جديدة من خلال وساطات مصرية
وقطرية وأردنية.
وتظل استراتيجية ا
لضغوط السلمية المتصاعدة علي الأنظمة العربية الصديقة
للغرب رغم
استبدادها - مثل النظام المصري والسعودي والتونسي- وتتمثل هذه
الاستراتيجية
بمحاصرة أنظمة الاستبداد الصديقة بمبادرات التغيير والإصلاح والإغراء
والحوافز.
وطالما تلوح بوادر التغيير فهي تعطي مزيداً من الوقت لإصلاحات أكثر
جدية،
وقد تمثل في
منتصف ،2004 حينما أقرت مجموعة الثماني - الأغني والأقوي في العالم-
مبادرة الشرق
الأوسط الأوسع ، التي تعرض مقترحات وتوصيات لبلدان الشرق لكي تنفتح
سياسياً نحو
مزيد من الديمقراطية، وتنفتح اقتصادياً نحو مزيد من آليات السوق،
وتنفتح ثقافياً
نحو مزيد من التسامح وقبول الآخر، وتنفتح اجتماعياً نحو مزيد من
المساواة بين
الجنسين ومزيد من الحرية لمنظمات المجتمع المدني واحترام حقوق
الإنسان، بما في
ذلك حرية التعبير. وأرفقت مجموعة الثماني بهذه الخطط والتوصيات
حزمة من الحوافز
والمغريات ومساعدات اقتصادية مباشرة، وتسهيلات تجارية سخية، ودعم
تقني متقدم.
وقد رحبت بعض بلدان
المنطقة بمبادرة مجموعة الثماني- مثل المغرب والأردن
واليمن وعمان
والبحرين وقطر. بينما ترددت وتشككت بلدان أخري- مثل مصر وسوريا
والسعودية.
وللأنظمة الحاكمة في هذه الأخيرة كل الحق في ترددها وتشككها
فالمبادرة
تهدف في النهاية
إلي مزيد من مشاركة الشعوب في السلطة، والرقابة عليها
ومحاسبتها!
ولكن السؤال هو: ومنذ
متي كانت هذه الدول الغنية في مجموعة الثماني
حريصة علي مصالح
شعوبنا العربية؟ أليست هي التي استعمرنا بعضها في الماضي، وتحتل
أحداها بلداً
عربياً هو العراق، وبلداً إسلامياً هو أفغانستان في الوقت الراهن؟
أوليست كبراها،
وهي الولايات المتحدة مستمرة في دعم إسرائيل ومتنكرة لحقوق الشعب
الفلسطيني؟
طبعاً، الإجابات علي
معظم هذه الأسئلة توحي بشيء رئيسي واحد، وهو ان
مجموعة الثماني
لا يهمها إلا مصالحها في المقام الأول وفي الماضي لم تكن
الديمقراطية
للشعوب العربية ضمن أهدافها، ولم يكن وجود الديمقراطية أو غيابها
يؤثر
سلبياً علي
مصالحها. بل ربما بدا العكس هو الصحيح وقد اعترف بذلك صراحة الرئيس
الأمريكي الحالي
جورج بوش في خطابه الهام 6/11/2003 أمام مؤتمر الوقفية الأهلية
الديمقراطية،
حيث ان المصالح النفطية واعتبارات الحرب الباردة جعلت الولايات
المتحدة تغض
البصر عن الممارسات الاستبدادية للأنظمة الصديقة لها في المنطقة، ولم
يترك الرئيس
الأمريكي فرصة للتخمين عن توقيت أو مكان هذا الاعتراف. نعم، لم تعد
الأنظمة
المستبدة في المنطقة تخدم المصالح الغربية بل أصبح العكس هو الصحيح
فاستمرار هذه
الأنظمة هو الذي يهدد تلك المصالح.
ولكن هل ستضمن الأنظمة
الديمقراطية العربية للغرب مصالحه، إذا جاءت إلي
السلطة؟
أمريكا والغرب أصبحوا
يعتقدون ذلك، فإذا كان أعداء الولايات المتحدة
السابقون من
اليابان إلي ألمانيا إلي الاتحاد السوفييتي قد تحولوا من الفاشية
والشيوعية إلي
الديمقراطية وأدي ذلك إلي خدمة مصالح الجميع، وإشاعة الاستقرار
والرخاء
والسلام، خلال الخمسين سنة الماضية، لا بد أن يكون نفس الشيء ممكناً
بالنسبة لبلدان
الشرق الأوسط، بما فيها العالم العربي أي