نشرة المجتمع المدنى

العدد 5 الاقليلات و المرأة فى العمال العربى

دارفور فى السودان
 

العربية

 د. سعد الدين ابراهيم

يونيو 2004

 دارفور، لمن لا يعرف، هي الإقليم الذي يقع في أقصي غرب السودان، وتسكنه قبائل زنجية مسلمة هي قبائل "الفور"، ولأن الإقليم هو موطنهم الجغرافي والتاريخي، فقد أطلق عليه العرب اسم "دار" الفور، كما أطلقوا اسم بلاد "السود" علي الوطن الأكبر، فأصبح اسمه "السودان". ولم يكن إقليم "دارفور" دائماً جزءاً من السودان، إلا في أواخر القرن التاسع عشر، بعد سيطرة الإنجليز علي مقدرات وادي النيل، مع احتلالهم لمصر (1881)، ثم تغلغلهم بالتبعية إلي جنوب الوادي، الذي كان تابعاً لمصر، منذ عهد محمد علي الكبير، مؤسس الدولة المصرية الحديثة، والذي فتح السودان، نيابة عن الدولة العثمانية في الربع الأول من القرن التاسع عشر. وكان هدف محمد علي هو اكتشاف منابع نهر النيل، واستغلال الموارد الطبيعية والبشرية للسودان في تشييد أحلامه الامبراطورية. ولم تكن "دارفور" جزءاً من هذا المشروع، لذلك لم يهتم محمد علي أو خلفاؤه في ضم دارفور إلي بقية السودان، أو لمصر، خلال ما تبقي من القرن التاسع عشر. وظلت دارفور مملكة قبلية تقليدية، تتسع أو تنكمش مع قوة سلاطينها مقارنة بقوة جيرانهم

وحينما بسطت بريطانيا هيمنتها علي مصر، والسودان المصري، إثر نشوب الثورة المهدية، فإنها لم تكتف بالتغلغل جنوباً، وتغيير الاسم إلي "السودان المصري- الإنجليزي"، ولكنها امتدت غرباً وضمت "كردفان" و "دارفور" إلي هذا السودان المصري- الإنجليزي. ولأن دارفور، تحديداً، تتاخم عدداً من بلدان الجوار الإفريقية الزنجية السوداء، أهمها تشاد ونيجيريا، فإن الأغلبية الساحقة من سكانها أكثر "إفريقية" منهم "عروبة". فهم مسلمون، ولكنهم ليسوا عرباً، وليست اللغة العربية هي اللغة الأم بالنسبة لهم. ومن يتحدث العربية منهم، فقط الذين تعلموها في المدارس، ومن الاختلاط اليومي بالسودانيين العرب من الشمال، ومن وسائل الإعلام.

عاني أهل دارفور- مثلما عاني أهل الجنوب وأهل الشرق- من الإهمال والتهميش علي يد الحكومات السودانية المتعاقبة منذ الاستقلال (1956). وكانت هذه المعاناة تزداد بسبب الظروف المناخية، مثل الجفاف والتصحر، الذي يؤدي إلي هلاك قطعان الماشية لاشتداد العطش. كما كانت تزداد الأحوال بؤساً في ظل الأنظمة العسكرية- الاستبدادية- مثل نظام اللواء إبراهيم عبود (1958-1964)، واللواء جعفر نميري (1969-1985). ولكن الأسوأ علي الإطلاق كان وما يزال في ظل النظام الحالي، الذي يطلق عليه حكم "جبهة الإنقاذ"، التي جمعت بين الاستبداد والقحط والجفاف. وزاد الطين بلة، أن حكومة الإنقاذ بكل تعصبها الديني وتزمتها العنصري حاولت أن تغطي علي تعثرها وفشلها في إدارة مسألة الجنوب، بالظهور بمظهر القوة والحسم، حينما بدأت مقاومة أهل دارفور تشتد نتيجة هذه المعاناة. وارتكبت حكومة "الإنقاذ"، احد أكبر حماقاتها بإنشاء ميليشيات عسكرية من قبائل "الجنجويد" ذات الأصول العربية، لتستعين بهم من أجل البطش بالمحتجين من اهل دارفور. ولما كانت حكومة الإنقاذ مفلسة مالياً، ومنهكة عسكرياً، ومستنزفة سياسياً، فقد تركت الزمام لميليشيات الجنجويد، لكي "تنهب"، و "تسبي"، و "تغتصب". وكانت النتيجة في الشهور الستة الماضية تشريد وتشتيت حوالي نصف مليون من أهل دارفور، لجأ معظمهم إلي الأراضي التشادية المجاورة، تاركين وراءهم حقولهم ومراعيهم وقطعان الماشية إذا لم تكن ميليشيات الجنجويد قد نهبتها بالفعل. وخلال هذه المحنة لأهل دارفور تعرض مئات الآلاف من اطفالهم للموت جوعاً وعطشاً إما من سوء التغذية، أو بسبب غياب وترويع آبائهم وامهاتهم. وكان لا بد أن تنبثق من صفوف أهل دارفور مقاومة مسلحة للدفاع الجماعي عن النفس. وقد أدي ذلك بدوره إلي اتساع رقعة الحروب الأهلية في السودان. فقد أصبحنا الآن بصدد جبهة جديدة في غرب السودان. وهناك بوادر جبهة مشابهة يزيد فيها التوتر يوماً بعد يوم، لنفس الأسباب، في شرق السودان، حيث تعيش قبائل "البجا".

لماذا اخترنا كلمة "النكبة" لوصف ما يحدث في دارفور؟

أولاً: لأن ما يحدث بالفعل هو مأساة إنسانية بكل المعايير، علي النحو الذي رصدنا بعضه، أعلاه.

ثانياً: لأن العالم كله خارج الوطن العربي، كان وما يزال يتابع المأساة بقلق شديد. وتجلي ذلك في أوروبا ممثلة بالبرلمان الأوربي، وعدة حكومات أوروبية، ومنظمات حقوقية- مثل منظمة العفو الدولية، والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، ومرصد حقوق الإنسان (هيومان رايتس ووتش)، ومنظمة "حقوق الإنسان أولاً" (هيومان رايتس فيرست). بل أن الأمم المتحدة، علي لسان أمينها العام، كوفي عنان، ومفوضية حقوق الإنسان، قد عبّرت عن قلقها المتزايد لما يحدث في دارفور. وطالبت الأسرة الدولية بتقديم المساعدات الغذائية والطبية العاجلة لأهل دارفور.

ثالثاً: كانت الضغوط والوساطات الدولية المتوالية وراء التوصل إلي اتفاق لوقف القتال وإطلاق النار بين الميلشيات الموالية لحكومة الخرطوم والمقاومة "الدارفورية"، منذ شهرين. ولكن كما هو الحال في كل الحروب الأهلية، وتعدد الميلشيات وعدم الانضباط، فإن الالتزام بهذه الاتفاقيات لا يتم احترامه، ويضع كل طرف المسئولية علي الطرف الآخر. ولكن الذي يدفع الثمن عادة، هم المدنيون، وخاصة من النساء والأطفال.

رابعاً: في كل هذا المشهد المأساوي، الذي اهتم به العالم كله، ظل العالم العربي، ممثلاً بحكوماته، صامتاً، كأن ما يحدث في غرب السودان، بإقليم دارفور، يحدث في بلاد الواق واق، أو جزر الهند الغربية. حتي حينما حاول البعض مخاطبة الجامعة العربية، وحث مؤتمر القمة الأخير، الذي عقد في تونس في أواخر شهر مايو، علي التدخل لوقف المأساة أو احتواء تداعياتها، لم تحرك الجامعة ساكناً، ولم يهتم الزعماء العرب. ولم تساهم أي حكومة عربية بإرسال الغذاء أو الكساء أو الدواء لضحايا هذا العنف الواسع النطاق.

خامساً: إن هذا التجاهل العربي الرسمي هو الذي يغري أو يدفع العالم الخارجي إلي مزيد من التدخل في الشأن العربي الداخلي بل هو الذي يدفع أهل دار فور، كما دفع غيرهم من المظلومين، إلي توجيه النداءات ثم الاستغاثات إلي العالم الخارجي لإنقاذهم من براثن حكومتهم المستبدة أو من الفوضي والبؤس والهوان. هذا ما حدث للكويتيين بعد غزو صدام حسين للكويت، وبعد أن اشتد بطش الرجل بالأكراد من شعبه حيناً، وبالشيعة حيناً. لا تتدخل الأنظمة العربية بدعوي احترام "السيادة"، وحين يتدخل الكبار الأقوياء، إما أن الأنظمة تظل علي صيحتها أو تطلق أبواقها الإعلامية للصياح الاحتجاجي ضد التدخل الأجنبي. بتعبير آخر، إذا ذبح أي نظام عربي أبناء شعبه أو أبناء شعب عربي أو إسلامي مجاور، كما فعل صدام مراراً، أو كما فعلت حكومة الإنقاذ السودانية، فإن ذلك يندرج تحت ما يمكن تسميته "ذبحاً حلالاً" من وجهة نظر الأنظمة أو الدول الأعضاء في الجامعة العربية. أما إذا تدخل غير العرب فتقوم قائمتهم، لأن هناك شبهة الخوف من "ذبح حرام" أو غير شرعي. ولم نجد من الأمين العام لجامعة الدول العربية من المبادرة والشهامة الإنسانية، مثل، ما بادر به أمين عام الأمم المتحدة في هذا الشأن الدارفوري- السوداني. فلماذا؟.

سادساً: إن للنكبات العربية ألف وجه ووجه. من هذه الوجوه تداعياتها الإنسانية العاجلة وتداعياتها السياسية والقومية الآجلة. من ذلك أن تمسك الشعب بقوميته وعروبته قد تلقي طعنة نجلاء بعد الغزو الصدامي لأراضيه. ومن قبله حدث شيء مشابه للشعب اللبناني الذي مزقته حرب أهلية طال أجلها. ومن بعده الشعب العراقي الذي تركته الحكومات والشعوب العربية تحت رحمة من لا يرحم لأكثر من ثلاثين عاماً. وهناك هواجس حقيقية أن الشيء نفسه يحدث للسودانيين بعربهم ومسلميهم وزنوجهم. فهم لم يروا من الحكومات العربية إلا تأييدها الأعمي للحكومات السودانية المستبدة، التي جلبت معها للسودان الفساد والخراب.

وأخيراً لن ينصلح حال السودان، ولن تتوقف مآسيه إلا بصيغة فيدرالية تعددية لنظام الحكم- لا فقط بين الشمال والجنوب، ولكن أيضاً تشمل الغرب والشرق. فلنندفع نحن العرب نحو هذا الحل الفيدرالي الديمقراطي، قبل أن يفرض علي السودان من الخارج، وبواسطة أطراف غير عربية.
 

على هامش نكبة دارفور

لوم الضحية في فقه المؤامرة والاستهداف

د. سعد الدين ابراهيم

أغسطس 2004  

لا بد أن كاتبنا الكبير نجيب محفوظ، مثل كثير من عقلاء هذه الأمة، قد فاض بهم الكيل من غوغائية بعض الساسة والمثقفين العرب، الذين لا يكفون عن اتهام الخارج بتدبير المؤامرات، الواحدة تلو الأخرى، للتدخل في شئوننا، واختلاق الذرائع لاحتلال أوطاننا، والهيمنة على مصائرنا، ونهب ثرواتنا. لذلك يواصل نجيب محفوظ، للأسبوع الثاني على التوالي، في حديثه الأسبوعي للزميل محمد سلماوي (الأهرام 2/8/2004) في الإلحاح على مسؤليتنا الذاتية عن المصائب والنكبات التي تقع لنا. والتي قد تستغلها بعض الأطراف الخارجية، فعلاً، للتدحل في شئوننا. يقول الشيخ نجيب محفوظ :

" إن ما يحدث الآن (أغسطس 2004) في دارفور بالسودان إنما يثبت أننا كعرب لم نستوعب بعد حقائق العصر الذي نعيشه. ففي عالمنا هذا لم يعد هناك ما يمكن أن يعتبر شأناً داخلياً. فقد صغر العالم وتقاربت أطرافة التي كانت تبدو في عصر آخر نائية. وصار ما يحدث في أقصى الأقاليم السودانية يحظى باهتمام جميع دول العالم، كما يثبت قرار الأمم المتحدة الأخير في هذا الشأن. ومن ثم فإن ذلك يعطي بعض القوى التي تسعى للتدخل في المنطقة والسيطرة عليها فرصة لتحقيق أهدافها. إن علينا أن نعرف أنه في عصر العولمة الذي نعيشه فإن أي شيئ يحدث في أقاصي إقليمنا يسمع صداه في جميع عواصم العالم وتبث صوره جميع قنوات التليفزيون..."

ورغم أن هذا هو الإدراك الواعي لكاتب في التسعين من عمره، إلا أن جيلاً أصغر بحوالي خمسين سنة ما زال يردد نفس حديث المؤامرة والاستهداف من الخارج، دون أي نقد ذاتي، أو مراجعة حقيقة ما تردده الأنظمة العربية الحاكمة، التي عهدناها جميعاً مستبدة كذوبة.

من ذلك ما أفردت له مجلة أسبوعية تصدر عن مؤسسة الأهرام، وهي "الأهرام العربي"، التي خصصت ملفاً كاملاً في عددها بتاريخ 31/7/2004 لموضوع دارفور، بعنوان رئيسي بارز على الغلاف "المؤامرة عنوانها النفط"، وعنوان فرعي هو "مفتاح صندوق انتخابات بوش في دارفور". بل ويبدأ الملف بافتتاحية لرئيس تحرير المجلة، الزميل أسامة سرايا، عنوانها "من دارفور... إلى المسجد الأقصى". وهكذا في عدة كلمات وعناوين أوحى أسامة سرايا بمفردات التنويعة المعتادة لنظرية "المؤامرة"، التي أدمنها العقل العربي في العقود الخمسة الأخيرة. ففيها كل عناصر الوجبة الدسمة للمؤامرة وهي: أمريكا، والغرب، وإسرائيل كمتآمرين، طامعين، أشرار، وفيها "نفط"، ومياه، وأنهار، ومعادن، كمطمع لهؤلاء الأشرار. وفيها "عرب" و "مسلمين" كضحايا مستهدفين. والتنويعة الإضافية هذه المرة هي "صندوق الانتخابات" الرئاسية في الولايات المتحدة. فقد ادعت كاتبة اسمها د. أماني الطويل في نفس عدد الأهرام العربي أن "قطار التدخل الدولي السريع بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية أوشك أن يدخل محطة دارفور السودانية التي اختلط فيها الحابل بالنابل. فلم تعد هناك خطوط فاصلة بين الشأن السياسي والشأن الإنساني، حيث يتلاعب بمصير أكثر من مليون سوداني نازح ومشرد في الصحراء، المحترفون في واشنطون ولندن والخرطوم، بينما الهواة من السياسيين الجدد، من أبناء دارفور، ينتقلون بين العواصم العالمية حيث أسكرتهم خمرة النجومية السياسية والإعلامية، فأفتقدوا القدرة على طرح أجندة سياسية متماسكة".

وهكذا تعزو د. أماني الطويل النكبة الإنسانية في دارفور إما لمحترفي السياسة في واشنطون ولندن أوالخرطوم، وبهذا الترتيب، أي واشنطون ولندن أولاً وثانياً، ثم الخرطوم في المقام الأخير. أما الفريق الثاني المسئول عن نكبة دارفور فهو في رأي د. أماني الطويل، فريق من هواة السياسة الجدد من أبناء دارفور، الذين لعبت خمر النجومية بعقولهم، فقدموا أكثر من مليون من ذويهم قرابين على مذبح هذه النجومية المبتغاه! وهي تنتقد هؤلاء الهواة الجدد لأنهم لا يمتلكون أجندة سياسية متماسكة"!!.

إن مثل هذا التحليل الذي يتراوح بين السذاجة، مع أحسن الظنون، و "التضليل"، مع أسوأ الظنون، قد أصبح نمطاً شائعاً في الصحافة المصرية والعربية. وسيقتصر تفسيرنا هنا على فرضية أحسن الظنون، حيث لا توجد مصلحة ذاتية للأهرام العربي ـ سواء من خلال رئيس التحرير (أسامة سرايا) أو د. أماني الطويل التي أعدت ملف العدد.

نبدأ نقدنا لهذه المدرسة في الإعلام العربي عموماً والمصري خصوصاً، بنزعتها لوضع "اللوم على الضحية". فالقيادات السياسية في دارفور هي المسئولة، في نظر هذه المدرسة عما حدث ويحدث لأهاليهم، من تشريد ونزوح وجوع وموت. فهذه القيادات هي، أولاً، "هاوية" وليست "محترفة". وهي، ثانيا،ً تبحث عن "النجومية" خارج الحدود. وهي، ثالثاً، تركت النزعة للنجومية تستبد برؤوسها حتى أسكرتها تماماً. ولذلك افتقدت، رابعاً، إلى صياغة أجندة سياسية متماسكة". أي أنها لو كانت تملك مثل هذه الأجندة، ولم تنزع إلى النجومية، فربما كانت نكبة دارفور لم تقع أصلاً، أو كان يمكن احتوائها بسرعة.

إن عناصر نكبة دارفور ضاربة بجذورها إلى عدة عقود مضت. ولكنها تفجرت فقط منذ عامين، وبدأ العالم ينتبه إليها منذ عام واحد، ثم تعالت صيحات المجتمع الدولي منذ ستة شهور فقط، ثم منذ شهر واحد، قرار مجلس الأمن الذي يعطي الحكومة السودانية ثلاثين يوماً لوقف العنف، بنزع سلاح "الميليشيات" الحكومية العربية المعروفة باسم "الجانجويد".

وعلى حد علمي وبناء على مصادر سودانية ودولية، فإن "حركة تحرير السودان"، و"حركة العدل والمساواه" وغيرهما من تكوينات وتنظيمات سياسية في دارفور، هي جميعاً حديثة النشأة، ولا يتجاوز عمر أقدمها خمس سنوات. أي أن قياداتها هي فعلاً من "الهواة"، على حد تعبير د. أماني الطويل. ولكن السؤال للدكتور أماني وغيرها هو "ماذا عمن يحكمون السودان من الخرطوم منذ الإنقلاب العسكري ـ الديني، الذي سمي نفسه بنظام جبهة الإنقاذ، والذي استولى على السلطة منذ عام 1989 ـ أي منذ ستة عشر عاماً؟ ألا تكفي هذه السنوات الطويلة في السلطة لكي يكونوا محترفين؟ اظن أن د. أماني تقر بأنهم كذلك، فلماذا لم تتوقع منهم أو تطالبهم بأن يكون لديهم "أجندة سياسية متماسكة"؟

حقيقة الأمر أنه كانت لدى جبهة الإنقاذ أجندة سياسية متماسكة في سنواتها العشر الأولى (1989ـ 1999)، حيث صاغ لها د. حسن الترابي برنامجاً إسلامياً عربياً شرعيا لحكم السودان، بمسلميه ومسيحييه ومشركيه، بعربه وزنوجه وأعاجمه. وتبنى اللواء عمر البشير ـ (الذي أصبح فريقاً، ثم مشيراً) ـ بعد الإنقلاب، برنامج الترابي، وتحمس له، وقاتل من أجل تطبيقه. وفي معمعة هذا الحماس لتطبيق هذا البرنامج الشرعي الإسلامي ـ العربي، المتماسك، تسببت جبهة الإنقاذ في تفكيك السودان، وسفك دماء مليونين من أبنائه، معظمهم في الجنوب، وتشريد ثلاثة ملايين آخرين، منهم مليون في غرب السودان، وهو دارفور.

المسألة، إذن، ليست وجود برنامج سياسي متماسك من عدمه. فمثل هذه البرامج الأيديولوجية المتماسكة أدت إلى الاستبداد، وأدى الاستبداد بدوره إلى الفساد، وأدى هذا الأخير إلى الخراب. إن ثلاثية "الاستبداد ـ الفساد ـ الخراب"، كانت تحدث في السودان منذ إستيلاء الفاشية العسكرية ـ الدينية على مقاليد السلطة في السودان (1989) تحت المسمى الخداع "جبهة الإنقاذ". ولكن نفس هذه الثلاثية البغيضة تجلت بشكل درامي في دارفور خلال السنة الأخيرة، لذلك جذبت اهتمام العالمين ـ في الداخل والخارج.

إن أنظمة الحكم العربية تتضامن ـ من خلال جامعتهم العربية ـ في التستر على ثلاثية الاستبداد والفساد والخراب، لأن ذلك يخدم مصالحها. ولكن لماذا يساهم بعض المثقفين والصحفيين العرب في مثل هذا التستر؟ لماذا يظل أمثال نجيب محفوظ صوتاً وحيداً يصيح في البرية العربية الموحشة؟

لقد ارتكبت الأنظمة العربية نفس جريمة الصمت هذه بالنسبة لنظام الرئيس السوري السابق حافظ الأسد عندما دك مدينة حماة بطائرات سلاح الجو السوري، في أوائل الثمانينات، وقتل ما يزيد عن عشرين ألفاً من أبناء المدينة، للتخلص من عدة مئات من معارضيه من الاخوان المسلمين. ولم يرتفع وقتها صوت حكومة عربية واحدة أو مثقف أو صحفي عربي واحد للاحتجاج ـ بدعوى أن سوريا كانت وقتها تقود جبهة "الصمود والتحدي" في مواجهة إسرائيل والغرب.

واستمر هذا التواطئ المتبادل بين الأنظمة العربية الحاكمة في عدة حالات نكل فيها النظام الليبي بمعارضيه داخل ليبيا، أو بالعرب المعارضين من خارجها. ولعلنا نذكر اختفاء الزعيم الشيعي اللبناني موسى الصدر أثناء زيارته ليبيا في الثمانينيات، ثم اختفاء المعارض الليبي منصور الكنحيا، الذي كان وزيراً لخارجية ليبيا، بعد اختطافه من فندق سفير بالدقي في القاهرة في أوائل التسعينيات. ومرة أخرى برر المثقفون صمتهم بأن "الأخ معمر" هو أيضاً أحد أركان جبهة الصمود والتصدي.

وأخذ التواطئ طابعاً عنصرياً طائفياً بغيضاً في حالتي استخدام النظام العراقي لصدام حسين أبشع أساليب الإبادة والتنكيل ـ بداية ضد جيرانه الإيرانيين (1980-1988) بدعوى أنهم "فرس مجوس". وأن نظام صدام يحرس البداية الشرقية للأمة ضد حجافلهم. ومرة ثانية عندما استخدم الغازات السامة ضد مواطنيه الأكراد في "حلبجة" ـ بدعوى أنهم غير عرب، ولديهم نزعات انفصالية. ومرة ثالثة ضد جيرانه العرب الكويتيين. وكان صمت معظم المثقفين العرب هذه المرة، هي لأن الكويتيين أثرياء، وأنهم استغاثوا بالغرب الاستعماري لإنقاذهم!.

وهكذا يتكرر مسلسل الاستبداد وحماقاته في الداخل ومع الجيران. ويستمر التواطئ المتبادل للأنظمة لمصالح معروفة، كما ذكرنا آنفاً. ولكن المدهش والمزعج والمحزن، أن يتحول بعض المثقفين والإعلاميين إلى شركاء في جريمة الصمت، ويبررون لهذه الجريمة بشتى الأعذار. ومن آخر هذه المبررات، وضع اللوم على "الضحية" ـ كما في حالة دارفور.

فلا حول ولا قوة إلا بالله

الأصوليات والعنتريات والنكبات في الوطن العربي

 د. سعد الدين ابراهيم

أغسطس 2004

 في حديثه الأسبوعي مع محمد سلماوي (الأهرام 5/8/2004)، يتساءل كاتبنا الكبير نجيب محفوظ "ما هذا الذي يحدث في العالم العربي؟ لقد كانت فلسطين هي بؤرة الصراع في المنطقة، وكانت هي الجرح الدامي منذ سنين، والآن تعددت الجراح. فهناك العراق، وها هي السودان تتحول هي الأخرى إلى بؤرة صراع واقتتال، وهو شئ غير مفهوم وغير مقبول من أي طرف عربي. فإذا كنا نعرف جيداً أننا كعرب مستهدفون، فلماذا نفعل ما يغري الآخرين بنا؟ هذا ما حدث في العراق حين هددت الولايات المتحدة بغزوها، فاتخذت القيادة العراقية بعض المواقف العنترية المتحدية التي سهلت عملية الغزو، وأعطتها ذريعة نعرف جميعاً أنها كانت زائفة. إن الشئ نفسه يبدو أنه يحدث في السودان. فهناك قوى تتربص بالسودان منذ فترة وتبحث لنفسها عن ذريعة. وها نحن نتعامل مع هذه القلاقل التي تشهدها منطقة دارفور بطريقة تثير حفيظة القوى وربما أعطتها الحجة التي تبحث عنها لكي تتدخل متعللة بالحفاظ على حقوق الإنسان، ولوقف ما تسميه "حرب الإبادة" التي تجرى هناك، وعندئذ سنندم حيث لا ينفع الندم".

في اليوم التالي، كتب الصحفي اللامع مجدي مهنا في جريدة المصري اليوم (6/8/2004) معلقاً على نفس أحداث دافور "لماذا دارفور الآن؟ وماذا بعد دارفور؟ بعد قيام القوات الأمريكية بضرب أفغانستان، طرحنا السؤال: وماذا بعد أفغانستان؟ وكانت العراق هي المحطة الثانية... إن ما يجري في دارفور من  السهل بيعه وتسويقه إلى الشعب الأمريكي على أنه يدخل ضمن الحرب على الإرهاب. والذي يشغلني حقيقة ليس دارفور... إنما معرفة المحطة الثالثة بعد دارفور؟ ومن سيكون عليه الدور بعد السودان؟ هل ليبيا؟ هل سوريا؟ هل لبنان؟ هل إيران؟ هل مصر؟ " ثم يخلص مجدي مهنا إلى الإجابة التي أعد القارئ لها: "نعم مصر. فما جرى في العراق هو إضعاف لدور مصر... وما ينفذ الآن من سيناريوهات في الأرض المحتلة وقطاع غزة هو إضعاف لهذا الدور. وما يخطط الآن في غرب السودان هو استمرار في مسلسل تركيع مصر".

إن الفارق العمري بين نجيب محفوظ ومجدي مهنا هو حوالي أربعين عاماً. وهناك فارق مهني، حيث الأول "روائي" والثاني "صحفي"... وربما هناك فروق أخرى لا أعرفها. ولكن الفارق الأهم ـ في رأيي ـ هو أن أولهما نشأ وترعرع في ظل "مصر الليبرالية"، وثانيهما ـ أي مجدي مهنا ـ نشأ وترعرع في ظل "مصر الشمولية". ومن هنا اختلفت رؤية كل منهما لما يحدث في "دارفور والسودان"، ومن قبلها العراق، ومن قبلها فلسطين. فنجيب محفوظ لا يتجاهل العوامل الخارجية في مشكلات وأزمات هذه البلدان الثلاثة، ولكنه يضع المسئولية الأساسية على أكتاف النظام العربي الحاكم، أو على أكتاف النظام العربي الإقليمي كله. بينما الزميل مجدي مهنا، يضع هذه المسئولية كاملة على الأطراف الخارجية عموماً، وعلى أمريكا خصوصاً. ويتضح هذا جلياً من المفردات التي استخدمها كل من "الروائي" و "الصحفي". في حديث نجيب محفوظ، الذي لم تتجاوز كلماته مائة وعشرين كلمة، كانت هناك فكرة مركزية، وهي "إذا كنا نعرف جيداً كعرب أننا مستهدفون، فلماذا نفعل ما يغري الآخرين بنا؟".

فكان نجيب محفوظ يرد مقدماً، على تساؤلات مجدي مهنا، التي جاءت في اليوم التالي، والح فيها على "الاستهداف" و "المخطط" و "السيناريو"، الذي أعده الآخرون للعرب عموماً ولمصر خصوصاً. فهل كان نجيب محفوظ  يعلم مسبقاً ما سيتساءل عنه مجدي مهنا لاحقاً؟ لا أعتقد أن نجيب محفوظ كان يعرف ذلك تحديداً، وأشك أنه حتى يعرف مجدي مهنا شخصياً، الذي هو أصغر منه بجيلين، ولم يبزغ نجمه كصحفي إلا في السنوات العشر الأخيرة. ولكن نجيب محفوظ كان يدرك ما سيقوله كثيرون ممن نشأوا وترعرعوا في الحقبة الشمولية، حتى لو لم يكونوا من أنصار الأنظمة الشمولية. ومعرفتي الشخصية بالزميل مجدي مهنا، الذي عقد معي لقاءات صحفية مطولة، تجعلني أقطع بأنه ليس من أنصار "الشمولية"، ولكنه مثل عديدين، ضحية المناخ الشمولي الذي نشأ فيه جيلين كاملين (والجيل عند ابن خلدون هو خمسة وعشرين عاماً)، أي خلال الخمسين سنة الأخيرة. وقد صبغ هذا المناخ الشمولي تفكير أغلبية العرب والمصريين. فما هي ملامح أو صبغة هذا المناخ؟.

إن الشمولية بطبيعة اسمها تقدم رؤية "شاملة" للكون وللحياة، تستند أو تدور حول محور أساسي واحد، تختزل فيه وتنظر من خلاله إلى كل جوانب الواقع الذي نعيشه، مهما كانت تعقيداته، ومهما تعددت مفرداته، ومهما تداخلت هذه الجوانب أو تقاطعت هذه المفردات. وبهذا المعني فإن الشمولية تنطوي على "راحة ذهنية"، حتى لو كانت راحة ذهنية مؤقتة، أو زائفة، أو مضللة. وبهذا المعنى أيضاً فإن "الشمولية" و "الأصولية" هما وجهات لنفس العملة: فكل شئ يتم رده إلى عامل مركزي واحد "أصيل"، وكل مفردات الواقع يمكن إعادة ترتيبها وتركيبها في إطار "شامل" واحد. ورغم أن "الأصولية" ارتبطت تقليدياً بالأيديولوجيات الدينية الأخروية، بينما ارتبطت "الشمولية" بالأيديولوجيات الدنيوية والمادية، إلا أنهما يشتركان معاً في اعتمادهما على نظرية العامل الرئيسي الواحد الأوحد في التفسير، والتبرير، والتأطير. وضمن هذه الأصولية أو الشمولية، تبرز مفردات مثل "الاستهداف" و"المخططات" و"السيناريوهات" و "المؤامرات". وأخطر ما في ذلك كله هو أن التسلسل ينتهي بنظرية "المؤامرة"، وهي مريحة ذهنياً، ولكنها مستحيلة الاختيار  والتمحيص عملياً أو معملياً أو علمياً. فالمخطط التآمري، أو المؤامرة بطبيعتها تكون "سرية"، ولأنها كذلك فهي تنتمي إلى عالم "الغيب" وليس إلى عالم "الشهادة" الذي يخضع للرؤية والتبين والاختيار والتحقق!.وعودة إلى دارفور والسودان، فما هو الذي شاهده العالم، من خلال الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية؟

1ـ خلال العام الأخير ـ أي من منتصف عام 2003 إلى منتصف عام 2004، تم تشريد 1.2 مليون من سكان دارفور، غرب السودان، وقتل أو موت أكثر من مائتي ألف طفل وامرأة ورجل، نتيجة اشتباكات مسلحة، أو نتيجة الجوع.