نشرة المجتمع
المدنى
العدد 5
الاقليلات و
المرأة فى العمال العربى
المرأة فى مصر و العراق
الأخوات المسلمات و انتخابات 2005
د. سعد الدين ابراهيم
ديسمبر 2005
رغم كل ما اعتور
الانتخابات البرلمانية من عنف وتزوير ، ألا أنها حركت المياة
السياسية التى طال ركودها فى مصر المحروسة . وكان من ظواهر هذه
الحركة ما أحدثه الاخوان المسلمون من تحديات لنظام حسنى مبارك و
لحزبه الوطني الديمقراطي الحاكم ، ولبقية أحزاب المعارضة من أقصى
اليمين الى أقصى اليسار . صحيح ان الذين شاركوا فى الانتخابات لم
يتجاوزا عشرين بالمائة على المستوى القومي ، وصحيح ان هذه النسبة
انخفضت أكثر فى المدن الى أقل من عشرة بالمائة ، بينما تجاوزت
الثلاثين فى المائة فى الأرياف . وقد غابت الطبقة الوسطى عن
الانتخابات غيابا مريبا ، يهدد التجرية الديمقراطية المصرية ، التى
ولدت ولادة قيصرية ، وظهر عليها الكساح منذ البداية. ومن المعروف فى
أدبيات العلوم الاجتماعية أن الطبقات الوسطى هى العمود الفقرى لكل
الديمقراطيات الواعدة . وبالتالى فإن المشاركة الهزيلة او المعدومة
للطبقة الوسطى فى الانتخابات هو فأل سيئ لديموقراطيتنا الوليدة. وهو
موضوع فى غاية الخطورة ، ولابد أن نعود اليه فى مقال مستقل فى وقت
لاحق.
ولكن فى مقال هذا
الأسبوع ، فإننى أريد أن أتناول أحد الظواهر الايجابية فى انتخابات
2005 ، وهى دور السيدات عموما ، ودور النساء المحجبات خصوصا . لقد
تجولت ميدانيا فى قرى وحضر محافظة الدقهلية فى المرحلة الثالثة
للانتخابات . وفى قرى ميت على ، وشبرا و بدين ، وهى تابعة لدائرة بنى
عبيد كان مشهد المدارس التى استخدمت كمراكز اقتراع ، أشبه بأيام
الأعياد أو شم النسيم . فقد كان المنظر احتفاليا ، نساء وأطفال وكبار
يرتدون ملابس زاهية جديدة ، ربما لقرب المناسبة من عيد الفطر المبارك
. وكانت العملية الانتخابية فى هذه القرى الثلاث تمضى بسلاسة
وانضباط. وأكد لى القضاة والمستشارون الذين تحدثت اليهم فى عشر لجان
بتلك القرى صدق ملاحظتى . وسألت بعضهم عما اذا كانوا فد شاركوا فى
الاشراف على انتخابات المرحلتين السابقتين ، وعما اذا كان هناك فروق
واختلافات . وذكر منهم من شارك فى محافظة البحيرة وبنى سويف و الجيزة
و الغربية ان الأجواء هناك كانت أكثر توترا . لم يكن هناك صفوف أو
طوابير خاصة بالرجال و أخرى خاصة بالنساء فى معظم لجان تلك القرى.
وكنت - بحكم المهنة كعالم اجتماع – أقوم بإحصاء عدد النساء وعدد
الرجال الوافدين على صناديق الانتخاب ، خلال الساعة التى قضيتها فى
كل قرية و أثلج صدرى أن الأعداد من الجنسين كانت متقاربة ، أو تميل
قليلا لصالح النساء. ولكنى لاحظت أيضا أن معظم هؤلاء النسوة هن من
متوسطات العمر – اى فوق الأربعين من أعمارهن وكانت نسبة من هن دون
الثلاثين أو فوق الستين محدودة للغاية. وهى ظاهرة تستحق أيضا بعض
التفسير. ومبدئيا افترضت ان النساء فى هذا العمر الوسيط (40-60 سنة)
قد فرغن من مرحلة الحمل وتربية الأطفال ، وبالتالى أصبحن أكثر حرية
وأقل انشغالا بالواجبات المنزلية والتربوية.
أما فى مدينة المنصورة
فقد كان المشهد فى عدد من اللجان التى ترددت عليها مختلف تماما :
مزيد من التجمهر خارج المدارس أو الساحة الشعبية ، مقار اللجان ، و
أجواء متوترة بين الجمهور و قوات الشرطة المسئولة عن حفظ النظام.
بالقدر الذى تحدثت فيه مع الناس أو ما سمعته منهم فقط كانت شكاواهم
تتمحور حول تنعت الشرطة، ومنعها من دخول المبنى التى توجد فيه اللجان
، إلا لمن معهم بطاقة خضرا ، قيل أنها لأنصار الحزب الوطني. وفى أحد
المقرات شهدت بنفسى اشتباكات بعضها بين الناخبين و آخرين قيل أنهم
بلطجية ، فقد كانوا يحملون فى أيديهم إما عصا غليظة (شوم) ، او
كرابيج ، أو سيوف. وكنت قد قرأت أو رأيت صورا لمثل هؤلاء "البلطجية"
فى الجولتين الأولى و الثانية . ولكن اندهشت لرؤيتهم فى الجولة
الثالثة ، بعد ما أكد وزير العدل للقضاة أنه ستكون هناك حراسات
واجراءات احترازية ضد كل من السلوكيات العدوانية التى سادت فى
الجولتين السابقتين . وأغلب الظن أن وزير العدل كان صادقا فيما وعد
به. ولكن ما وعد به ، لم يكن هو المسئول عن تنفيذه. فهذه المسئولية
تقع على كاهل وزارة أخرى ، غير العدل ، وهى وزارة الداخلية ويبدو أن
وزيرها أكد لزميله وزير العدل أنه سيكفل كل ماهو مطلوب لحفظ الأمن
والنظام . وهو مالم يحدث ، حيث كنت شاهد عيان فى مدينة المنصورة .
ولابد أن وزير العدل يدرك الآن ، وقد انتهت الانتخابات أنه قد غرر به
من زميله وزير الداخلية ، ان كان قد وعده فعلا. لقد فقد وزير العدل
مصداقيته أمام القضاء ، الذين صدقوه ، ثم تمت اهانتهم والاعتداء
عليهم – إما من البلطجية أو من بعض عناصر الشرطة نفسها . ولابد من أن
وزير العدل يدرك الآن فى قرار نفسه أن مصر دولة بوليسية ، لا يحكمها
القانون ولكن الأجهزة الأمنية والمباحثية.
وضمن مظاهر العنف التى
كدت أن أكون أحد ضحاياها ، هو رد الجمهور على ترويع البلطجية بقذفهم
بالحجارة و الزجاجات الفارغة، وأحيانا المملوءة بالمياة الغازية .
وحتى فى الطابق الثاني ، حيث كانت احدى اللجان طالتنا بعض هذه
الحجارة والمقذوفات الزجاجية التى هشمت النوافذ ، واضطررت أنا
والقاضى ومساعده الادارى ان نبتعد عن النوافذ لما يقرب من نصف ساعة
توقف فيها العمل فى اللجنة ، الى أن استطاع الامن أن يسيطر على
الموقف فى الشوارع المحيطة بالمبنى. وعند محاولة الخروج من الباب
الخلفى عبر فناء المدرسة فوجئت بمشهد آخر أنسانى ماكدت أتعرض له من
اخطار قبل دقائق . كان المشهد هو لسيدات تسلقن سور المدرسة من الخارج
، على سلالم خشبية متحركة ، وينزلن بأصواتهن . وكان معظم هؤلاء
السيدات محجبات ، مما يرجح أنهم من مؤيدات وأنصار التيار الاسلامي .
ووقفت أتأمل منظر هؤلاء
النسوة المصممات على ممارسة حقوقهن السياسية . وطفت بذاكرتي على
الفور مشهد من فيلم شهير عن الثورة الجزائرية ، عنوانه معركة
الجزائر(Battle of
Algeria ) حيث
غيرت إحدى المناضلات الجزائريات ملابسها – من الزى التقليدي الى الزى
الغربي ، وقصت ضفيرتي شعرها – لكى تبدو مثل أى امرأة غربية ، وحتى
تتسلل الى أحد الأندية التى تعود الفرنسيون على ارتيادها لتنفيذ أحد
العمليات الفدائية ضد جنود الاحتلال . وصور الفيلم كم كان تبديل هذه
المرأة الجزائرية لملابسها وشعرها أكثر قسوة وصعوبة على نفسها من
تنفيذ العملية العسكرية . أجل بدت أمامى فى ذلك اليوم بمدينة
المنصورة هؤلاء الأخوات المسلمات ومن يتسلقن الأسوار بأزيائهن
الاسلامية الفضفاضة ، والتى لا تساعد كثيرا على سرعة أو مرونة
الحركة، ومع ذلك فهن مصممات على تنفيذ المهمة الانتخابية ، كما لو
كانت مهمة عسكرية فدائية ، مثل تلك التى قامت بها جميلة بو حريد قبل
خمسين عاما. وفى اليوم التالى سعدت حينما رأيت صور هؤلاء النساء وهن
يتسلقن الأسوار على الصفحة الأولى من الهيرالد تريبيون . لقد نجح
مندوب هذه الصفحة العالمية أن يأسر المشهد الذى لخص بكثافة منقطعة
النظير اصرار نظام مبارك ، رغم كل ادعاءاته ، على حرمان المصريين من
ممارسة حقوقهم الانتخابية المشروعة ، وفى المقابل اصرار هؤلاء النسوة
، الأخوات المسلمات ، على انتزاع حقوقهن ولو كره المباركيون.
بعدها بأيام قليلة
جاءتنى مراسلة شبكة
CNN
تسألنى عما سيحدث للمرأة المصرية بعد هذا الصعود السياسي غير المتوقع
للإخوان المسلمين ؟ هل سيفقدن حقوقهن السياسية و المهنية و يفرض
عليهن البقاء فى المنزل ؟
فجأة تذكرت ما كنت قد
شاهدته فى المنصورة قبل أسبوع و منظر الاخوات المسلمات المتسلقات
لأسوار المدارس و المقتحمات للجان الانتخابية . فقلت لمراسلة
CNN
"لا تقلقى على مستقبل أو حقوق النساء المصريات .. فهن أخوات مسلمات
قادرات على حماية هذه الحقوق ، وعلى منازلة أقوى هؤلاء الاخوان
الرجال شكيمة و بأسا . حتى لو كان مرشدهم الرياضى السابق مهدى عاكف
أو نائبه المتشدد محمد حبيب.
و الله أعلم.
ماذا حدث لحفيدات هدى شعراوي؟
السافرات .. الكسولات .. الخائفات
د. سعد الدين ابراهيم
ديسمبر 2005
حينما واجه المصريون
قوات الاحتلال البريطاني في ربيع 1919 خرجت النساء جنباً إلى جنب مع
الرجال. وأطلق الإنجليز الرصاص على المتظاهرات. وسقطت أول شهيدة في
تاريخ مصر الحديث، وكان أسمها شفيقة بنت محمد. وأشعل استشهادها حماس
الرجال والنساء، فاستمروا في تظاهرهم وتصعيد مقاومتهم للاحتلال طوال
الأسابيع التالية، وإلى أن أذعنت بريطانيا لأحد مطالب الحركة
الوطنية، بالسماح لأعضاء الوفد المصري الذي قاده سعد زغلول بالسفر
إلى مؤتمر فرساي للمطالبة بالاستقلال. وهو ما حدث تدريجياً خلال
السنوات الأربع التالية. وضمن هذه المسيرة المبكرة حصل المصريون على
الاستقلال، في ظل أعظم دساتيرهم على الإطلاق، وهو دستور 1923، الذي
ما زلنا نحلم بمثله في مصر المحروسة بعد أكثر من ثمانين عاماً.
المهم، كانت أحداث 1919
هي تدشين لحقبة ليبرالية استمرت إلى عام 1952، وكانت العصر الذهبي
لمشاركة النساء والأقباط في الحياة العامة لمصر الحديثة. وتلك هي
الحقبة التي شهدت ميلاد الحركة النسائية، التي قادتها هدى شعراوي،
والتي كان من مآثرها خلع "البرقع" أو "الحجاب"، وكشف وجوههن، حتى
أطلق على حركتهن حركة السفور. وهي نفس الحركة التي ناضلت من أجل حقوق
المرأة في كل مجالات الحياة. وضمن ذلك قانون جديد للأحوال الشخصية،
بمقتضاه تم تقنين الأحكام الشرعية، التي كانت متروكة لاجتهادات قضاة
شرعيين تقليديين، أو للأعراف المنحازة للرجال على طول الخط.
وظلت النساء المصريات
طوال أربعة أجيال تناضلن من أجل توسيع هذه الحقوق. وعرفنا أسماء
قيادات نسوية أخرى، غير شفيقة بنت محمد وهدى شعراوي، ومنهن سيزا
نبرواي، ونبوية موسى، وليلى موسى، ثم درية شفيق وسهير العلماوي،
ونوال السعداوي.
ولكن ثورة يوليو 1952
نكست بالحركة النسائية المصرية، كما نكست بالحركة العمالية والحركة
الطلابية وقد فعلت ذلك من حيث بدى وكأن ثورة يوليو تحاول مساعدة هذه
الحركات الشعبية.
فكيف حدث ذلك؟
مع الحركة العمالية،
مثلاً، قام عمال النسيج في كفر الدوار بمظاهرات نقابية تطالب ببعض
الحقوق الاجتماعية، في أوائل عهد الضباط الأحرار، الذين أصبحوا
يحكمون مصر. وكأنما أراد الضباط، لا فقط تأديب العمال وترويضهم، ولكن
أيضاً تخويف كل الفئات الأخرى. فحاكمت ثورة الضباط القيادات
العمالية، أمام محكمة عسكرية، أصدرت أحكاماً قاسية، منها إعدام اثنين
من هذه القيادات هما خميس والبقري. ثم فعل الضباط شيئاً مماثلاً، وإن
لم يصل إلى الإعدام، بعد ذلك بعام، حينما اعتصمت مجموعة من النساء
الناشطات بقيادة د. درية شفيق أستاذة الأدب الفرنسي في كلية الآداب
من أجل النص في مشروع الدستور الجديد ـ الذي كان يصاغ في عامي 1953
و1954 ـ على الحقوق النسائية الكاملة للنساء، ومنها حق التصويت وحق
الترشيح للمناصب العامة. قام الضباط بفض الاعتصام بالقوة وفرضوا على
درية شفيق أن تظل حبيسة منزلها. وأصيبت درية شفيق باكتئاب، أدى بها
في النهاية إلى الانتحار، رغم أن الزعيم الهندي جواهرلال نهروا رئيس
وزراء الهند، كان قد حاول مراراً التوسط لدى عبد الناصر لفك أسر هذه
القيادة النسائية الواعدة. وقد حدث نفس الشيء مع قيادات النقابات
المهنية والأحزاب السياسية فتم تجميد، ثم حل الأحزاب عام 1954. وتم
تدجين ثم الهيمنة على النقابات المهنية من خلال أمانة المهنيين بهيئة
التحرير، ثم الاتحاد القومي، ثم الاتحاد الاشتراكي، الذي تحول بعد
ذلك إلى الحزب الوطني الديمقراطي. وضمن هذه الهوجة أو الموجة من
تأميم كل العمل العام، وسيطرة الدولة عليه، فقدت الحركة النسائية
التي ولدت مع ثورة 1919، زخمها وحيويتها واستقلالها مع ثورة 1952.
صحيح أن ثورة يوليو
منحت المرأة مع دستور 1956 كل ما كانت تطالب به القيادات النسوية من
هدى شعراوي إلى درية شفيق. ولكنها "اغتصبت" من المرأة "أغلى ما تملك"
وهو استقلاليتها. وبالمثل منحت الثورة العمال والفلاحين أكثر مما
طلبوا، بل وأكثر مما كانوا يحلمون به من حقوق. ولكنها سلبتهم
استقلاليتهم. وهكذا كان منطق وممارسات ثورة يوليو: لا تطالبوا أنتم
بشيء .. أنا (الثورة) الذي سأمنحكم في الوقت المناسب، وبالأسلوب
والشكل الذي أراه.. وكل ما عليكم إلا أن تنضبطوا، وتصطفوا، وتتحدوا،
وتنتظموا، وتعملوا (الاتحاد والنظام والعمل)، ولا دخل لكم بالسياسة،
ولا تقتربوا من السلطة. فالسياسة "نجاسة" والسلطة "قداسة". وفسر
البعض هذه النزعة عند ثوار يوليو بخلفيتهم العسكرية، التي تعتمد على
الضبط والربط والطاعة. ولكن المحللين الأكثر علماً ودراسة، فسروا ما
فعله ضباط يوليو بنزعية "فاشية" تعود جذورها إلى إعجابهم المبكر
بهتلر وموسليني وفرانكو.
وانطوى ما فعلته ثورة
يوليو مع الحركة النسائية وبقية منظمات المجتمع المدني على تأميمها،
وتضييق الفضاء العام من حولها، والتحكم حتى في الأنبوب الذي يصل لها
الأكسجين، وذلك من خلال ترسانة القوانين المقيدة للحريات العامة،
وخاصة للاتحادات والنقابات والجمعيات. وأصبحت الدولة هي المسيطر
والمهيمن. فضمرت منظمات المجتمع المدني، ولانت، ثم ضعفت عضلاتها، حتى
أصيبت بالكساح أو الشلل.. وحتى حينما أتضح للدولة أو النخبة الحاكمة
من آل مبارك مدى ما ارتكب أسلافهم خلال النصف قرن السابق، وحاولوا أن
يحيوا "العظام وهي رميم"، باءت جهودهم بالفشل. من ذلك، مثلاً، المجلس
القومي للمرأة، الذي أنشأ بقرار جمهوري، قبل سبع سنوات، لتنشيط
الحركة النسائية. ورغم أن مصر شهدت انتخابات برلمانية لدورتين
متتاليتين، عامي 2000 و2005، إلا أن المجلس رغم كل الضجيج والبرامج
التدريبية التي قام بها، فإنه لم يفلح في تنمية أو فرز قيادات
نسائية قادرة على خوض الانتخابات والفوز بمقاعد برلمانية. وهذا الفشل
الذريع للمجلس القومي للمرأة، لا يماثله إلا فشل المجلس القومي لحقوق
الإنسان، وللحزب الوطني نفسه، وفي القلب منه لجنة السياسات. وهذا كله
لسبب أساسي، وإن كان في غاية البساطة، وهو أن العمل السياسي وتنظيمات
المجتمع المدني لا تنشأ بقرارات جمهورية فوقية، وإذا نشأت كذلك فإنها
تصبح "كأطفال الأنابيب"، تحتاج إلى رعاية إكلينيكية، مركزة، ومستمرة،
حتى تظل على قيد الحياة، ثم تموت في أول اختبار أو امتحان لها خارج
"الأنبوب" (أي بعيداً عن الرعاية الحكومية والحماية الأمنية
المركزة).
من هنا المقارنة مع
"الأخوات المسلمات"، اللائي واجهتن قوات الأمن في انتخابات 2005، ثم
التففن حولها، وأحضرن سلالم خشبية، وتسلقن الأسوار المحيطة بمراكز
الاقتراع، والهبوط في ساحات هذه المراكز، والإصرار على ممارسة حقوقهن
السياسية. فشتان الفارق بين هؤلاء وبين "هوانم" سوزان وفرخندة،
اللائي لم يدل معظمهن بأصواتهن في الانتخابات خوفاً من البهدلة
وإضاعة "وقتهن الثمين". ومع ذلك فإن هؤلاء الهوانم السافرات،
الكسولات هن أنفسهن الخائفات من الأداء الرفيع للإخوان المسلمين في
الانتخابات الأخيرة. لقد كتبت إحداهن في روزاليوسف (عدد 9/12/2005)
تحت عنوان "الحق قبل ما الدنيا تضلم!" (أي سارع قبل أن تظلم الدنيا).
قالت الكاتبة الشابة "لحقت نفسي... وها أعمل اللي أنا نفسي فيه...
وها أدلع روحي على الآخر... قبل ما الدنيا تضلم وكل حاجة جميلة تبقى
محرمة، ومحظورة، ومراقبة، وممنوعة، وعقوبتها الرجم.. ويتم القبض على
الحرية، ويكون مصيرنا جميعاً مقابر جماعية، والنساء أول الضحايا..
ولا نرى إلا مذابح وحرايق وكرابيج ودم وخنازير وأشباح وخفافيش وحديد
ونار وسجون وضرب ومشانق وتعذيب.. لازم ألحق نفسي قبل فوات الأوان قبل
ما يحكمنا الإخوان"
تعجبت ... وأنا أستعرض
شريط التاريخ النسائي المصري الحديث من شفيقة بنت محمد أول شهيدات
ثورة 1919، انتهاء بالكاتبة الملتعاه د. منى حلمي التي ترقص كذبيحة
من الفرح بعد انتخابات 2005. وتساءلت أيهن الحفيدات الحقيقيات لهدى
شعراوي؟ هل هن الناخبات المقتحمات حتى لو كن محجبات، أم هن الكسولات
المكتئبات الخائفات، حتى لو كن سافرات؟ والله أعلم
يوم وليلة بين النساء العراقيات
د. سعد الدين ابراهيم
ابريل 2005
التقيت يومي 12و13
إبريل بمائة وخمسين قيادة نسائية عراقية، في منتجع وادي الإردن، على
شاطئ البحر الميت. كان الملتقى الذي بدأ قبل وصولي بيومين معنى
بتدارس حاضر ومستقبل العراق. وانشغل هؤلاء النساء بأربعة موضوعات:
الدستور الدائم، والبناء الديمقراطي، والأحلام، ودور المرأة في
العراق الجديد.
استرعى انتباهي منذ
وصلتني الدعوة قبل ثلاثة شهور، المستوى الرفيع لتنظيم المؤتمر فعلى
غير عادة الملتقيات العربية ـ الحكومية والأهلية ـ كان مؤتمر
القيادات النسوية العراقية محدداً، وهادفاً، ويسير على منهجية واضحة،
ويقوم على إشراك كل من حضره في كل أعمال المؤتمر. فحتى العدد المحدود
جداً من الرجال الذين تحدثوا كخبراء في بعض الجلسات، مثل عالم
الاجتماع العراقـي د. فالح عبد الجبار، ود. هاشم الجزيري، عميد كلية
الحقوق بجامعة البصرة، فقد طلب منهم تقديم ملخصات لأوراقهم مقدماً،
حتى يتوفر للمشاركات الفرصة للرد عليها، ونقدها، من خلال الخبرات ـ
العلمية الميدانية للمشاركات العراقيات، سواء في مقاومة نظام الطغيان
البعثي لصدام حسين (1968-2003) أو كقيادات محلية لتوفير الخدمات
للمواطنين في فترة ما بعد انهيار النظام وما سادها من فوضى في شهور
الغزو الأمريكي الأولى. فعندما اختفت الدولة العراقية ومؤسساتها
انبثقت تلقائياً منظمات المجتمع المدني لتملأ الفراغ ونقصد بذلك تلك
المبادرات الأهلية التطوعية التي تنشأ بالإرادة الحرة لأصحابها
لتلبية حاجاتهم وحاجات ذويهم والآخرين ممن يعجزون عن ذلك.
والملفت للنظر أن
النساء، عادة، هن الأكثر حساسية وإدراكاً بكل الحاجات والاحتياجات في
أوقات الأزمات لذلك فهن الأسبق إلى التفكير والتدبير وكما يقول المثل
الشائع "إن الحاجة أم الابتكار". من هنا سعت النساء العراقيات، كل
بطريقتها الخاصة، ثم بمحاكاة بعضهن البعض. ورغم أن ذلك بدأ بإنشاء
الجمعيات والروابط الخيرية الخدمية، إلا أن بعضهن تفرع وتطور من ذلك
إلى المنظمات الحقوقية، مثل حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وحقوق
الطفل، وحقوق المعاقين، وما إلى ذلك. وهنا يتطور النشاط التطوعي من
مجرد تقديم الخدمة بدافع "الخير" و "الرحمة" و "الإحسان"، إلى مستوى
"الواجب" والمسئولية الاجتماعية، حتى مع استمرار النشاط تطوعياً. إن
هذه المسيرة هي التي أفرزت خلال السنتين التاليتين لحرب العراق
(2003-2005) مئات القيادات النسائية المحلية في كل أرجاء العراق.
وحسناً فعلت إحدى هذه القيادات ، وهي السيدة زينب السويح، التي لاحظت
هذا النمو العضوي التلقائي، فبادرت بالاتصال والتواصل مع مثيلات لها
في محافظة البصرة، في أقصى جنوب العراق. ثم بدأت تتجه شمالاً، إلى
محافظات وسط العراق، ثم إلى أقصى شماله، كردستان ـ حيث محافظتى
السليمانية ودهوك. وكلما وجدت زينب السويح استعداداً وحماساً من هذه
القيادات الناشئة للتواصل، نظمت لهن مؤتمراً إقليمياً على مستوى
المحافظة. إلى أن تكونت شبكة من أكثر من مائتي تنظيم نسائي غير
حكومي، أو ما يطلق عليه مؤخراً منظمات المجتمع المدني.
ومع اقتراب انتخابات
الجمعية التأسيسية العراقية التي ستضع الدستور الدائم للعراق، راود
بعض الرجال المحافظون نزعاتهم التقليدية في حرمان نساء العراق من
حقوقهن السياسية والمدنية المتساوية مع الرجال. فانبرت هذه القيادات
النسائية الصاعدة، التي كانت قد ترعرعت سرياً في صمت، في كل أنحاء
العراق. واستطعن أن يفرضن بعض حقوقهن. وبالفعل، تم انتخاب حوالي
ثلاثين في المائة من أعضاء البرلمان المؤقت من النساء، وسيكون بينهم
عدد من الوزيرات في الحكومة المرتقبة، التي سيشكلها إبراهيم الجعفري.
ولكن القيادات النسائية
العراقية الجديدة أصبحت واعية تماماً بنوايا الرجال، خاصة أن التآلف
الذي فاز بالأغلبية في الانتخابات الأخيرة (30/1/2005) يقوده حزب
الدعوة الإسلامي الشيعي المحافظ. هذا فضلاً عن أن مطالب هذه القيادات
النسائية أصبحت تتجاوز الحدود الضيقة لحقوق المرأة. لقد بهرني أن
المجموعة التي التقيت بها في الأردن تريد أن يكون الدستور الجديد
عادلاً ومنصفاً، لا فقط للمرأة العراقية، ولكن أيضاً لكل الأعراق
والقوميات والأقليات التي تعيش على أرض العراق. لذلك أوصت مجموعة
العمل الخاصة بالدستور ان تنص مواده صراحة على ذلك ـ أي ان يكون
العراق دولة تعددية، فيدرالية، ديمقراطية.
وتوقفت مجموعة عمل
الدستور طويلاً أمام المادة الخاصة بالدين والإسلام والشريعة. وكانت
الأغلبية تميل صراحة إلى النص على فصل الدين عن الدولة. إلا أن إصرار
الأقلية (خمسة من عشرين، أي 25%)، جعل المجموعة، ثم المؤتمر يقبل
صياغة توفيقية، مفادها "الإسلام دين الأغلبية في العراق، والأديان
السماوية جميعاً مصادر رئيسية لقيم المجتمع وتشريعاته".
وهو ـ في رأيي ـ نص
عبقري، لا يصادر لا على حقوق الأغلبية المسلمة، ولا على حقوق أبناء
الديانات الأخرى. وحبذا لو اعتمدت هذه الصيغة في دساتير البلاد
العربية الأخرى ذات الأغلبية المسلمة، ومنها مصر، بدلاً من المادة
التي تنص، على أن "الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع".
ففضلاً عن أنها مادة لم تطبق منذ تم إدراجها في دستور 1971، وهي غير
قابلة للتطبيق في كل الأحوال، فإن المادة بنصها الحالي تثير مخاوف
المصريين الأقباط وقطاع واسع من النساء المسلمات والمسلمين المدنيين.
كما أن عدم تطبيقها يعطي ذريعة للمتشددين الإسلاميين في التهجم على
الدولة لعدم احترام الدستور.
بعكس معظم التجمعات
السياسية "الذكورية" العراقية هذه الأيام، والتي يقاطعها العراقيون
العرب من المسلمين السُنة، فإن ملتقى القيادات النسوية العراقية، في
وادي الأردن كان ممثلاً لكل ألوان الطيف العراقي: شيعيات، سُنيات،
وصابئات، ومسيحيات (من كل الطوائف) وكرديات (سُنيات وشيعيات). وكان
ثلث المشاركات تقريباً محجبات ولكن ذلك لم يمنع معارضتهن لإقحام
الدين في السياسة وإقحام السياسة في الدين. كذلك لم يمنعهن الحجاب عن
المشاركة في الرقصات الشعبية العربية والكردية في الحفل الختامي
للمؤتمر. لقد كانت النساء العراقيات من كل الأعمار (من العشرين إلى
الستين) فخورات بما أنجزن في مسيرة عراق المستقبل، وكن أكثر تصميماً
وتفاؤلاً على صياغة عراق المستقبل.
فرغم الجراح التي ما
زالت تنزف، إلا أن ذلك، كما تقول زينب السويح، هو "مخاض الميلاد
الجديد" والله أعلم.