مقالات د.
سعد الدين إبراهيم
اقتراح بإنشاء ملكيات دستورية في الجمهوريات العربية
على الأمة أن
تضيف مصطلح
"جملوكية"
إلى قاموسها
السياسي
على سبيل المداعبة
* كلمة "جملوكية" هو مصطلح جديد نسهم به في تنمية قاموس السياسة
العربية المعاصرة فرغم ثراء اللغة العربية وتنوعها، إلا أنها لم تصك إلى تاريخه مثل
هذا المصطلح الذي يصف حالة فريدة تسهم به الثقافة السياسية العربية في إغناء علم
الاجتماع السياسي، والحالة الفريدة هي وراثة الحكم ابناً عن أب، في أنظمة حكم
جمهورية، لذلك فرغم البداية الجمهورية لبعض بلداننا العربية إلا أنها تنتهي في واقع
الحال إلى أنظمة حكم "ملكية" في الواقع، رغم أنها تظل "جمهورية" في الظاهر، لذلك
نقترح هذا المصطلح الجديد "جملوكية" والذي هو نتاج كلمتي "جمهورية، وملكية" صحيح إن
في المصطلح الجديد من "الملكية" أكثر ما فيها من "الجمهورية"، ولكن ذلك تحسباً لقرب
اختفاء حرفي "الجيم والواو" مع "الحفيد" القادم فتكون العودة كاملة إلى الكلمة
الأصلية وهي "ملكية".
على سبيل المجادلة
* طبعاً الذي أوحى بالمداعبة "الجملوكية" هو ما شهدته سورية
والوطن العربي، والعالم في الثلث الثاني من شهر يونيو (حزيران) من رحيل الرئيس
السوري حافظ الأسد، الذي حكم سورية قرابة ثلاثين عاماً ثم الجهر باسم نجله الأكبر
الدكتور بشار الأسد مرشحاً لخلافة أبيه.
وعرف الناس بسرعة ما كانوا يجهلونه عن بشار، وعن سرعة وكفاءة الأجهزة السورية،
ولذلك تعامل الناس في سورية والشرق الأوسط مع الخلافة "البشارية" كأمر مسلم به منذ
لحظة إعلان وفاة الرئيس حافظ الأسد.
كان حافظ الأسد في الثمانينا، وبعد أن استقرت له السلطة تماماً في
كل من سورية ولبنان، قد أعد شقيقه رفعت الأسد لخلافته، ولكن مع نهاية الثمانينات
وبداية التسعينات، ومع استمرار استقرار السلطة فكر في أن يخلفه ابنه باسل.
ولكن كما نعلم جميعاً فقد قتل باسل في حادث سيارة مروع، وهو في
الطريق إلى المطار عام 1994 ولكن بعد فترة الحداد، أرسل للأبن الثاني بشار الذي كان
يكمل دراساته العليا في طب العيون في بريطانيا لكي يعود على عجل، استعداداً للتدريب
والتهيؤ لوراثة الرئاسة. ولأنه لم يكن مهتماً أو مشغولاً بأمور السياسة أو الرئاسة
مثلما كان أخوه الراحل، فإن أمر الإعداد أخذ وقتاً وجهداً كبيرين، فقد كان على بشار
أن يخلع معطف الطبيب الأبيض، ويلبس الزي العسكري الكاكي، وسرعان ما رقى في غضون
سنوات قليلة إلى عقيد، ثم لواء، وبعد أيام من وفاة والده رقي إلى رتبة فريق، ولم
يقصر مجلس الشعب السوري "البرلمان" ولا الحزب الحاكم "البعث" في القيام بدروهما على
عجل، فقام الأول بتعديل الدستور لكي يخفض من الترشيح للرئاسة من أربعين إلى أربعة
وثلاثين عاماً، هو عمر الابن بشار، وقام الثاني في مؤتمره الحزبي بعد دفن الوالد
بأربعة أيام، بإعادة تشكيل أمانة الحزب ومكتبه السياسي، وانتخاب بشار زعيماً
للقيادة القطرية للبعث السوري، وبذلك استكمل كل المؤهلات الشكلية للترشيح للرئاسة.
ولم يبق إلا اعتماد ترشيح مجلس الشعب للدكتور الفريق بشار الأسد للرئاسة، ثم يتبعه
الشعب السوري نفسه في استفتاء لاعتماد الترشيح والذي يتوقع أغلب المراقبين، حتى
المتشائمين منهم، أن لا تقل نتيجته عن 95 في المائة، لقد تعامل كثير من الزعماء
العرب والأجانب مع بشار الأسد في العامين السابقين لرحيل حافظ الأسد، كما لو أنه هو
الخليفة المنتظر، وتعامل جميعهم معه أثناء جنازة والده الراحل، كما لو أن بشار هو
الرئيس بالفعل، وتصرف بشار نفسه أيضاً تصرفاً رئاسياً وقوراً أثناء الجنازة وفترة
الحداد.
ونحن لا نعرف يقيناً كيف يفكر أو يشعر الشعب السوري نحو هذه
الوراثة، التي حولت نظام بلاده من جمهورية كان يتصارع على رئاستها السياسيون
والعسكريون ما بين 1946 و1970 إلى جمهورية وراثية في عائلة واحدة مع حلول عام 2000،
والذي نعرفه يقيناً هو أن أحد الفضائيات العربية المستقلة استفتت مشاهديها على
السؤال التالي:
* هل توافقون أو تعارضون توريث رئاسة الجمهورية ابناً عن أب، كما
هو مقترح في سورية؟
وكانت إجابة من استجابوا هي:
ـ 21 في المائة موافقون و 79 في المائة معارضون.
طبعاً هذه عينة غير ممثلة تماماً، ولكنها أقرب شئ نملكة لمعرفة المزاج الشعبي في
هذه اللحظة التاريخية.
ولابد من التنويه إلى أن الذين أجابوا عن الاستفتاء الفضائي كانوا
من بلدان عربية مختلفة، أي لم يكونوا فقط سوريين، وطبعاً سنعرف نتيجة استفتاء
السوريين في منتصف يوليو (تموز) الحالي، والتي كما قلنا يتوقع المراقبون أن تكون
حوالي 95 في المائة.
ولكن عندما تم مزيد من استجواب الأقلية (21%) التي وافقت على
الوراثة في استفتاء محطة أوربت الفضائية، قال معظمهم إن حافظ الأسد وفر لسورية
استقراراً لم تشهده في تاريخها الحديث. وقال البعض أن الأسد قد وفر لسورية مكانة
إقليمية لم تتوافر لها أبداً من قبل. وقال البعض الثالث إن الأسد كان يمثل آخر قلاع
الصمود العربية في مواجهة الصلف الإسرائيلي. أما الأغلبية التي رفضت مبدأ الوراثة
في الأنظمة الجمهورية العربية، فقد كان رفضها "مبدئياً" وكأن لسان حالها هو إنه
مهما كانت صفات الأب وحسناته وهو رئيس للدولة، فليس هناك ضمان في أن الابن ستكون له
الصفات والحسنات نفسها، هذا فضلاً عن أن العديد ممن رفضوا مبداً التوريث، ذكروا
العديد من سلبيات نظام الرئيس السورس الراحل، ومن سيئات حزب البعث الحاكم.
منذ عام تقريباً نشرت مقالتين في صحيفتي "الأهرام" القاهرية،
والحياة "اللندنية" أحدهما بعنوان: "دعوة إلى ملكيات دستورية في الوطن العربي".
وكنت في المقال الأول أتنبأ بما يمكن أن يحدث في بعض الجمهورية العربية، مثل سورية
والعراق وليبيا واليمن ومصر. حيث طال الأجل برؤساء الجمهورية فيها. وحينما يطول أجل
أي رئيس في الحكم ينسى أو يتناسى عادة كيف جاء إلى الحكم في المقام الأول. ويتصور
إنه كان هدية الله والقدر إلى شعبه ووطنه، ويساعده الحواريون والمنافقون من حوله في
تحويل هذا التصور إلى يقين، إلى واجب مقدس في قلبه وعقله، في كيفية ضمان الاستمرار
والاستقرار والازدهار لشعبه المفدي، وسرعان ما يقرأ الحواريون والمنافقون أنفسهم ما
يدور في قلب وعقل الرئيس، أو يوحي لهم بهذه القراءة، فيبدو أن بالتبشير لنجله
بالرئاسة وحجتهم الأولى والحاسمة التي لا راد لها، هي من في هذا الكون كله يمكن أن
يخلف الرئيس الملهم، والقائد الفذ، والزعيم المحنك غير نجله، الذي هو من صلبه، ومن
لحمه ودمه، ويحمل كل صفاته العبقرية؟
ورغم أنني كتبت المقال قبل عام من رحيل الرئيس حافظ الأسد، إلا أن
99.9% مما تنبأت به قد حدث، بجوهره ومظهره، شكلاً ومضموناً، ولا يمكن أن أدعي أنني
دائماً العالم الاجتماعي ـ السياسي التي تصدق كل، أو حتى معظم تنبؤاته، ولكن يبدو
أنه مع رؤسائنا العرب، يمكن التنبؤ. لقد أصبحنا نعرفهم مثلما أصبحوا هم يعرفوننا،
ومن ضمن ما يعرفونه هو أن أغلبيتنا الصامتة ضدهم، تتحول إلى أقلية تافهة، لحظة
الاستفتاء العلني، والعكس صحيح، فحتى إذا كانت أقلية صغيرة فقط هي التي توافق على
أن يخلف الابن أباه في رئاسة الجمهورية، في استفتاءات الفضائيات العربية، إلا أن
هذه، الأقلية المؤمنة قادرة بإذن الله في غضون أيام قليلة من افتقاد القائد الراحل
على إقناع الأغلبية المعارضة، لا فقط بتغيير رأيها والموافقة على مبدأ توريث الشعب
للابن بعد أبيه، بل والترحيب والابتهاج بهذا الانتقال السريع والسلس للملكية، وبذلك
أيضاً فإننا كعرب ثبت للعالمين أنه شتان ما بين استفتاءات المحافظة على تقاليدها
ووقارها، أو شتان ما بين استفتاءات الفضائيات "الأرض" وهي إحدى بدع "العولمة"
واستفتاءات الأرض العربية التي هي تعبير عن أصالة واقعنا وتراثنا، حتى وإن اعتقد
بعض المغرضين أنه تراث "الاستبداد الشرقي" فالاستبداد لا يهم مادام "شرقياً" أصيلاً
وليس "غربياً" دخيلاً!.
ولكني في مقالتي التنبؤية في العام الماضي، قلت إنه مادام الرؤساء
العرب قد صمموا على توريث أبنائهم فلندخل معهم نحن الشعوب في صفقة أو "عقد اجتماعي"
جديد، نسلم لهم فيه بتوريث الأبناء، وتحويل الجمهوريات إلى ملكيات، مقابل أن تكون
ملكيات دستورية، أي حكومات وبرلمانات منتخبة انتخابات حرة، كما هو الحال، مثلاً في
هولندا واليابان والدنمارك والسويد وحتى ماليزيا والمغرب والأردن، والواقع أن
المقال الثاني، "مع رحيل الحسن والحسين" نوه بهذه النقطة في مقارنة بين الملكيات
العربية والجمهوريات العربية. ففي المغرب والأردن استطاع مليكاهما الحسن والحسين في
السنوات العشر السابقة لرحيلهما أن يحولا بلديهما تدريجياً إلى ملكيات دستورية،
وجاء الوريثان، محمد السادس في المغرب، وعبد الله الثاني في الأورن. ليكرسا هذا
التحول إلى ملكية دستورية ديمقراطية. وكتبت رسالة موجهة في العام الماضي إلى الأسد
وصدام والقذافي ومبارك وعلي عبد الله صالح في أن يفكروا في الاقتراح بجدية. ولكن
يبدو أن القدر باغت الرئيس الأسد قبل أن ينظر في اقتراحي بجدية. فأرجو أن يفعل ذلك
نجله الدكتور الفريق الرفيق بشار الأسد، كما أرجو طبعاً أن يسارع الرؤساء الأربعة
الذين مازالو على قيد الحياة في طرح اقتراحي للحوار العام. فإذا وافق عليه من
أغلبية أرضية، وليس فضائية، فإنهم يضمنون لأولادهم وأحفادهم الملك والخلود ما داموا
لن يحكموا، ونضمن نحن أبناء هذه الأمة أن نحكم أنفسنا ديمقراطياً بعد أن فعلت ذلك
كل شعوب العالم الأخرى تقريباً ـ بما فيها شعوب أفريقيا الزنجية جنوب الصحراء،
دعونا ننتقل من "جملوكيات" هزلية إلى ملكيات دستورية ديمقراطية جادة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي وللرؤساء العرب أجمعين.