مقالات د. سعد
الدين إبراهيم
لا بديل للسلام في الشرق الأوسط
منذ أيام مرت ثلاثون عاماً على حرب أكتوبر (يوم الغفران)، وربع قرن على توقيع
اتفاقية كامب دافيد، بين الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي
مناحم بجين، تحت رعاية الرئيس الأمريكي جيمي كارتر.
الصراع في الشرق الوسط، ولخصت تلك الذكرى في اكتوبر، بشكل مكثف عناصر مشكلة الشرق
الأوسط، وكذلك عناصر حلها: حرب بين العرب وإسرائيل، أو سلام برعاية أمريكية. وهذا
هو الحال منذ الحرب العربية ـ الإسرائيلية الأولى عام 1948.
ومن المؤكد أن العرب وحدهم، والإسرائلييون وحدهم قادرون على بدء أي حرب، ولكنهم إلى
تاريخه، أي بعد ست حروب على الأقل، لا يستطيعون إيقاف الحرب والمبادرة إلى السلام
وحدهم. لتحقيق ذلك يحتاج الطرفان إلى رعاية دولية، وتحديد وساطة أمريكية.
حق إذا بادر أي من الطرفين إلى السلام فإن هذه المبادرة لا تكمل إلا بإسهاب أطراف
خارجية أخرى، لا بد أن تكون الولايات المتحدة من بينها. ينطبق ذلك على هدنة 1948،
ووقف العدوان الثلاثي (1956)، ووقف القتال في حرب الأيام الستة (1967) والقرار 242،
ووقف القتال في حرب أكتوبر، والقرار 338 (1976)، وكامب دافيد الأولى (1978)، ومؤتمر
السلام في مدريد (1991)، وأوسلو (1993)، وكامب دافيد الثانية، وطابا (2000)، وأخيراً
مبادرة الرئيس الأمريكي جورج بوش، المعروفة باسم "خارطة الطريق" (2003).
أصبحت أمريكا إذن، طرفاً دائماً في الصراع، حرباً وسلماً، فهي تقدم دعماً كبيراً
لإسرائيل، وكذلك لعدد من الدول العربية، ولها مصالح نفطية ضخمة في منطقة الخليج،
وخاصة في السعودية وربما كان هذا التداخل الأمريكي الواضح هو أحد أسباب حضورها
وتأثيرها الكبير في إدارة الصرع، حرباً وسلماً.
والشاهد هو انه مهما كان الرأي العام العربي سلبياً نحو الولايات المتحدة، بسبب
تحيزها الواضح لإسرائيل، إلا أن أغلب المراقبين يجمعون على أنه من المصلحة
الأمريكية أن أغلب المراقبين يجمعون على أنه من المصلحة الأمريكية أن ؟؟؟ أوضاع
الشرق الأوسط، وأن يسود السلام بين العرب وإسرائيل. فلم يعد للولايات المتحدة منازع
أو منافس في المنطقة، بعد انتهاء الحرب الباردة، و؟؟؟ الاتحاد السوفيتي.
ولكن هذا الحضور الطاغي والدائم للولايات المتحدة في الصراع العربي الإسرائيلي، كما
في غيره من صراعات المنطقة والعالم، لا ينفي دور الأطراف المحلية في إشعال أو تهدئة
الصراع. والمثل الدرامي لذلك هو مبادرة الرئيس المصري حرباً (1973) وسلاماً (1977).
وفي هذا المقام فلابد من إعادة الحديث عن مبادرة القمة العربية بعد ذلك بشهور.
وتقوم المبادرة على ثلاثة ركائز رئيسية: الانسحاب الإسرائيلي من بقية الأراضي
العربية المحتلة منذ عام 1967 ـ أي الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان السورية، في
مقابل سلام دائم واعتراف عرفي كامل بإسرائيل، وجوداً وحدوداً، وقيام دولة فلسطينية
إلى جانب إسرائيل، ضمن الحدود والشروط وبالشروط التي يرتضيها الطرفان.
ورغم الترحيب المدبئي بالمبادرة السعودية دولياً، ورغم أنها كانت أحد المداخلات
الرئيسية في خطط السلام الأمريكية التالية، ومنها خارطة الطريق، إلا أن أصوات
الاشتباك المسلح بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وتصاعد الدائرة المفرغة للانتقام ـ
الانتحاري بين الطرفين، فضلاً عن الانشغال الإقليمي والدولي باشتعال الحرب في
العراق (منذ ربيع 2003) قد أدى إلى تهميش الاهتمام بالمبادرة السعودية.
ولكن من الأهمية بمكان أن تقوم كل القوى المؤمنة بالسلام عربياً، وإسرائيلياً،
ودولياً، بإحياء الاهتمام بتلك المبادرة، والالتفاف حولها، كما حول خارطة الطريق أن
النكوص أو التراخي في هذا الصدد معناه ترك الساحة لأعداء السلام ودعاة الحرب من
الجانبين، والاستمرار في سفك الدماء الفلسطينية والإسرائيلية. هذا فضلاً عن أن
استحالة ضمان عدم امتداد الصراع المسلح من نطاقه الحالي في فلسطين إلى بلدان الجوار،
وخاصة سوريا ولبنان. وقد رأينا بالفعل ؟؟؟ لذلك في الغارة الجوية الإسرائيلية على
أحد القواعد في سورية، بدعوى أنها موقع لتدريب "الإرهابيين".
إن السلام هو الخيار الاستراتيجي الأفضل للعرب والإسرائيليين. وسأركز في بقية هذا
المقال على أهمية هذا الاختيار الاستراتيجي عربياً، تاركاً الحديث عن فوائده
لإسرائيل للباحثين والمحللين الإسرائيليون في أنفسهم. هذا علماً بأن كل استفتاءات
الرأي العام هناك تكشف عن أن أكثر من سبعين في المائة من الإسرائيليين يريدون
السلام مع وجود دولة فلسطينية. لقد أدرك الرأي العام الإسرائيلي أنه من المستحيل
الاستمرار في قمع الفلسطينيين، وتجاهل مطالبهم الوطنية المشروعة، مهما كانت قوة
إسرائيل العسكرية، وقدرتها التكنولوجية، وتفوقها الاقتصادي.
والمهم الآن أن يدرك الرأي العام العربي بدوره استحالة قهر إسرائيل او إفنائها،
مهما تضاعفت العمليات الانتحارية. ومن المهم إدراك أن الصراعات مهما امتد أجلها فلا
بد أن تنتهي بتسويات سلمية ومصالحات تاريخية. وفي هذه التسويات والمصالحات لا بد أن
تحدث تنازلات متبادلة.
لقد كان هذا هو مآل الحال في صراعات (أوربا) وشرق أسيا، وأيرلندا، وجنوب أفريقيا.
وفي كل هذه المناطق حل السلام، ثم التعاون الاقتصادي، ثم الرخاء. ولم يبق من
الصراعات الممتدة والملتهبة إلى منطقة الشرق الأوسط، وجنوب أسيا، وبعض مناطق
أفريقيا جنوب الصحراء. وتشير التقارير الدولية، على أن هذه المناطق ذاتها هي الأكثر
فقراً، واستبداداً، وفساداً، وخراباً. وكان آخر هذه التقارير هو ما صدر عام 2002 عن
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بعنوان التنمية الإنسانية العربية.
إن الصراع العربي ـ الإسرائيلي، مثله مثل كل نظائره في العالم، ولا يمكن حسمه حرباً،
مهما طال الزمن حيث تختلط فيه اعتبارات الجغرافيا والتاريخ والثقافة والدين والهوية
والمصالح، فإذا اقتنع الرأي العام بهذه الاستحالة، فإن صنّاع القرار سيجدّون
ويجتهدون في الوصول إلى تسويات ومصالحات تاريخية، تحفظ ماء الوجه، والحد الأدنى من
المصالح والكرامة لكل الأطراف، وتضع حداً لسفك الدماء والخراب. هذا ما رآه السادات
عام 1978، وارتاه ولي العهد السعودي بعد ربع قرن، ولا ينبغي أن ننتظر ربع قرن آخر،
ولا حتى عام آخر لكي نعيد نفس الاكتشاف.