مقالات د. سعد الدين إبراهيم

ردا على راغدة ضرغام
نــعم بـيـد عــــمـــرو ان لم نسارع للتغيير


كالعادة أثارت راغدة ضرغام فى مقالها المتميز فـى "الحــيـاة" (1/8/2003) بعضا من "المسكوت عنه" فى " حوارات المثقفين "، وفى "مراوغات" محترفى السياسة العرب .ففى ضوء الغزو الأنكلو-أمريكي للعراق فى ربيع 2003 ، والتدخل الأمريكي فى قضية الشرق الأوسط ، والرعاية الأوروبية- الأمريكية لاتفاق ماشاكوس فى السودان فى خريف 2002 ، يحق لراغدة ضرغام أن تسأل وتقرر الجواب : التغيرات تأتى من الخارج اذا لم تنبثق من حيوية دائمة فى الداخل.
الحالات الثلاثة المذكورة أعلاه (العراق وفلسطين والسودان) هى نماذج درامية لصراعات ملتهبة وممتدة ، في قلب الوطن العربي أو أطرافه ، وقد مضى على كل منها ما لا يقل عن ثلاثين سنة من دون أن يحسمها العرب حربا أو سلما، على رغم استنزافها مئات الآلاف من الأرواح ، وبلايين من الدولارات ، وعلى رغم تعطيلها مسيرة التنمية والتقدم والديمقراطية فى بلدانها ، بل فى الوطن العربي . ان تفجير الصراعات الممتدة والملتهبة قد لا تكون مسئولية الأنظمة العربية الحاكمة وحدها ، وقد لا يكون المثقفون العرب مسئولين عنها أصلا. لكن مسئولية الحكام (أصحاب الأفكار) هى فى استمرار هذه الصراعات ، ولكن لهم مصلحة فى استمرارها ، أو كأنهم عاجزون عن مواجهة شعوبهم باستحالة حسمها حربا ، وعاجزون عن مصارحة شعوبهم بضرورة قبول الحل الوسط الذي ينطوى على مصالحات تاريخية بين الأطراف المتصارعة .
احدى مآسي الأمة العربية أن غوغائية بعض حكامها أدت الى ادمان الشعوب الحدود القصوى فى معظم قضايانا العامة ، بحيث أصبح أى انجاز من دون هذه الحدود القصوى يعتبر موتا للقضية ، وتفريطا فى " الحقوق المقدسة" أو إهدارا "للثوابت" ‍!. والأكثر مأساوية فى هذا كله هو أن جمهرة المثقفين العرب وقعت بدورها أسيرة فى شرك هذه الغوغائية التى احترفها الحكام . بل تحول بعض هؤلاء المثقفين الى خبراء لتسويق هذه البضاعة الغوغائية ، ولم يتوقف معظمهم لمساءلة الحاكم عن الحصاد المر لهذه التجارة الخاسرة : لماذا لم ينجح أى منهم فى انجاز شعار واحد مما رفعوه هم وحلفاؤهم منذ الخمسينيات؟ لماذا لم يحرروا شبرا واحدا من فلسطين؟ لماذا لم ينجحوا فى حل المشكلة الكردية فى العراق؟ لماذا لم يحلوا مشكلة السودان الذى فقد فى حربة الأهلية نحو مليوني قتيل خلال 40 عاما ؟ لماذا لم ينجحوا فى وضع حد لدموية صدام حسين ؟ أليست المهمة الأولى لأى مثقف يستحق هذا الوصف أن يتساءل ،وأن يكون ناقدا للواقع الذى يعيش فيه ، وأن يكون مستشرفا وداعيا الى واقع أفضل؟.
وتصل المأساوية الى ذروتها حينما يزايد المثقفون على حكامهم فى غوغائية المطالبة بالحدود القصوى فى كل مسألة عامة ، من دون اعتبار لموازين القوة أو القدرة ، بل من دون اعتبار للكثير من القيم الانسانية ، التى أصبحت جزءا من الضمير العالمى . بل الأنكى والأضل سبيلا هو قيام بعض المثقفين بابتزاز حكامهم ، ان جنح هؤلاء الى قبول مثل هذه المصالحات ، أى أن هذا النوع من المثقفين ، الذى وقع أسيرا لشعارات حكامهم الغوغائية ، تحولوا بمرور الزمن الى كابح للحكام ، أن هم حاولوا التخفيف من غوغائيتهم ، أى أننا نصبح فى صدد حكام سيئين ومثقفين أسوأ ، وتكون النتيجة اعادة انتاج ثالوث الاستبداد والفساد والخراب . وهو ثالوث يستند فى رأسه الى حكام مستبدين ، وفى أحد اضلاعه على مثقفين متواطئين ، وفى ضلعه الثالث على شعوب عربية غائبة الوعي ،يتملكها الخوف من حكامها ، ويستبد بها الفزع من أعداء خارجيين ، حقيقيين أو متوهمين .
ان مقاومة التغيير مفهومة ، وان لم تكن مبررة ، حينما مارسها الحكام . لكن هذه المقاومة غير مفهومة وغير مبررة حينما يمارسها بعض " المثقفين" . وهو ما أشارت اليه فى غضب الكاتبة راغدة ضرغام . ولم يفتها أن هذه المقاومة للتغيير يمارسها "مثقفون" عرب تحت ستار مقاومة " الهجمة الغربية " أو مهاجمة "العولمة" أو دفاعا عن " الثوابت" العربية . وهم فى ذلك ينسون أو يتناسون ان الذى سهّل على قوى الهيمنة الغربية عموما والأمريكية خصوصا ، مهمتها فى اختراق الجسم العربي هو سيطرة الـجمود العربي السياسي ، والتحجر الاجتماعي والدروشة الدينية.
أصبحنا فى نهاية القرن العشرين وأوائل القرن الحادى والعشرين ، تماما مثلما كنا فى نهاية القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر ، حيث سيطر علينا ليل عثماني- مملوكي طويل ، حالك الظلمة أفقد الجسم العربي- الاسلامي قدرته على الحركة ، بل جرد هذا الجسم من معظم ما كان يتمتع به من مناعة ثقافية وروحية ومادية.
واخترقت الحملة الفرنسية النابليونية مصر والمشرق العربي كما السكين فى قـالـب الزبد وتبعتها طوال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين غزوات استعمارية متتالية ، حتى أصبح الـوطن العربي كله ، من المحيط الى الخليج ، تحت الهيمنة الغربية ( البريطانية – الفرنسية – الإيطالية).
إن الأهمية الاستراتيجية للمنطقة العربية جعلتها فى بؤرة الاهتمام الـدولى خـلال القرون الثلاثة الأخيرة. وتضاعفت هذه الأهمية فى القرن الأخير مع اكتشاف النفط فى اطرافها وغـرس اسرائيل فى قلبها . ولم تعد القوى الكبرى فى النظام العالمى الجديد تطيق أنظمة مستبدة معـادية أو مستهترة بمصالحها. لقد انتهت الحرب الباردة ، التى كان أحد قطبيها يقدم الرعاية أو الحماية لبعض الأنظمة المستبدة مهما بلغ استبدادها الداخلى أو عبثها الإقليمي . وبنهاية الحرب الباردة أصبح هناك قطب أمريكي واحد يهيمن على مجريات الشئون العالمية . و لا كابح لهذا القطب الأوحد إلا قوة الرأي العام الأمريكي نفسه، وكذلك مؤسساته الديمقراطية (الكونجرس) ومنظمات المجتمع المدنى الأمريكية . حتى حلفاء أمريكا التقليديون فى غرب أوروبا لم يعد لهم نفس التأثير السابق نفسه على قرارات واشنطن.
وخلصت دوائر الحكم فى واشنطن بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) المهولة أن الشرق الأوسط العربي الإسلامي ، هو الذى ينتج الإرهاب ويصدّره وأن السبب فى ذلك هو الأنظمة الحاكمة التى فشلت فشلا ذريعا فى تحديث مجتمعاتها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا . وجاء تقرير التنمية الإنسانية العربية ، الذى صدر عام 2002 عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ليؤكد هذه الخلاصة . فقد أشار التقرير الى اختلالات ثلاثة أخرت العرب ، بينما تقدم الآخرون. وأول هذه الاختلالات (أو النواقص) هو غياب الحرية والديمقراطية ، ثم غياب المساواة بين الجنسين ، ثم تخلف أنظمة التعليم التى تنتج المعرفة والتكنولوجيا . وقد اكتسب تقرير الأمم المتحدة صدقية لأن الذين أعدوه نخبة من خيرة العلماء والخبراء العرب ( أى شهد شاهد من أهلها) .
المهم أن أحداث أيلول 2001 أعطت أمريكا الحافز الاستراتيجي للحرب ضد الأنظمة العربية المستبدة ، وأعطى تقرير التنمية الإنسانية العربية المبرر المعنوى لهذا التحرك . وما رأيناه فى أفغانستان 2002 وفى العراق 2003 كان أول قطرات هذا "الغضب الأمريكي" . وبصرف النظر عن المواقف الإيدولوجية من التدخل الأمريكي ، إلا أنه أصبح واقعا في بعض أقطار المنطقة ، ومتوقعا فى بعضها الثاني ،ومحتملا فــي بعضها الثالث. . هذا بالطبع اذا لم تتغير هذه الأنظمة بواسطة عوامل داخلية ، أو اذا لم تغير الأنظمـة من أفكارها وسياساتها وممارساتها فى شكل ظاهر ومحسوس وملموس وفى الأجل المنظور .
ان الساحة العربية كانت ومازالت فعلا حبلى "بأجنة" التغيير ، وهى أجنة وضعت بذورها قبل أحداث أيلول 2001 ، وكانت هذه الأجنة تنتظر الولادة ولا تزال ، والسؤال الذى أثارته راغدة ضرغام يمكن اعادة صوغه ، هل ستكون القابلة التى تتم على يديها ولادة التغيير عربية أم أمريكية؟ هل بيدينا أم بيد عمرو؟ هذا أمر جاد يستحق حوار جادا من المثقفين العرب ، يتجاوزون فيه لعن الظلام (أى أمريكا والعولمة ) وينيرون فيه ولو شمعة واحدة ... فهل يفعل بعضهم ذلك ؟؟
 

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية