مقالات د. سعد الدين إبراهيم

الاستبداد والفساد والخراب
 


كتب المفكر العربي الكبير عبد الرحمن بن خلدون في القرن الرابع عشر الميلادي (السابع الهجري) في مقدمته لعلم العمران: إن الظلم يؤذن الي خراب البلاد، وانهيار العمران .
وما زالت هذه المقولة صحيحة تماما بعد ثمانية قرون من اطلاقها. وكل ما جد حولها هو تعدد طرق القياس الكمي والكيفي لعناصر هذه المقولة في القرنين العشرين والحادي والعشرين.
من ذلك أن هناك هيئة عالمية تسمي الشفافية الدولية ، ومقرها مدينة برلين بألمانيا. ومثلما تخصصت منظمة العفو الدولية بلندن، في مراقبة حالة حقوق الانسان في العالم، وما يصدر بشأنها من اتهامات ومخالفات، فإن منظمة الشفافية الدولية، تخصصت في رصد حالات الفساد في دول العالم وإصدار تقارير سنوية حولها وهي في ذلك تستعين بأفضل المناهج وأدوات الرصد والقياس المتوفرة. وتقوم بترتيب دول العالم حسب معدلات الفساد فيها، فالأقل فسادا تحصل علي المركز الأول، والأكثر فسادا تحصل علي المركز الأخير.
وفي السنوات العشر الأخيرة منذ بدأت الشفافية الدولية تصدر تقاريرها، كانت كندا وسنغافورة والبلدان الاسكندنافية تشغل أو تتبادل المراكز الخمسة الأولي للأقل فسادا، يليها في المراكز الخمسة التالية دول مثل سويسرا وهولندا وألمانيا وبريطانيا، بين حوالي مائة وستين دولة.
وكانت البلدان العربية وروسيا وبلدان افريقية تحتكر أو تتبادل فيما بينها المراكز العشرين الأخيرة في القائمة، أي انها البلدان الأكثر فسادا من ذلك سوريا ومصر والسعودية، ونيجيريا والكونغو وكينيا وأوغندا.
وإذا اخذنا تقارير منظمة العفو الدولية عن حقوق الانسان والشفافية الدولية عن الفساد وتقارير منظمة ثالثة هي بيت الحرية عن حالة الديمقراطية في العالم، فإننا نجد درجات ارتباط عالية للغاية بمعدلات انتهاك حقوق الانسان، وغياب الحرية أو الديمقراطية، وانتشار الفساد. إن غياب الحرية والديمقراطية وانتهاك حقوق الانسان يمثل ما يمكن تسميته بمنظومة الظلم في مصطلحات ابن خلدون، او الاستبداد في مصطلحات العلوم الاجتماعية الحديثة. فالبلدان ذات الأنظمة الاستبدادية، هي الأكثر فسادا، والأكثر انتهاكا لحقوق الانسان. ولأن الناس لا تأمن علي حياتها او حرياتها او اموالها في ظل انظمة الحكم الاستبدادية هذه، فإن رؤوس الأموال تخاف الاستثمار، او حتي الادخار فيها أو بعزوف أو هروب رؤوس الأموال الوطنية او المحلية، فإن نظيراتها، أي رؤوس الأموال الأجنبية، تخاف بدورها. وتهرب بجلدها من مثل بلداننا عالية الاستبداد، وانتهاك حقوق الانسان والفساد.
هل هذا كلام نظري من الكتب؟
الاجابة هي بالقطع لا . فتقارير غياب الحرية وانتهاك حقوق الانسان، ومعدلات الاستثمار وتدفق رؤوس
الاموال الأجنبية كلها الآن متوفرة في التقارير الدولية.
من ذلك انه في حالة مصر، مثلا كان حجم ما تدفق عليها من استثمارات خارجية عام 2000 هو 1400 مليون دولار. وتناقص هذا المبلغ في السنوات الثلاث التالية حتي انه لم يتجاوز 400 مليون دولار عام 2003 - اي ثلث ما كان عليه بدلا من أن يزيد، كما هو متوقع في الاقتصادات الناهضة، أو علي الأقل ان يحافظ علي نفس مستواه، كما في عام 2000. ولكن هذا التدهور في معدلات الاستثمار الأجنبية، لا شك يرتبط بما تنشره المنظمات الدولية عن مستويات الاستقرار الاجتماعي والسياسي، ومعدلات الفساد، والتي تنعكس بدورها علي معدلات نسبة العائد علي الاستثمار، فالفساد مثلا يرفع من سعر أو تكلفة التعامل - اي قيمة تكلفة انجاز الأعمال - كالحصول علي رخصة، أو تسجيل وتوثيق المعاملات أو الحصول علي اذونات التصدير والاستيراد، وما الي ذلك.
ويقال، مثلا، ان الوقت اللازم لبدء نشاط اقتصادي جديد في بلد ناهض مثل سنغافورة او دبي لا يتجاوز ساعات معدودات، بينما يستغرق في مصر عدة شهور. إن لم يصل الي عدة سنوات، ويضرب المثل، بمشروع الجامعة او المدينة العلمية، الذي وضع له حجر الأساس العالم المصري د. أحمد زويل الحائز علي جائزة نوبل منذ ست سنوات، في مدينة 6 أكتوبر، ولم يتقدم خطوة واحدة، رغم كل الآمال التي عقدت عليه. وتلقفت دولة قطر، ممثلة في الشيخة موزة بنت ناصر المسند، قرينة سمو الأمير الشيخ حمد بن خليفة الثاني، نفس الفكرة، وشيدت مدينة علمية علي أعلي مستوي عالمي خلال ثلاث سنوات، بينما ظل حجر أساس مشروع جامعة أو مدينة أحمد زويل في مصر، هو هو، حجر اصم واحد أوحد.
لقد أصبح واضحا ان السبب الحقيقي لمقاومة الاصلاح السياسي هو الفساد، والمستفيدين من هذا الفساد، والذي يقال انهم عادة في قمة السلطة، اي الحكام أنفسهم، أو أولادهم أو اصهارهم أو اصدقائهم وذويهم. فالاصلاح السياسي ينطوي علي حكم القانون، والمراقبة، والمحاسبة، اي الشفافية وهو ما يضير الفاسدين والمفسدين.
والي جانب ما تنشره منظمات حقوق الانسان والشفافية وبيت الحرية عن الاوضاع في بلاد العالم، والتي اشرنا اليها في موضع سابق من هذا المقال، والذي ذكرنا ان سوريا ومصر والسعودية من أعلي دول العالم في معدلات الفساد، فقد امتلأت العواصم الغربية، وخاصة باريس، بمعلومات أو اشاعات تربط هذه المعدلات بأسماء شخصيات بعينها من حكام هذه البلدان العربية الثلاثة: او أبنائهم.
كذلك ربط المحللون السياسيون بين هذه المعلومات والتقارير من ناحية وتفنيد عذر من حكام البلدان العربية الثلاثة في رفض مبادرات الاصلاح السياسي التي تعددت في السنوات الأخيرة من الداخل والخارج علي السواء. إن زعماء البلدان الثلاثة مثلا يبررون رفض هذه المبادرات لأنها وافدة من الخارج، الأوروبي - مثل المشروع الألماني - الفرنسي - أو الأمريكي - مثل مبادرة الشراكة في الشرق الأوسط، أو مشروع الشرق الأوسط الكبير ولكن ما هي الأعذار التي يمكن ان يقدمها هؤلاء الزعماء لرفض المبادرات العربية الوافدة من الداخل، والتي تعددت منذ مؤتمر أزمة الديمقراطية في الوطن العربي، المنعقد عام 1983 بمدينة ليماسول القبرصية، والتي كان آخرها في مدينة الاسكندرية المصرية في اوائل شهر مارس، وفي مدينة الدوحة القطرية في أوائل شهر أبريل من نفس العام 2004؟
ويتردد الآن في العاصمة الفرنسية، باريس، ومنها الي لندن، وفي العاصمة الأمريكية، واشنطن، ان استماتة زعماء الثلاثي المصري - السعودي - السوري، في مقاومة الديمقراطية، هو وعيهم ان الاصلاح الديمقراطي متي بدأ، فإنه لا ينطوي فقط علي مشاركتهم في السلطة، وكسر احتكارهم المطلق لها، ولكنه ينطوي ايضا علي فتح كل ملفات الفساد والاضطهاد التي تطال هؤلاء الزعماء انفسهم أو اقرب الناس اليهم.
ومن استماتة زعماء الثلاثي المصري - السعودي - السوري في مقاومة الاصلاح، اطلق عليهم بعض المراقبين عليهم في تونس بعد انهيار مؤتمر القمة الأخير الذي كان مقررا له 29-30/3/،2004 أنهم اصبحوا أشبه بالحائط الذي يشيده شارون الاسرائيلي، لمقاومة المقاومة الفلسطينية، ومن المفارقات ان ارييل شارون، رئيس الوزراء الاسرائيلي هو متهم ايضا في قضية فساد كبري، الفارق الكبير مع ذلك بين حالته وحالة الزعماء العرب الضالعين في الفساد، هو ان شارون وجهت له الاتهامات وستتم محاكمته في اسرائيل في غضون اسابيع او شهور. اما زعماؤنا العرب فإن حسابهم يبدو بعيد المنال علي شعوبهم في الأجل المنظور، ولكن التاريخ وربك لهم بالمرصاد ولا حول ولا قوة إلا بالله.

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية