مقالات
د. سعد الدين
إبراهيم
رسالة مفتوحة إلى:
أصحاب الجلالة والفخامة المجتمعون في تونس
في مثل هذا الوقت منذ 22 عاماً، وفي نفس هذا البلد، تونس اجتمع ثلاثون مثقفاً
وسياسياً، من كل أنحاء الوطن العربي، لمناقشة الأوضاع العربية المتردية، في أعقاب
الاجتياح الإسرائيلي للبنان، ووقوف الأنظمة العربية مشلولة الحركة، مكتفية كالعادة
بشجب العدوان بالأقوال دون روادع بالأفعال. وكانت المأساة في ذلك الصيف الحزين، هي
أن المظاهرات الشعبية التي خرجت للاحتجاج على العدوان الإسرائيلي، في عدد من
العواصم العربية، تم قمعها بلا رحمة بواسطة قوات الأمن والشرطة العربية. هذا بينما
خرجت مظاهرة قوامها نصف مليون شخص في تل أبيب للاحتجاج على حكومة إسرائيل بسبب
عدوانها على لبنان، دون أن تقمع قوات الشرطة الإسرائيلية هؤلاء المتظاهرين.
كانت المفارقة واضحة: حكوماتنا العربية عاجزة عن رد العدوان. واستمرت المأساة،
العجز في مواجهة الخارج، ومع ذلك يتضاعف القمع في الداخل. وقرر المجتمعون في مدينة
الحمامات في تونس أن يتوجهوا بدعوة إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان. واجتمع لهذين
الهدفين مائتي مثقف وسياسي عربي في مدينة ليماسول بقبرص، في نوفمبر 1983، بعد أن
رفضت كل العواصم العربية أن يقصدوا مؤتمرهم على أرضها. وفي قبرص وُلدت الحركة
العربية لحقوق الإنسان. وعبّرت عن همومها ومطالبها في مجلد ضخم، يحمل عنوان "أزمة
الديمقراطية في الوطن العربي"، وظهرت منها عشر طبعات، خلال العشرين عاماً التالية
في كل من بيروت والقاهرة والدار البيضاء.
أزمة الديمقراطية في الوطن العربي، هي الصيحة التي رددها المثقفون العرب منذ واحد
وعشرين عاماً، لإنقاذ وطنهم العربي الكبير من الاستبداد والضعف والفساد.
لقد فعل المثقفون العرب ذلك، قبل أن يطالب به الأوربيون بعشر سنـوات في برشلونـة
(1994)، وقبل أن يطالب به الأمريكيون في مشروعهم "الشرق الأوسط الكبير"، بعشرين
عاماً.
ولم يتوقف دعاة الديمقراطية العرب عن محاولاتهم السلمية من أجل الإصلاح السياسي
والدستوري في كل قطر عربي على حدى، وفي كل الأقطار مجتمعة طوال الربع قرن الماضي.
ولا حاجة للتذكير بلجان الدفاع عن الديمقراطية ومنظمات حقوق الإنسان التي تكونت سراً
وعلانية، في هذا القطر العربي أو ذاك. إن أجهزتكم الأمنية يا أصحاب الجلالة
والفخامة لديها سجل كامل بأسماء وتواريخ هذه اللجان والمبادرات.
لذلك اندهش دعاة الديمقراطية العرب، حينما صدرت تصريحات لبعض أصحاب الجلالة
والفخامة في الشهرين الأخيرين، ترفض الإصلاح السياسي والدستوري، بحجة أنه "وافد من
الخارج".
وقد ضاعف من دهشتنا، أنكم يا أصحاب الجلالة والفخامة لم ترفضوا من قبل، وبهذا الشكل
القاطع، القواعد العسكرية الأجنبية على ترابكم الوطني ولم ترفضوا المساعدات
الاقتصادية الخارجية، ولم تعتبروها تدخلاً في الشئون الداخلية. ألا ينطوي ذلك على
تناقض ظاهر، إن لم يكن على نفاق باطن؟ لماذا لا ترتفع أصواتكم برفض التدخل إلا
حينما يكون الأمر متعلقاً بالإصلاح السياسي؟ هل لأن هذا الإصلاح يعني الشفافية أو
المحاسبة والمراقبة. وقد تعودتم أن تتحكموا في السلطة والثروة، بلا حسيب أو رقيب؟
ألم تتظاهر النساء المسلمات في بعض أقطاركم منذ عدة سنوات، من أجل الحق البسيط في
قيادة السيارات، وهو حق أنكرتموه عليهن بينما سمحتم به للنساء الأجنبيات المجندات
على نفس ترابكم الوطني؟ إنكم، أصحاب الجلالة والفخامة، كثيراً ما تنتقدون الآخرين
بسبب إزدواج المعايير في عديد من قضايانا، ولكنكم لا تدركون أنكم تمارسون نفس
الإزدواجية مع مواطنيكم على أرضنا العربية منذ سنوات طويلة؟.
أصحاب الجلالة والفخامة
في مثل هذا الوقت من العام الماضي، وقبيل الحرب في العراق، وفد عدد من نشطاء حقوق
الإنسان العرب نداء يناشدون فيه الرئيس العراقي صدام حسين، التخلي عن السلطة طواعية
حقناً لدماء شعبه، وحفاظاً على البنية الأساسية للعراق، وتفادياً لمزيد من التدخل
الأجنبي السافر في شئون المنطقة. وقدم لكم سمو الشيخ زايد في مؤتمر قمّتكم اقتراحاً
بتوجيه نفس النداء، ولكنكم أبيتم حتى مناقشة الاقتراح.
وبعد غزو العراق، وسقوط بغداد، نبهتكم أقلام عربية عديدة في الصحافة العربية،
وأصوات عربية على كل الفضائيات، تناشدكم أن تبادروا أنتم بالتغيير والإصلاح "بأيدينا،
قبل أن تمتد يد عمرو لفرض التغيير والإصلاح من الخارج". ولكنكم أبيتم، أو تجاهلتم،
أو ناورتم، أو رفضتم رفضاً صريحاً نصيحة ذويكم، لمدة سنة كاملة ثم ها أنتم فوجئتم
في مطلع هذا العام بمبادرات أوربية وأمريكية، تتوالى لإصلاح البيت العربي والشرق
أوسطي، وتوشك مجموعة الثمانية الكبار، أن تتبنى مبادرة موحدة في قمتهم القادمة، في
شهر يونية 2004، بمدينة أتلانتا ولأن هؤلاء الثمانية يتحكمون في ثلثي الاقتصاد
العالمي، فلن يكون في إمكانهم الاستمرار في تجاهل الإصلاح أو رفضه، أو تأجيله، أو
المناورة والتمويه بشأنه.
أصحاب الجلالة والفخامة
حسنا فعل القائمون على مكتبة الإسكندرية بتنظيم "مؤتمر الإصلاح العربي" في منتصف
مارس 2004، والذي شارك فيه مائة وسبعة من المفكرين وقيادات المجتمع المدني في الوطن
العربي، من الخليج إلى المحيط. وذكر بعض المشاركون المخضرمون أنهم شاركوا في مؤتمر
مشابه، عبر البحر المتوسط في جزيرة قبرص عام 1983، أي قبيل 21 عاماً، لنفس الغرض،
وهو إقالة الديمقراطية من أزمتها في ذلك الوقت، ولم يتصور وقتها أن الأزمة ستظل
مستحكمة لحوالي ربع قرن، لا لغياب روشتة العلاج أو نقص في الدواء، ولكن لأنكم أصحاب
الجلالة والفخامة، لم تصدقوا أو تعترفوا أن هناك "أزمة" تستحق الحل، أو مريضاً
يتطلب الدواء.
لقد كرر مؤتمر الإصلاح في الإسكندرية، ما كان قد خلص إليه مؤتمر أزمة الديمقراطية
في الوطن العربي، قبل 21 عاماً. ولكن لأننا أهدرنا أكثر من عقدين، فقد ساءت حالة
المريض العربي أكثر وأكثر، حتى تطوع أطباء العالم للمساهمة في التشخيص والعلاج
وربما إجراء الجراحات اللازمة، قبل أن تنتقل عدوى أو جراثيم المريض العربي إلى خارج
الحدود، وقد رأى العالم مقدمة لهذا الأمر في نيويورك في أحداث 11/9/2001.
إن إعلان الإسكندرية، هو وثيقة مفصّلة بالخطوط العريضة للإصلاح السياسي والثقافي
والاجتماعي والاقتصادي. وهو بمبادرات مواطنين عرب، في مدينة عربية، فخذوه هذه المرة
مأخذ الجد، وكونوا حسن النوايا في تنفيذ روحه وجوهره، وأن تعلنوا ذلك صراحة وبلا
مواربة من قمتكم في تونس.
ولتعلموا، يا أصحاب الجلالة والفخامة، أن أعذاركم المتعددة لتأخير الإصلاح لم تعد
تنطلي على كثيرين في الداخل أو الخارج، من:
* فزاعة التطرف والمتطرفين الإسلاميين، وإنه إذا فتح الباب للديمقراطية ستتدفق منه،
أو يتسلق من خلاله المتطرفون. لقد أيقن العالم أن غياب الديمقراطية والمشاركة
الحقيقية للشباب في السلطة والثروة هو الذي يدفعهم إلى التطرف والإرهاب، وليس العكس.
كما أنه حينما فتح الباب لمشاركة الإسلاميين في المغرب وتركيا والبحرين، مؤخراً، لم
تقم القيامة، بل أن الشاهد هو أن ثلثي المسلمين في العالم يعيشون في ظل حكومات
ديمقراطية منتخبة ـ من أندونيسيا وماليزيا وبنجلاديش والهند إلى تركيا والمغرب
والأردن والبحرين. إن ثلث المسلمين الذين لا يتمتعون بالديمقراطية يتركزون في الوطن
العربي، وخاصة في بلدانه ذات الثقل السكاني ـ مثل مصر والسودان وليبيا وتونس
والجزائر، وسوريا والعراق والسعودية.
* فزاعة الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وأنه إذا فتح الباب للديمقراطية، فإن الذين
سيأتون إلى الحكم سيكونون الأكثر تشدداً ومن دعاة الحرب، لا من دعاة السلام، ومن ثم
ستشتعل المنطقة في الصراع العربي الإسرائيلي وتسوية المشكلة الفلسطينية تماماً.
ومثل الفزاعة السابقة، لم تثبت أن غياب الديمقراطية في البلدان العربية قد أسهم
خلال الخمسين سنة الأخيرة في تحاشي الحروب أو الاقتراب من التسويات الحقيقية للصراع.
بل هناك ما يشبه الإجماع في الوقت الحاضر على أن الأنظمة الاستبدادية العربية هي
المستفيد الأول من حالة الصراع القائمة تحت دعوى "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"
كذلك هناك ما يشبه الإجماع أن أنظمة الحكم الديمقراطية هي الأكثر قدرة على تسوية
الصراعات الممتدة سلمياً.
فليتوقف الحكام العرب عن البحث عن أعذار، وليبادروا بالإصلاح، فلعل وعسى أن يغفر
الله لهم ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر.