مقالات
د. سعد الدين
إبراهيم
بعد انهيار القمة
الحائط الآخر في الوطن العربي
استأثر الحائط الذي يبنيه شارون إسرائيل للفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين
باهتمام العرب والعالم في الشهور الأخيرة، وهو محاولة يائسة من جانب يمين إسرائيل
المتشدد لوقف المقاومة الفلسطينية من النفاذ إلي الداخل الإسرائيلي، وتهديد سكانها
المدنيين ولن يكون هذا الحائط هو الاول أو الأخير في تاريخ العلاقات بين الدول
والشعوب، فمنذ أحاط الصينيون القدماء مملكتهم المتوسطة بحائط، عُرف فيما بعد باسم
سور الصين العظيم ، لحمياتها من غزو البرابرة المتخلفين، وفكرة السور، أو الحائط،
تتكرر بين الحين والآخر وقد عرفت أوروبا الحديثة حاطئين من هذا النوع، أحدهما بنته
ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولي، وعُرف باسم خط سيجفريد، والثاني شيّدته فرنسا
قبيل الحرب العالمية الثانية، وعُرف باسم خط ماجنيو علي حدودها مع ألمانيا، وفي
تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي بنت إسرائيل حائطاً علي خط وقف اطلاق النار، بعد
حرب 1967 علي شاطيء قناة السويس عُرف باسم خط بارليف ومن الجدير بالذكر أن هذه
جميعا منذ سور الصين العظيم إلي خط بارليف - ويفصلهما حوالي ألفي سنة - لم تفلح في
حماية من شيّدوها من الأعداء والخصوم، فلم يوقف سور الصين العظيم جحافل المغول
الذين قادهم جنكيز خان، ولم يوقف خط ماجينو، الجحافل الألمانية في الأيام الأولي
للحرب العالمية الثانية، ولم يوقف خط بارليف طلائع القوات المصرية المتلهفة لتحرير
أرض الوطن في سيناء ظهيرة العاشر من رمضان 6 اكتوبر 1973 ولم ينجح حائط برلين في
وقف طوفان المتلهفين علي الحرية في ألمانيا الشرقية فحطموه في عام 1989 ولن يكون
جدار شارون إسرائيل أفضل حالاً من كل أولئك الذين سبقوه فما دام هناك حقوق مغتصبة
وما دام هناك من يطالبون بها، وعلي استعداد للتضحية في سبيلها فلابد أن ينتصروا إن
آجلا أوعاجلا في وجود الحائط أو عدم وجوده.
ولكن إلي جانب هذه السوابق التاريخية للحوائط والأسوار والخطوط المادية الاسمنتية
أو الالكترونية أو الشائكة هناك بين الساسة من يشيّدون حوائط وأسواراً وخطوطاً
مجازية حول أنفسهم وأنظمتهم حماية أو خوفاً من شعوبهم، وقد ألح عليّ خاطر هذا
الحائط الثاني في منطقتنا منذ إنهيار مؤتمر القمة العربية الذي كان مقررا انعقاده
يومي 29 و 30 مارس 2004.
خلال الأسبوع التالي لانهيار قمة تونس بدأت واستمرت الاتهامات المستترة أو الصريحة
للأنظمة العربية نحو بعضها البعض عن مسؤولية فشل القمة وسرّب عدد من وزراء الخارجية
العرب لصحفيين من بلدانهم أو بلدان أخري معلومات عما دار في الجزئيات الإعلامية
التي تسربت وتجمعت استطاع المراقبون ان يستخلصوا ما يلي:
أولا:: ان تونس البلد المضيف للقمة كان قد تعهد من خلال رئيسه زين العابدين بن علي،
لأصدقاء تونس في أوروبا والولايات المتحدة بأنه سيعمل علي أن تتبني القمة القرارات
الاصلاحية التي يلح الغرب عليها منذ أحداث سبتبمر 2001 والتي تتمحور حول تعديلات
دستورية واصلاحات سياسية واجتماعية واسعة النطاق، ورغم أن النظام التونسي في قرارة
نفسه ليس متحمساً لهذه الاصلاحات التي يمكن أن تنال من احتكاره للسلطة، إلا انه
وافق طمعا في الحصول علي صكوك البراءة والرضا من الغرب، وأملا في مزيد من المساعدات
والاستثمارات الغربية، التي يمكن ان تدفع النهضة الاقتصادية الحالية في تونس إلي
مزيد من الانجاز، وفي الحد الأدني قررت تونس أن ترمي بثقلها نحو الإصلاح الاجتماعي
والذي قطعت فيه شوطا أطول من غيرها من البلدان العربية أي أن تونس ستكون قلبا
وقالبا مع الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي وشكلا فقط مع الإصلاح السياسي تاركة مهمة
رفضه أو تمييعه لدول عربية أخري وبذلك تكون قد أبرأت ذمتها أمام من وعدتهم من
أصدقائها في الغرب.
ثانياً: :أنه حتي في أجندة الإصلاح الاجتماعي كما طرحتها ورقة العمل التونسية
أُصدمت بمعارضة سعودية صريحة، في كل ما يتعلق بإعطاء المرأة حقوقاً مدنية وسياسية
متساوية.
ثالثاً:: أما في الأجندة السياسية فقد تحالفت أو توافقت كل من مصر وسوريا والسعودية
علي رفض الأصلاحات الدستورية في الأجل المنظور، ولو حتي في الحدود الدنيا، التي
وردت في بيان الاسكندرية (13/3/2004) ولم توافق البلدان الثلاث من بيان الاسكندرية
إلا علي ما جاء حول الأصلاح الاقتصادي والثقافي، علي أساس إما انهم بالفعل اتجهوا
نحو اقتصاديات السوق (مصر والسعودية) أو بصدد ذلك بالفعل (سورية) أما الإصلاح
الثقافي فهو ذو طبيعة هلامية، ويصعب تقنينه في كل الأحوال ومن ثم لا مانع لدي هؤلاء
الثلاثة من الإبحار نحوه بقوة لفظية مطلقة.
رابعا:: كانت هناك ستة أو سبعة بلدان عربية مستعدة لتبني الأجندة الإصلاحية الشاملة
- سياسياً واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا - كما وردت في بيان الاسكندرية، أو كما جاءت
في أوراق العمل الأمريكية والألمانية والفرنسية والدانماركية وفي مقدمة هذه البلدان
كل من قطر وعمان والبحرين والأردن واليمن والمغرب.
خامسا: لكي يمنع الثلاثة الكبار - مصر وسورية والسعودية - الستة الصغار من الاندفاع
الي اجتماعاتهم المغلقة، ومن عشرات
تبني أجندة الاصلاح الشامل، وبلا تحفظ لجأوا الي قميص عثمان المعاصر، وهو القضية
الفلسطينية، حيث طلبت سورية من القمة تجديد مواقف أو اتخاذ مواقف متشددة من اسرائيل
وتجميد كلصور التطبيع معها من أولئك الذين كانوا قد وقعوا معها معاهدات أو اتفاقات
وقد أدي هذا الطلب السوري إلي ثغرة محرجة في الجدار الثلاثي المشترك مع مصر
والسعودية، فضلا عن رفض أردني صريح لهذا الاقتراح السوري واستخدم المعسكر العربي
المتشدد ابتزازا قوميا وجدانيا صارخا بمناسبة اغتيال إسرائيل للشيخ أحمد ياسين
الزعيم الروحي لحركة حماس.
سادسا: وجد النظام التونسي نفسه في موقف لا يحسد عليه فمن ناحية هو حريص علي انجاح
القمة ومن ناحية ثانية يريد الوفاء ولو شكليا أو جزئيا باستحقاقات ووعود كان قد
قطعها لأصدقاء له في الغرب، ومن ناحية ثالثة وجد ان الانقسامات بين الدول العربية
تتسع مع كل ساعة تمر علي اجتماعات وزراء الخارجية العرب بدلا من ان تضيق، ثم كان
اعتذار عدد من الملوك والرؤساء عن المشاركة في القمة، سببا أو عاملا إضافيا لقرار
تونس المفاجيء والمنفرد بإلغاء القمة أو تأجيلها، ويبدو ان اطرافا عربية أخري قد
ارتاحت لهذا القرار، دون ان تتحمل مسؤوليته.
سابعا: استاءت تونس كما تسرب علي لسان مسؤوليها من غياب ملك البحرين، الرئيس السابق
للقمة، والذي كان من المفروض بروتوكوليا ان يقوم بتسليم الرئاسة هذا العام للرئيس
التونسي ولم يعلن ملك البحرين انه حتي سيوفد ولي العهد أو رئيس وزرائه وهو ما كان
يعني ان الذي سيقوم بتسليم الرئاسة نيابة عن البحرين هو وزير الخارجية، وهو ما
اعتبره الرئيس التونسي إهانة واستهانة بمقامه الرفيع.
كذلك استاءت تونس من تعالي الثلاثي المصري - السوري - السعودي لا فقط باعتذار
رؤسائه عن الحضور للقمة، ولكن أيضا لدأبهم علي استخدام الفيتو في عدة مناسبات دون
تشاور مسبق مع الدولة المضيفة، وكان مسؤولون تونسيون هم الذين اطلقوا علي هذا
الثلاثي تسمية حائط الرفض العربي الجديد لكل تغيير أو اصلاح جذري، لا في بلد كل
منهم، ولكن أيضا في النظام العربي الكبير.
ان هذا الحائط الجديد لا يقل هولا ولا خطرا عن حائط شارون إسرائيل فإذا كان هذا
الأخير يعطل مسيرة تحرير فلسطين فإن جدار الرفض المصري - السوري - السعودي، يعطل
مسيرة أمة بأكملها من المحيط الي الخليج، فلا حول ولا قوة إلا بالله.