مقالات
د. سعد الدين
إبراهيم
العصيان المدني لا يمكن أن يكون صامتاً!
27/8/2004
نقلت عدة صحف مصرية عن د. أحمد كمال أبو المجد، وزير الإعلام الأسبق ونائب رئيس
المجلس القومي لحقوق الإنسان " إن المصريين يعيشون حالة عصيان مدني صامت" (الوفد
26/8، الميدان 28/8/2004). وجاء في تفصيله لهذه الملاحظة عزوف المصريين عن احترام
قواعد النظام العام، من إشارات المرور، إلى ممارسة حقوقهم وواجباتهم الانتخابية،
إلى إتلاف المرافق والمال العام. وأن ذلك لإحساس متزايد أن البلد لم تعد بلدهم، أو
أن السلطة فيها تعمل لهم حساباً، أو تشركهم في اتخاذ القرارات، أو حتى تسألهم
آرائهم فيما يخص مصيرهم ومصير أبنائهم!
وقد أصاب د. أبو المجد نصف الحقيقية، وله في ذلك عند الله أجر واحد. كان الرجل ثاقب
الملاحظة، كما عرفته، في توصيف "حالة مصرية راهنة". ولكنه لم يكن موفقاً في إطلاق
مصطلح "العصيان المدني" على هذه الحالة. إن اللفظ الأدق في توصيف تلك الحالة هي "عدم
الإكتراث"، وهي حالة موغلة في سلبيتها، وأنانيتها، وفوضويتها، وعبثيتها. ومن ثم
نادراً ما تفضي حالة عدم الاكتراث هذه إلى تعبير إيجابي أو تراكمية بناءة.
أما "العصيان المدني"، كما أصطلح عليه في علم اجتماع الثورات والحركات الاجتماعية،
فهو فعل "إرادي واع"، و "معلن" للاحتجاج على قانون ظالم، أو سياسة متعسفة، أو وضع
غير مقبول، مع الاستعداد لقبول نتائج هذا العصيان.
إن عناصر الوعي والإرادة والإعلان هامة للغاية، إذا كان للعصيان المدني أن ينطوي
على أي معنى أو مغزى. والمعنى والمغزى هنا هو تحدي السلطة بأساليب سلمية. إن الوعي
والإرادة هما اللذان يضفيان على الفعل معاني تتجاوز سلبية "عدم الاكتراث"، فالعاصي
المدني هو إنسان أو مواطن مهموم بالشأن العام، ويبغي تغييره إلى الأفضل والأحسن.
ولأن العصيان المدني ينطوي على تحد للسلطة القائمة، فإنه قد يعني خرق قانون أو رفض
تنفيذ سياسة بعينها. وقد يؤدي فعل التحدي هذا إلى فعل مضاد من السلطة بعقاب الذين
ينخرطون في هذا العصيان المدني ـ مثل الضرب أو القبض أو الحبس أو الاعتقال. لذلك
فإن عنصر الاستعداد لقبول نتائج هذا العصيان هو الذي يجعل الفرق شاسعاً بينه وبين
حالة أو سلوك عدم الاكتراث. إن العصيان المدني بهذا المعنى هو "مقاومة سلمية" ومن
ألوان العصيان المدني: المظاهرات، والإضرابات، والاعتصامات، والمقاطعات.
ويقال أن ما درج المصريون على اعتباره ثورة 1919، إنطوى على أول عصيان مدني جماعي،
غير مسبوق في التاريخ المصري الحديث، أو في العالم الثالث. ويقال أن ذلك كان ضمن ما
ألهم المهاتما غاندي، حيث تابع أحداث تلك الثورة في إعجاب شديد، وحرص على التوقف في
مصر أثناء عبور باخرته لقناة السويس، في أحد رحلاته الدورية بين جنوب أفريقيا، حيث
كان يعيش ويعمل محامياً، وبريطانيا وذلك للتعرف على قيادات ثورة 1919، والتعلم منهم
الكيفية التي وحدوا بها طوائف مصر من المسلمين والأقباط في هذا التظاهر الجماعي ضد
الاستعمار البريطاني. لقد كان إنجاز "وحدة وطنية" ضد المحتل هي العقبة الكأداء في
الهند، التي هي مجتمع متعدد الطوائف، والأديان، والمذاهب واللغات والثقافات.
واستطاعت بريطانيا من خلال سياسة "فرّق تسد" أن تسيطر على شبه القارة الهندية،
وثلثمائة مليون هندي ، بقوة احتلال لا تتجاوز عشرة آلاف جندي.
ويعود الفضل لغاندي في بلورة استراتيجية "العصيان المدني"، والارتقاء بها من ممارسة
عفوية أو تلقائية، أو عشوائية، إلى فلسفة متكاملة الأركان. وقد أطلق عليها مصطلح "الساتيا
جراها"، أي "المغالبة الروحية". فهي تقوم على مبدأ قهر الخصم معنوياً، وليس مادياً
أو جسدياً، وباسلوب سلمي. وقد ترجم بعض العرب مصطلح "الساتيا جراها" بالمقاومة
السلبية، وهي ترجمة غير دقيقة. فقد عاد غاندي من جنوب أفريقيا التي كان قد قضى بها
معظم شبابه، في بداية مرحلة الكهلولة، بعد أن شخّص بدقة حالة مجتمعه الأكبر حجماً،
ولكن المنقسم والأضعف مادياً، وحالة الاستعمار البريطاني الأصغر جنوداً ولكن الأقوى
تنظيماً وقوة مادية، بهدف الاستغلال الاقتصادي للشعب الهندي. وكانت الساتيا جراها
هي استراتيجية غاندي في توحيد ملايين الهنود، بإعطاء القدوة في المحبة والتسامح عبر
الانقسامات الطائفية. ثم حفز أبناء شعبه على مقاطعة البضائع الإنجليزية، وابتكار
البدائل البسيطة لتلك البضائع ـ بداية من ملح الطعام إلى المنسوجات والملابس. وكان
كل نجاح يحرزه غاندي وحزبه، الذي سماه حزب "المؤتمر"، كلما زاد أنصاره عدداً
وتصميماً. وشجعه ذلك على الانتقال من مرحلة المقاطعة إلى مرحلة خرق القوانين
الاستعمارية التي فرضها الاحتلال البريطاني، ومنها قانون منع التظاهر. وفي هذه
المرحلة التي درسها غاندي واستعدلها بدقة، وأوقع سلطات الاحتلال في ورطة. فأي قانون
لا قيمة له إذا لم ينطوي على عنصر العقاب. وكان التظاهر بالمخالفة للقانون ينطوي
على الحبس، ثم السجن في حالة ثبوت "الجريمة"... وفوجئ البريطانيون بعشرات الألوف
يتظاهرون، ويقبلون إلقاء القبض عليهم بلا مقاومة، بل والاعتراف بمخالفتهم للقانون.
وهو ما يعني إما حبسهم، وهو ما كان مستحيلاً، حيث لا توجد سجون تستوعب هذه الآلاف
في كل مدينة هندية. وحتى إذا تم القبض انتقائياً على الزعماء والكوادر، فإن استمرار
اتباعهم في التظاهر السلمي وخرق القانون كان يحتم على السلطة لكي تحتفظ بهيبتها أن
تلقي القبض على المزيد منهم، وتتكفل طبقاً للمواثيق الدولية، بإعاشتهم وكسائهم،
وتقديم الخدمات الطبية لهم، وهو الأمر الذي لم تعمل له بريطانيا حساباً. أما إذا
استخدمت العنف بديلاً للحبس والسجن، ولم يرد المتظاهرون بنفس الأسلوب العنيف، فإن
ذلك كان يجعل الجنود الإنجليز، بعد فترة، يشعرون بالخجل، فيرفضون هم أنفسهم تنفيذ
الأوامر باستخدام العنف. وهكذا وجدت سلطات الاحتلال في مرحلة من المراحل أن "العصيان"
يمتد من صفوف الهنود (المغلوبين) إلى صفوف جنودهم. وبدأ الرأي العام البريطاني نفسه
يثور على حكومته، ويضغط عليها للتسليم بمطالب الحركة الوطنية الهندية في الاستقلال.
وهو ما كان.
وقد لجأ الزعيم الأمريكي الزنجي مارتن لوثر كنج إلى نفس استراتيجية غاندي ـ الساتيا
جراها ـ في حركة الحقوق المدنية، والتي نقلت نضال الزنوج الأمريكيين نقلات نوعية
غير مسبوقة في غضون عشر سنوات فقط، فانتهت إلى غير رجعة قوانين الفصل العنصري، التي
كانت ما تزال سارية في ثلاثة عشر ولاية جنوبية في الولايات المتحدة.
كذلك نجح الشعب السوداني مرتان في إسقاط ديكتاتوريتين عسكريتين، هما نظام اللواء
إبراهيم عبود (1964)، واللواء جعفر نميري (1985) بالتظاهر والإضراب الجماعي عن
العمل. كما نجح الشعب الفلسطيني في انتفاضته الأولى (88/91) التي قام بها "أطفال
الحجارة" أن يحظى بتعاطف الرأي العام العالمي ويجبر إسرائيل على الإذعان لبعض
مطالبه في أوسلو. وذلك بعكس الانتفاضة الثانية التي اعتمدت على العمليات الانتحارية
ضد المدنيين، فأفقدت القضية الفلسطينية قسطاً كبيراً من تعاطف الرأي العام العالمي،
بل وأفقدت القضية جزءاً مما كانت قد كسبته. وربما تكون الزيارة التي قام بها أردن
غاندي، حفيد المهاتما، إلى فلسطين، في أواخر أغسطس (آب) للتضامن مع الشعب الفلسطيني،
إلهاماً لقوى المجتمع المدني في الأراضي المحتلة، لاستئناف المقاومة السلمية النشطة،
والتي تقودها الآن "الحركة الفسلطينية من أجل الحرية والسلام" (الحياة 26/8).
وهكذا يجب أن نفهم مفهوم وممارسة "العصيان المدني"، الذي لا يمكن أن يكون صامتاً،
كما يعتقد أستاذ فاضل مثل د. كمال أبو المجد، حيث أن "الإعلان"، وليس "الكتمان" هو
الذي يجعله سلاحاً إيجابياً للمقاومة، يدركه أصحاب المصلحة، كما يدركه الذين
يصادرون هذه المصلحة. كذلك ليس العصيان المدني، هو عصيان مسلح، كما اعتقد كاتب جهول
في مجلة "روز اليوسف"، هاجم دعوتنا للعصيان المدني (12 /6/2004). فكلمة "مدني" توحي
بالصفة السلمية لهذا العصيان، والذي هو عكس "المسلح" أو العصيان "العسكري".
والذين يسألون قوى المعارضة ودعاة الإصلاح السياسي على الأنظمة المستبدة لكي تذعن
لمطالبهم، نقول ليس أمامهم من سبيل لتحقيق أهدافها سوى العصيان المدني، فالعصيان
المدني، فالعصيان المدني. آمين.