مقالات د. سعد الدين إبراهيم

في فقه المؤامرة: استهداف مصر
 


ربما كانت مصر الناصرية (1952-1970) مستهدفة من قوى الهيمنة في النظام العالمي، في عقدي الخمسينيات والستينيات. وربما كان ذلك صحيحاً لأن مصر كانت تتحدى هذه القوى، سواء كانت غربية بقيادة الولايات المتحدة، أو شرقية بقيادة الاتحاد السوفيتي. وكان جزءأ من هذا التحدي هو أن مصر كان لديها مشروعها القومي ـ التحرري الطموح. فقد كانت تحلم وتعمل من أجل وحدة عربية، من المحيط إلى الخليج. وكانت تحلم وتمارس استقلالية في سياستها الخارجية، سميت حيناً بالحياد الإيجابي، وحيناً آخر "بعدم الإنحياز". وكانت مصر تحلم وتمارس تجربة رائدة في التنمية، سميت حيناً بالاشتراكية العربية، وحيناً "بالطريق اللارأسمالي للتنمية"، وحيناً ثالثاً "بالتطبيق العربي للاشتراكية". وكانت مصر الناصرية تحلم وتمارس مناهضة الصهيونية والإمبريالية والاستعمار، وتؤيد حركات التحرير في بلدان الوطن العربي وأفريقيا وأسيا. لهذه وغيرها من الأسباب كان النظام الثوري الناصري مستهدفاً ومحاصراً، إلى أن تم تحجمه ومحاصرته في سورية واليمن والسودان، ثم هزيمته عسكرياً واحتلال جزءاً من أراضيه عام 1967.
ولكن تلك الحقبة التي كانت فيها مصر الناصرية مستهدفة، قد مضت وأصبحت تاريخاً. وفهم خليفتا عبد الناصر ـ السادات ومبارك ـ دروس تلك الحقبة. فرتبا السياسة الخارجية إقليمياً ودولياً بشكل متوازن ومتواءم ومتناغم مع قواعد ومتطلبات النظام العالمي. واستفاداً وافاداً من هذا الترتيب المتوازن المتناغم. فلم تعد مصر مستهدفة من الكبار في هذا النظام العالمي. والكبار هم تحديداً الولايات المتحدة ومجموعة الاتحاد الأوربي، واليابان والصين، وروسيا. وبالعكس فهؤلاء الكبار جميعاً يساعدون مصر اقتصادياً، ويدعمونها أمنياً ودبلوماسياً. وليس لأي منهم مصلحة ظاهرة أو مباشرة في إيذائها أو الإضرار باستقرارها، وإلا ما أقبلوا على دعمها.
في حديثه الأسبوعي مع محمد سلماوي (الأهرام 5/8/2004)، يتساءل كاتبنا الكبير نجيب محفوظ "ما هذا الذي يحدث في العالم العربي؟ لقد كانت فلسطين هي بؤرة الصراع في المنطقة، وكانت هي الجرح الدامي منذ سنين، والآن تعددت الجراح. فهناك العراق، وها هي السودان تتحول هي الأخرى إلى بؤرة صراع واقتتال، وهو شئ غير مفهوم وغير مقبول من أي طرف عربي. فإذا كنا نعرف جيداً أننا كعرب مستهدفون، فلماذا نفعل ما يغري الآخرين بنا؟ هذا ما حدث في العراق حين هددت الولايات المتحدة بغزوها، فاتخذت القيادة العراقية بعض المواقف العنترية المتحدية التي سهلت عملية الغزو، وأعطتها ذريعة نعرف جميعاً أنها كانت زائفة. إن الشئ نفسه يبدو أنه يحدث في السودان. فهناك قوى تتربص بالسودان منذ فترة وتبحث لنفسها عن ذريعة. وها نحن نتعامل مع هذه القلاقل التي تشهدها منطقة دارفور بطريقة تثير حفيظة القوى وربما أعطتها الحجة التي تبحث عنها لكي تتدخل متعللة بالحفاظ على حقوق الإنسان، ولوقف ما تسميه "حرب الإبادة" التي تجرى هناك، وعندئذ سنندم حيث لا ينفع الندم".
في اليوم التالي، كتب الصحفي اللامع مجدي مهنا في جريدة المصري اليوم (6/8/2004) معلقاً على نفس أحداث دافور "لماذا دارفور الآن؟ وماذا بعد دارفور؟ بعد قيام القوات الأمريكية بضرب أفغانستان، طرحنا السؤال: وماذا بعد أفغانستان؟ وكانت العراق هي المحطة الثانية... إن ما يجري في دارفور من السهل بيعه وتسويقه إلى الشعب الأمريكي على أنه يدخل ضمن الحرب على الإرهاب. والذي يشغلني حقيقة ليس دارفور... إنما معرفة المحطة الثالثة بعد دارفور؟ ومن سيكون عليه الدور بعد السودان؟ هل ليبيا؟ هل سوريا؟ هل لبنان؟ هل إيران؟ هل مصر؟ " ثم يخلص مجدي مهنا إلى الإجابة التي أعد القارئ لها:
"نعم مصر. فما جرى في العراق هو إضعاف لدور مصر... وما ينفذ الآن من سيناريوهات في الأرض المحتلة وقطاع غزة هو إضعاف لهذا الدور. وما يخطط الآن في غرب السودان هو استمرار في مسلسل تركيع مصر".
إن الفارق العمري بين نجيب محفوظ ومجدي مهنا هو حوالي أربعين عاماً. وهناك فارق مهني، حيث الأول "روائي" والثاني "صحفي"... وربما هناك فروق أخرى لا أعرفها. ولكن الفارق الأهم ـ في رأيي ـ هو أن أولهما نشأ وترعرع في ظل "مصر الليبرالية"، وثانيهما ـ أي مجدي مهنا ـ نشأ وترعرع في ظل "مصر الشمولية". ومن هنا اختلفت رؤية كل منهما لما يحدث في "دارفور والسودان"، ومن قبلها العراق، ومن قبلها فلسطين. فنجيب محفوظ لا يتجاهل العوامل الخارجية في مشكلات وأزمات هذه البلدان الثلاثة، ولكنه يضع المسئولية الأساسية على أكتاف النظام العربي الحاكم، أو على أكتاف النظام العربي الإقليمي كله. بينما الزميل مجدي مهنا، يضع هذه المسئولية كاملة على الأطراف الخارجية عموماً، وعلى أمريكا خصوصاً. ويتضح هذا جلياً من المفردات التي استخدمها كل من "الروائي" و "الصحفي". في حديث نجيب محفوظ، الذي لم تتجاوز كلماته مائة وعشرين كلمة، كانت هناك فكرة مركزية، وهي "إذا كنا نعرف جيداً كعرب أننا مستهدفون، فلماذا نفعل ما يغري الآخرين بنا؟".
فكأن نجيب محفوظ يرد مقدماً، على تساؤلات مجدي مهنا، التي جاءت في اليوم التالي، والح فيها على "الاستهداف" و "المخطط" و "السيناريو"، الذي أعده الآخرون للعرب عموماً ولمصر خصوصاً. فهل كان نجيب محفوظ يعلم مسبقاً ما سيتساءل عنه مجدي مهنا لاحقاً؟ لا أعتقد أن نجيب محفوظ كان يعرف ذلك تحديداً، وأشك أنه حتى يعرف مجدي مهنا شخصياً، الذي هو أصغر منه بجيلين، ولم يبزغ نجمه كصحفي إلا في السنوات العشر الأخيرة. ولكن نجيب محفوظ كان يدرك ما سيقوله كثيرون ممن نشأوا وترعرعوا في الحقبة الشمولية، حتى لو لم يكونوا من أنصار الأنظمة الشمولية. ومعرفتي الشخصية بالزميل مجدي مهنا، الذي عقد معي لقاءات صحفية مطولة، تجعلني أقطع بأنه ليس من أنصار "الشمولية"، ولكنه مثل عديدين، ضحية المناخ الشمولي الذي نشأ فيه جيلين كاملين (والجيل عند ابن خلدون هو خمسة وعشرين عاماً)، أي خلال الخمسين سنة الأخيرة. وقد صبغ هذا المناخ الشمولي تفكير أغلبية العرب والمصريين. فما هي ملامح أو صبغة هذا المناخ؟.
إن الشمولية بطبيعة اسمها تقدم رؤية "شاملة" للكون وللحياة، تستند أو تدور حول محور أساسي واحد، تختزل فيه وتنظر من خلاله إلى كل جوانب الواقع الذي نعيشه، مهما كانت تعقيداته، ومهما تعددت مفرداته، ومهما تداخلت هذه الجوانب أو تقاطعت هذه المفردات. وبهذا المعني فإن الشمولية تنطوي على "راحة ذهنية"، حتى لو كانت راحة ذهنية مؤقتة، أو زائفة، أو مضللة. وبهذا المعنى أيضاً فإن "الشمولية" و "الأصولية" هما وجهات لنفس العملة: فكل شئ يتم رده إلى عامل مركزي واحد "أصيل"، وكل مفردات الواقع يمكن إعادة ترتيبها وتركيبها في إطار "شامل" واحد.
ورغم أن "الأصولية" ارتبطت تقليدياً بالأيديولوجيات الدينية "الأخروية"، بينما ارتبطت "الشمولية" بالأيديولوجيات "الدنيوية" والمادية، إلا أنهما يشتركان معاً في اعتمادهما على نظرية العامل الرئيسي الواحد الأوحد في التفسير، والتبرير، والتأطير. وضمن هذه الأصولية أو الشمولية، تبرز مفردات مثل "الاستهداف" و"المخططات" و"السيناريوهات" و "المؤامرات". وأخطر ما في ذلك كله هو أن التسلسل ينتهي بنظرية "المؤامرة"، وهي مريحة ذهنياً، ولكنها مستحيلة الاختيار والتمحيص عملياً أو معملياً أو علمياً. فالمخطط التآمري، أو المؤامرة بطبيعتها تكون "سرية"، ولأنها كذلك فهي تنتمي إلى عالم "الغيب" وليس إلى عالم "الشهادة" الذي يخضع للرؤية والتبين والاختيار والتحقق!.
وعودة إلى دارفور والسودان، فما هو الذي شاهده العالم، من خلال الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية؟
1ـ خلال العام الأخير ـ أي من منتصف عام 2003 إلى منتصف عام 2004، تم تشريد 1.2 مليون من سكان دارفور، غرب السودان، وقتل أو مات أكثر من مائتي ألف طفل وامرأة ورجل، نتيجة اشتباكات مسلحة، أو نتيجة الجوع.
2ـ إن العنف والاقتتال يتم بين ميليشيات بعضها وافد من عرب أقاليم السودان المجاورة لدارفور، ويسمون "الجانجويد" (أي جان يركبون جواداً) وبعضها من سكان دارفور أنفسهم. ويدعي أهل دارفور أن ميليشيات الجانجويد من العرب داهموهم بتشجيع من حكومة الخرطوم، التي يسيطر عليها عرب مسلمون".
3ـ إن حكومة الخرطوم العربية ـ المسلمة هذه، تسمي نفسها منذ استولت على السلطة عام 1989 بحكومة "جبهة الإنقاذ"، ويرأسها اللواء عمر البشير. وهي نفس الحكومة التي أعلنت "إسلاميتها"، وبرنامجاً لتطبيق الشريعة، مما أجج حرباً أهلية في جنوب السودان الذي تقطنه قبائل معظمها غير عربية وغير مسلمة.
4ـ هذه الحرب الأهلية الممتدة في جنوب السودان، مع سوء إدارة نظام حكومة الإنقاذ، أدى إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية في كل السودان. ولعل المؤشر البارز لذلك هو تدهور قيمة الجنيه السوداني الذي كان يساوي ثلاثة دولارات أمريكية عام 1978، فإذا به يتدهور إلى أن يصبح الدولار الأمريكي الواحد مساوياً لـ 2600 جنيه سوداني عام 2000، طبقاً للمصادر الرسمية السودانية نفسها. وقفزت نسبة من يعيشون تحت خط الفقر من 52 في المائة إلى 91 في المائة خلال نفس الفترة (1978 ـ 2000).
5ـ ولأن إقليم دارفور هو الأكثر تهميشاً وإهمالاً، وبسبب إنشغال حكومة الإنقاذ في حربها الأهلية الأولى في جنوب السودان، فقد تضاعف تهميش وإفقار إقليم دارفور، فتمرد سكانه على حكومة الإنقاذ، فأرسلت لهم ميليشيات الجانجويد لتأديبهم. ولما لم يكن لديها من الأموال ما تدفع منه رواتب لهذه الميليشات، فقد أطلقتها لتنهب، وتسلب، وتسبي، وتغتصب، وتقتل، وتحرق، مكافأة لها على أداء مهمتها.
لم يذكر المعلقين العرب والمصريين، ومنهم صديقنا مجدي مهنا، أياً من هذه الحقائق الخمس ليفسر اهتمام العالم بالمأساة الإنسانية في دارفور. ولكن الروائي نجيب محفوظ، من كثرة ما شاهده وسمعه في حياته المديدة، دخل في جوهر الموضوع مباشرة وهو "إذا كنا فعلاً مستهدفين" فلماذا نعطي الآخرين ذرائع لاستهدافنا؟"
الإجابة هي الاستبداد العربي، الذي يحكم باسم أصولية هنا أو شمولية هناك. وسواء كانت هذه أصولية تستبد باسم الإسلام ـ كما في "جبهة الإنقاذ بالسودان" أو "طالبان أفغانستان"، أو "خومينية إيران"، أو "قومية عراق صدام"، فإنها تدفع الأمور في بلدانها إلى التدهور والخراب، فتشتعل الحروب الأهلية أو مع الجيران. وفي كل الأحوال يعطي ذلك ما أطلق عليه كاتبنا الكبير نجيب محفوظ ذرائع لأطراف خارجية طامعة للتدخل في شئوننا ـ وفي حالة السودان التعيس تحكّمت فيه أصولية دينية، أججت حرباً أهلية في الجنوب، وكذلك أصولية قومية عربية، أشعلت حرباً أهلية ثانية في دارفور. فبإس الأصوليتين الشموليتين.
في النهاية، لماذ تستهدف أمريكا مصر عن طريق السودان الآن، وقد كان أمامها فرصاً عديدة لذلك، خاصة وقت كانت العلاقات بين مصر والسودان في أسوأ حالاتها (تذكرون محاولة اغتيال الرئيس مبارك في أديس أبابا بواسطة إسلاميين جندهم ودربهم وأطلقهم نظام جبهة الإنقاذ في السودان)؟ ولماذا تستهدف أمريكا مصر من خلال دارفور بالذات، وهي في أقصى غرب السودان، ولا يمر بها النيل أو أي من روافده، بل ولا يوجد بها أنهار أصلاً. كما أنه ليس بها نفط أو أي موارد طبيعية تذكر؟. إن أمريكا إذا كانت حادة في تقديم دور مصر، لما ساعدتها بمليار دولار سنوياً، منذ عام 1977.
فإذا كان لدينا ـ كعرب ومصريين ـ مظالم ضد أمريكا، فعلى حد علمي فإنها تتركز أساساً في القضية الفلسطينية، والتأييد المطلق الذي تقدمه أمريكا لإسرائيل. وهي مظالم مشروعة، وينبغي أن نُلح على أمريكا والعالم في تسويتها. ولكن أن نذهب إلى أن أمريكا وراء كل مشكلة في العالم، حتى لو كانت مشكلة الصيد في أيسلندا، أو كارثة حتى لو كانت في دارفور؟ أو أنكى من ذلك أن أمريكا بضلوعها المفترض في أيسلندا أو دارفور إنما تستهدف حقيقة مصر، فإن ذلك ينطوي على تضليل مقصود، أو في الغالب غير مقصود، لمجرد "فش الغل" كما يقول الأخوة الشوام. فدعونا ننقد أمريكا على ما تستحق النقد عليه، شرط أن يكون ذلك مؤسساً على بيانات ومعلومات أو أدلة، أو وقرائن. فلعنة الله على أمريكا وإسرائيل والمضللين، آمين!
ولا حول ولا قوة إلا بالله
 

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية