مقالات د. سعد الدين إبراهيم

على هامش نكبة دارفور
لوم الضحية في فقه المؤامرة والاستهداف
 


لا بد أن كاتبنا الكبير نجيب محفوظ، مثل كثير من عقلاء هذه الأمة، قد فاض بهم الكيل من غوغائية بعض الساسة والمثقفين العرب، الذين لا يكفون عن اتهام الخارج بتدبير المؤامرات، الواحدة تلو الأخرى، للتدخل في شئوننا، واختلاق الذرائع لاحتلال أوطاننا، والهيمنة على مصائرنا، ونهب ثرواتنا. لذلك يواصل نجيب محفوظ، للأسبوع الثاني على التوالي، في حديثه الأسبوعي للزميل محمد سلماوي (الأهرام 2/8/2004) في الإلحاح على مسؤليتنا الذاتية عن المصائب والنكبات التي تقع لنا. والتي قد تستغلها بعض الأطراف الخارجية، فعلاً، للتدحل في شئوننا. يقول الشيخ نجيب محفوظ :
" إن ما يحدث الآن (أغسطس 2004) في دارفور بالسودان إنما يثبت أننا كعرب لم نستوعب بعد حقائق العصر الذي نعيشه. ففي عالمنا هذا لم يعد هناك ما يمكن أن يعتبر شأناً داخلياً. فقد صغر العالم وتقاربت أطرافة التي كانت تبدو في عصر آخر نائية. وصار ما يحدث في أقصى الأقاليم السودانية يحظى باهتمام جميع دول العالم، كما يثبت قرار الأمم المتحدة الأخير في هذا الشأن. ومن ثم فإن ذلك يعطي بعض القوى التي تسعى للتدخل في المنطقة والسيطرة عليها فرصة لتحقيق أهدافها. إن علينا أن نعرف أنه في عصر العولمة الذي نعيشه فإن أي شيئ يحدث في أقاصي إقليمنا يسمع صداه في جميع عواصم العالم وتبث صوره جميع قنوات التليفزيون..."
ورغم أن هذا هو الإدراك الواعي لكاتب في التسعين من عمره، إلا أن جيلاً أصغر بحوالي خمسين سنة ما زال يردد نفس حديث المؤامرة والاستهداف من الخارج، دون أي نقد ذاتي، أو مراجعة حقيقة ما تردده الأنظمة العربية الحاكمة، التي عهدناها جميعاً مستبدة كذوبة.
من ذلك ما أفردت له مجلة أسبوعية تصدر عن مؤسسة الأهرام، وهي "الأهرام العربي"، التي خصصت ملفاً كاملاً في عددها بتاريخ 31/7/2004 لموضوع دارفور، بعنوان رئيسي بارز على الغلاف "المؤامرة عنوانها النفط"، وعنوان فرعي هو "مفتاح صندوق انتخابات بوش في دارفور". بل ويبدأ الملف بافتتاحية لرئيس تحرير المجلة، الزميل أسامة سرايا، عنوانها "من دارفور... إلى المسجد الأقصى". وهكذا في عدة كلمات وعناوين أوحى أسامة سرايا بمفردات التنويعة المعتادة لنظرية "المؤامرة"، التي أدمنها العقل العربي في العقود الخمسة الأخيرة. ففيها كل عناصر الوجبة الدسمة للمؤامرة وهي: أمريكا، والغرب، وإسرائيل كمتآمرين، طامعين، أشرار، وفيها "نفط"، ومياه، وأنهار، ومعادن، كمطمع لهؤلاء الأشرار. وفيها "عرب" و "مسلمين" كضحايا مستهدفين. والتنويعة الإضافية هذه المرة هي "صندوق الانتخابات" الرئاسية في الولايات المتحدة. فقد ادعت كاتبة اسمها د. أماني الطويل في نفس عدد الأهرام العربي أن "قطار التدخل الدولي السريع بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية أوشك أن يدخل محطة دارفور السودانية التي اختلط فيها الحابل بالنابل. فلم تعد هناك خطوط فاصلة بين الشأن السياسي والشأن الإنساني، حيث يتلاعب بمصير أكثر من مليون سوداني نازح ومشرد في الصحراء، المحترفون في واشنطون ولندن والخرطوم، بينما الهواة من السياسيين الجدد، من أبناء دارفور، ينتقلون بين العواصم العالمية حيث أسكرتهم خمرة النجومية السياسية والإعلامية، فأفتقدوا القدرة على طرح أجندة سياسية متماسكة".
وهكذا تعزو د. أماني الطويل النكبة الإنسانية في دارفور إما لمحترفي السياسة في واشنطون ولندن أوالخرطوم، وبهذا الترتيب، أي واشنطون ولندن أولاً وثانياً، ثم الخرطوم في المقام الأخير. أما الفريق الثاني المسئول عن نكبة دارفور فهو في رأي د. أماني الطويل، فريق من هواة السياسة الجدد من أبناء دارفور، الذين لعبت خمر النجومية بعقولهم، فقدموا أكثر من مليون من ذويهم قرابين على مذبح هذه النجومية المبتغاه! وهي تنتقد هؤلاء الهواة الجدد لأنهم لا يمتلكون أجندة سياسية متماسكة"!!.
إن مثل هذا التحليل الذي يتراوح بين السذاجة، مع أحسن الظنون، و "التضليل"، مع أسوأ الظنون، قد أصبح نمطاً شائعاً في الصحافة المصرية والعربية. وسيقتصر تفسيرنا هنا على فرضية أحسن الظنون، حيث لا توجد مصلحة ذاتية للأهرام العربي ـ سواء من خلال رئيس التحرير (أسامة سرايا) أو د. أماني الطويل التي أعدت ملف العدد.
نبدأ نقدنا لهذه المدرسة في الإعلام العربي عموماً والمصري خصوصاً، بنزعتها لوضع "اللوم على الضحية". فالقيادات السياسية في دارفور هي المسئولة، في نظر هذه المدرسة عما حدث ويحدث لأهاليهم، من تشريد ونزوح وجوع وموت. فهذه القيادات هي، أولاً، "هاوية" وليست "محترفة". وهي، ثانيا،ً تبحث عن "النجومية" خارج الحدود. وهي، ثالثاً، تركت النزعة للنجومية تستبد برؤوسها حتى أسكرتها تماماً. ولذلك افتقدت، رابعاً، إلى صياغة أجندة سياسية متماسكة". أي أنها لو كانت تملك مثل هذه الأجندة، ولم تنزع إلى النجومية، فربما كانت نكبة دارفور لم تقع أصلاً، أو كان يمكن احتوائها بسرعة.
إن عناصر نكبة دارفور ضاربة بجذورها إلى عدة عقود مضت. ولكنها تفجرت فقط منذ عامين، وبدأ العالم ينتبه إليها منذ عام واحد، ثم تعالت صيحات المجتمع الدولي منذ ستة شهور فقط، ثم منذ شهر واحد، قرار مجلس الأمن الذي يعطي الحكومة السودانية ثلاثين يوماً لوقف العنف، بنزع سلاح "الميليشيات" الحكومية العربية المعروفة باسم "الجانجويد".
وعلى حد علمي وبناء على مصادر سودانية ودولية، فإن "حركة تحرير السودان"، و"حركة العدل والمساواه" وغيرهما من تكوينات وتنظيمات سياسية في دارفور، هي جميعاً حديثة النشأة، ولا يتجاوز عمر أقدمها خمس سنوات. أي أن قياداتها هي فعلاً من "الهواة"، على حد تعبير د. أماني الطويل. ولكن السؤال للدكتور أماني وغيرها هو "ماذا عمن يحكمون السودان من الخرطوم منذ الإنقلاب العسكري ـ الديني، الذي سمي نفسه بنظام جبهة الإنقاذ، والذي استولى على السلطة منذ عام 1989 ـ أي منذ ستة عشر عاماً؟ ألا تكفي هذه السنوات الطويلة في السلطة لكي يكونوا محترفين؟ اظن أن د. أماني تقر بأنهم كذلك، فلماذا لم تتوقع منهم أو تطالبهم بأن يكون لديهم "أجندة سياسية متماسكة"؟
حقيقة الأمر أنه كانت لدى جبهة الإنقاذ أجندة سياسية متماسكة في سنواتها العشر الأولى (1989ـ 1999)، حيث صاغ لها د. حسن الترابي برنامجاً إسلامياً عربياً شرعيا لحكم السودان، بمسلميه ومسيحييه ومشركيه، بعربه وزنوجه وأعاجمه. وتبنى اللواء عمر البشير ـ (الذي أصبح فريقاً، ثم مشيراً) ـ بعد الإنقلاب، برنامج الترابي، وتحمس له، وقاتل من أجل تطبيقه. وفي معمعة هذا الحماس لتطبيق هذا البرنامج الشرعي الإسلامي ـ العربي، المتماسك، تسببت جبهة الإنقاذ في تفكيك السودان، وسفك دماء مليونين من أبنائه، معظمهم في الجنوب، وتشريد ثلاثة ملايين آخرين، منهم مليون في غرب السودان، وهو دارفور.
المسألة، إذن، ليست وجود برنامج سياسي متماسك من عدمه. فمثل هذه البرامج الأيديولوجية المتماسكة أدت إلى الاستبداد، وأدى الاستبداد بدوره إلى الفساد، وأدى هذا الأخير إلى الخراب. إن ثلاثية "الاستبداد ـ الفساد ـ الخراب"، كانت تحدث في السودان منذ إستيلاء الفاشية العسكرية ـ الدينية على مقاليد السلطة في السودان (1989) تحت المسمى الخداع "جبهة الإنقاذ". ولكن نفس هذه الثلاثية البغيضة تجلت بشكل درامي في دارفور خلال السنة الأخيرة، لذلك جذبت اهتمام العالمين ـ في الداخل والخارج.
إن أنظمة الحكم العربية تتضامن ـ من خلال جامعتهم العربية ـ في التستر على ثلاثية الاستبداد والفساد والخراب، لأن ذلك يخدم مصالحها. ولكن لماذا يساهم بعض المثقفين والصحفيين العرب في مثل هذا التستر؟ لماذا يظل أمثال نجيب محفوظ صوتاً وحيداً يصيح في البرية العربية الموحشة؟
لقد ارتكبت الأنظمة العربية نفس جريمة الصمت هذه بالنسبة لنظام الرئيس السوري السابق حافظ الأسد عندما دك مدينة حماة بطائرات سلاح الجو السوري، في أوائل الثمانينات، وقتل ما يزيد عن عشرين ألفاً من أبناء المدينة، للتخلص من عدة مئات من معارضيه من الاخوان المسلمين. ولم يرتفع وقتها صوت حكومة عربية واحدة أو مثقف أو صحفي عربي واحد للاحتجاج ـ بدعوى أن سوريا كانت وقتها تقود جبهة "الصمود والتحدي" في مواجهة إسرائيل والغرب.
واستمر هذا التواطئ المتبادل بين الأنظمة العربية الحاكمة في عدة حالات نكل فيها النظام الليبي بمعارضيه داخل ليبيا، أو بالعرب المعارضين من خارجها. ولعلنا نذكر اختفاء الزعيم الشيعي اللبناني موسى الصدر أثناء زيارته ليبيا في الثمانينيات، ثم اختفاء المعارض الليبي منصور الكنحيا، الذي كان وزيراً لخارجية ليبيا، بعد اختطافه من فندق سفير بالدقي في القاهرة في أوائل التسعينيات. ومرة أخرى برر المثقفون صمتهم بأن "الأخ معمر" هو أيضاً أحد أركان جبهة الصمود والتصدي.
وأخذ التواطئ طابعاً عنصرياً طائفياً بغيضاً في حالتي استخدام النظام العراقي لصدام حسين أبشع أساليب الإبادة والتنكيل ـ بداية ضد جيرانه الإيرانيين (1980-1988) بدعوى أنهم "فرس مجوس". وأن نظام صدام يحرس البداية الشرقية للأمة ضد حجافلهم. ومرة ثانية عندما استخدم الغازات السامة ضد مواطنيه الأكراد في "حلبجة" ـ بدعوى أنهم غير عرب، ولديهم نزعات انفصالية. ومرة ثالثة ضد جيرانه العرب الكويتيين. وكان صمت معظم المثقفين العرب هذه المرة، هي لأن الكويتيين أثرياء، وأنهم استغاثوا بالغرب الاستعماري لإنقاذهم!.
وهكذا يتكرر مسلسل الاستبداد وحماقاته في الداخل ومع الجيران. ويستمر التواطئ المتبادل للأنظمة لمصالح معروفة، كما ذكرنا آنفاً. ولكن المدهش والمزعج والمحزن، أن يتحول بعض المثقفين والإعلاميين إلى شركاء في جريمة الصمت، ويبررون لهذه الجريمة بشتى الأعذار. ومن آخر هذه المبررات، وضع اللوم على "الضحية" ـ كما في حالة دارفور.
فلا حول ولا قوة إلا بالله

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية