مقالات
د. سعد الدين
إبراهيم
ثقافة الاستبداد والخوف من "الآخر"
29/7/2004
يزور مصر بين الحين والآخر وفود أجنبية، رسمية أو أهلية، وكذلك مسئولون من مشارق
الأرض ومغاربها. وفي الشهر الأخير كان ضمن أولئك وهؤلاء لجنة تقصي حقائق من
الكونجرس مهمتها إعداد تقرير عن "الحريات الدينية في العالم"، وكذلك السيد/ كولن
باول، وزير الخارجية الأمريكي، ووفود اكاديمية من النرويج واليابان، وبرلمانيين
أوربيين وأتراك. وأنا هنا أذكر أولئك الذين عرفت بهم، ولا شك أن هناك آخرون كثيرون
غيرهم لم أعرف بزياراتهم. فمصر بلد محوري في المنطقة يجتذب زواراً كثيرين ـ سواء
لأغراض السياسة، أو السياحة، أو التجارة.
ولكن السبب في كتابة هذا المقال هو الضجة التي يثيرها بعض السياسيين في الحزب
الحاكم، ويزايد عليهم في ذلك بعض المعارضين والمثقفين والصحفيين، فقط حينما يكون
الزائرون أمريكيون، وحين يطلبون اللقاء ببعض ممثلي المجتمع المدني، وخاصة من
المنظمات الحقوقية في مجال حقوق الإنسان. ويتذرع محدثوا هذه الضجة بأن لقاء هذه
الأطراف الخارجية بأي طرف مصري غير حكومي هو تدخل "صارخ" و "مرفوض" في أخص شئون مصر
الداخلية وكثيراً ما يطلب مثيرو الضجة من كل المصريين أن يرفضوا مقابلة هؤلاء
الزائرين الأجانب الذين جاءوا ينشدون معلومة، أو يصححون بياناً، أو يسعون لرأي أو
نصيحة في أمر عام.
وبالفعل يستجيب البعض لهذا الطلب بالرفض والمقاطعة، فيتم الاحتفاء بهم والإشادة "بوطنيتهم".
وبعضهم، لم يتصل به أحد ولم يطلب لقاءاً معه. ولكنه يدعي أنه "رفض بإباء وشمم" أن
يلتقي بالوفد أو الشخصية الأجنبية التي أثيرت حولها الضجة، ساعياً بذلك لسهم أو صك
"بالوطنية". ومن كثرة المدعين والأدعياء، لجأت السفارات الأجنبية في القاهرة، إما
إلى إعلان الأطراف والأسماء المصرية التي طلبت الوفود الزائرة اللقاء بها، أو تكذيب
بعض الذين يدعون الرفض، حيث لم تطلب الوفود الالتقاء بها أصلاً.
ويحتاج هذا المشهد المتكرر في مصر مؤخراً، بعض التأمل والتفسير
أولاً: يلاحظ أن الضجة تحدث وتصدر في كل مرة من نفس الأصوات والأطراف والصحف. وكأن
أصحابها أصبحوا محترفين لهذه الممارسة. وبالتدقيق فيها، وسواء قصدوا ذلك أم لم
يقصدونه، فهم في الواقع ينصبون من أنفسهم أوصياء على مصر الأهلية المدنية، فهذه
الأصوات نفسها لم تطلب أبداً من مصر الدولة، رئيسها أو وزير خارجيتها، أن يقاطع هذا
الوفد أو ذاك المسئول الأجنبي. وهو ما يوحي أن المطالبين بالمقاطعة، إن كانوا فعلاً
رافضين لهذا الوفد أو المسئول الأجنبي، فالأوقع هو أن ترفض الدولة نفسها، من خلال
مسئوليها استقبال هذا الوفد أو المسئول الأجنبي. ولأن مثيري الضجة لا يستأسدون إلا
على "الأهالي" (المجتمع المدني) فإن هناك ظناً أنهم "عملاء" لأجهزة الدولة، التي لا
تريد لأي صوت أهلي أن يعبر عن أي وجهة نظر مخالفة أو مختلفة معها.
ثانياً: إذا أحسنا الظن أن مثيري الضجة ليسوا عملاء للأجهزة الرسمية، وأنهم بالفعل
غيورين على "الوطن"، فإن مفهومهم للوطن وحب الوطن (أي الوطنية) هو الذي يحتاج إلى
إعادة نظر. فليست الوطنية حكراً أو احتكاراً لمصري، حتى لو كان رئيس الدولة، دون
مصري آخر. وحب الوطن أو التفاني في خدمته هو سلوك ملموس، وأداء محسوس، وليس "ظاهرة
صوتية". كما أن التهاون أو التفريط في مصلحة وطنية، هو أمر يحدده القانون وتقضي به
المحاكم في ساحات العدالة. وهذا ما قضت به محكمة النقض المصرية، أعلى محاكم البلاد،
في قضايا عديدة، أثارت فيها الأجهزة الأمنية، على لسان المدعي العام، اتهامات ضد
مواطنين حول التعريض بسمعة الوطن أو المساس بمصالحه، وكان آخرها وربما أهمها هو
قضية مركز ابن خلدون، التي استحوذت على اهتمام واسع محلياً وعربياً وعالمياً. وكانت
محكمة النقض واضحة قاطعة في حيثيات حكمها، الذي ميّز بين مصلحة "الوطن"، ومصلحة "النظام
الحاكم"، وبين هذا الأخير، و"رئيس هذا النظام، وأنه لا يصح الخلط، ولا اختزال "الوطن"،
وهو خالد، في "نظام حاكم" هو بطبيعة الأمور متغير، ويدول كما دالت كل الدول من قبله
ومن بعده. وهذا التمييز يأخذنا إلى النقطة التالية، وهي "الخارج" و "الداخل"، و "الوافد"
و "الموروث".
ثالثاً: هل كان المصريون، أو بعضهم، لديهم هذه الحساسية دائماً من كل ما هو "خارجي"
أو "اجنبي" ؟ ربما كان المصريون مثلهم مثل بعض الشعوب والمجتمعات الأخرى تراودها
هواجس أو شكوك حيال ما هو "غريب" عن أرضها وتقاليدها ولغتها ودياناتها. وربما كان
المصريون حتى أكثر حدة في هذا الصدد للطبيعة "النهرية" لمجتمعهم، وهو ما لاحظه
كثيرون، فأشهرهم في التاريخ القديم هو المؤرخ الإغريقي هيرودوت، الذي كان أول من
أطلق عبارته الشهيرة في وصف مصر بأنها "هبة النيل". فكل ما كان وما زال يحيط بمصر
هو امتدادات صحراوية جافة ـ سواء في شرقها (الجزيرة العربية وسيناء)، أو غربها (ليبيا
والصحراء الكبرى). والتصق المصريون بوادي نهر النيل، مصدر الماء الوحيد، زرعوا
الأرض، واستأنسوا الحيوانات، وشيدوا حضارة عظيمة، كانت قاعدة لإمبراطورية قديمة.
ولكن حينما ضعفت، ثم تلاشت تلك الإمبراطورية، تعرضت مصر لغزوات عديدة من جيرانها
الأقربون أو من أقوياء ابعدون. أي أن الذاكرة الجماعية للمصريين تنطوي تقليداً على
بعد "فصامي"، فإما أنهم قاعدة لإمبراطورية، يكون هي فيه البلد القائد والرائد، وإما
أن بلدهم يكون مستهدفاً لقوى أخرى من خارج حدوده، تسعى "لغزوه" و "اختراقه" و "الهيمنة"
عليه. ولأن ذلك العنصر متجذر في الذاكرة الجماعية، فمن السهل استدعائه، بواسطة
الحكام وبعض المحكومين. فكل حاكم مستبد في العصور المصرية الحديثة حاول تبرير
استبداده، بمقولة حماية مصر من أعدائها الذين يتربصون بها في "الخارج"، وعادة ما
يتهم كل مستبد معارضيه، بأنهم "أعوان" أو "عملاء" لأعداء الوطن في الخارج. وقد وصلت
هذه الفصامية منتهاها، في سنوات المد الصاخب لثورة يوليو الناصرية (1952 ـ 1970)،
حيث كان الداخل المصري في معارك دائمة مع العدو الخارجي. وكان الشعار المرفوع
لإسكات أي معارضة في الداخل هو "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". إنه هذا الإرث
التاريخي الذي يستدعيه الآن قلة من المخلصين وكثرة من الغوغائيين، لإبقاء المصريين
عموماً، ومنظمات مجتمعه المدني خصوصاً، رهن نفس الثقافة السياسية الاستبدادية.
فالدولة هي وحدها التي تتحدث، وليس المجتمع. وفي داخل الدولة، فإن رأسها فقط، أي "الفرعون
ـ الإله"، أو الفرعون الرئيس، هو الذي يتحدث باسم الدولة، فهو الواحد الأوحد، الذي
لا شريك له، ولا رقيب عليه، وهو الذي يحي ويميت، وهو على كل شيء قدير!.
رابعاً: البلد العربي الوحيد الذي يشترك مع مصر من حيث طبيعته النهرية، هو العراق،
حيث يوجد نهري دجلة والفرات. وقد اشترك عراق النصف الأخير من القرن العشرين مع مصر
في تعميق نزعة الخوف من كل ما هو أجنبي. وكان ذلك ستاراً للاستبداد في أبشع صوره،
خلال حكم صدام حسين. وبلغ الرجل من استبداده وتضخم "الأنا ـ الفرعونية ـ الإلهية"
أن في أواخر سنوات حكمه المديد، أطلق على نفسه ثمان وتسعين صفة، أي أقل بصفة واحدة
عن أسماء الله الحسنى! وبنفس الجبروت، ابتلع صدام حسين كل شيء، واختزل الدولة
العراقية في حزب البعث، ثم اختزل حزب البعث في بلدته تكريت، ثم كل ما سبق في أفراد
عائلته الممتدة، ثم اختزل كل ذلك في نفسه وفي ولديه (عدي وقصي). وضمن تجليات هذا
الجبروت، إصدار قانون يُجرم على أي عراقي الاتصال بأي طرف خارجي او المشاركة أو
عضوية أي منظمة خارجية، إلا بتصريح من الدولة (أي الحزب ـ الأسرة ـ صدام) ويعاقبه
بالإعدام.
خامساً: أن الثقافة الاستبدادية ـ الشمولية، سقطت أو تآكلت في كل أنحاء العالم
تقريباً، إلا المنطقة العربية، وهو ما أغرى بعض علماء السياسة في الغرب بالحديث عن
"الاستثنائية العربية" (Arab Except ) في إشارة شبه عنصرية إلى أن الموجة الثالثة
للديمقراطية، قد شملت العالم كله ـ من الفلبين إلى الأرجنتين، ولكنها تتحطم دائماً
على الشواطئ العربية المستعصية ضد الديمقراطية. وليس فيما تبقى من هذا المقال متسع
للرد على هذه المقولة العنصرية الخاطئة. ولكن الطريف هو أن حكامنا العرب المستبدون
يحتفون بهذه المقولة، وذلك للبقاء في السلطة بلا شركاء أو رقباء. ولكن الغريب هو أن
بعض المحسوبين على الثقافة والصحافة والسياسة يدعمون هذه المقولة بسلوكهم في تخويف
الداخل المصري والعربي من الانفتاح على العالم الخارجي، والتفاعل معه، تعاوناً أو
اشتباكاً أو صراعاً. إن الخوف المرضي من "الآخر" يؤدي إلى عزلة الشعوب عن الزخم
الكوني، والعزلة تؤدي إلى الاضمحلال والإنحلال والزوال.