مقالات د. سعد الدين إبراهيم

اختفاء رضا هلال
ناقوس خطر الاستبداد والفساد والخراب
 

لقد مضى عام كامل على الاختفاء المريب للصحفي المصري المعروف رضا هلال، مساعد رئيس تحرير صحيفة الأهرام، أكبر الصحف المصرية والعربية، وأكثرها عراقة.
ولم تنجح أجهزة الأمن المصرية، على تعددها وضخامتها، إلى تاريخه في فك ألغاز هذا الاختفاء المريب. وربما كان هذا الاختفاء نفسه وراء اشتداد الهمز وتصاعد اللمز، بأن بعض هذه الأجهزة، أو بعض الشخصيات المهمة فيها، وراء هذا الاختفاء المريب.
ونحن لا نتهم أحداً. ولكن وفاء للزميل الغائب/ المختفي خصصنا هذا المقال لتوثيق ما هو معلوم عن شخصاً وعن القضية، وهو كثير، ولكن المجهول علينا في القضية ربما يكون هو الأكثر والأهم. وقد نوهت كل المنظمات الحقوقية العالمية، ومنها العفو الدولية، بالاختفاء القسري للصحفي رضا هلال.
إن الذي يضاعف الريبة والحسرة بالنسبة للصحفي الغائب هو سكوت نقابة الصحفيين المصريين، بل والمؤسسة التي عمل فيها طوال حياته المهنية وهي الأهرام، عن المتابعة النشطة لقضية رضا هلال. فلماذا هذا الصمت المريب؟
وإلى عشر سنوات مضت، كانت حوادث الاختفاء القسري في منطقتنا مقصورة على أنظمة عربية بعينها ـ مثل النظام البعثي في العراق في ظل صدام حسين، والنظامين السوري والليبي. ولكن منذ عشر سنوات بدأت حوادث الاختطاف والاختفاء القسري تظهر على الساحة المصرية وكان من أشهرها اختفاء وزير الخارجية الليبي الأسبق، السيد/ منصور الكخيا، في ديسمبر 1993، أثناء زيارته لمصر للمشاركة في اجتماع مجلس أمناء المنظمة العربية لحقوق الإنسان، ثم لحضور مؤتمر مركز ابن خلدون عن المجتمع المدني في الوطن العربي. وقد كان ابن شقيقته، د. محمد زكي مغيربي، يعرض ورقته عن الحالة الليبية، وأسهم منصور الكخيا بمداخلة هامة بعد أن استمع لورقة ابن شقيقته، نوه فيها بالدور الهام التي تقوم به المعارضة الليبية في الخارج، بعد أن حاصر النظام الحاكم كل قوى المعارضة في الداخل، ومارس عليها ألواناً جديدة من القهر والرعب، لم يعهدها الشعب الليبي من قبل لا في عهد الاستعمار العثماني، ولا في حقبة الاحتلال الإيطالي. وكانت هذه المداخلة هي أخر تصريح عام أدلى به منصور الكخيا. ففي طريق عودته ماشياً من فندق شيراتون القاهرة، حيث المؤتمر إلى فندق سفير بالدقي، حيث محل إقامته، وهي مسافة لا تستغرق أكثر من عشر دقائق سيراً على الأقدام، استوقفته سيارة بأرقام السلك الدبلوماسي الخضراء على بعد خطوات من فندق سفير، ونزل منها عدة أشخاص أجبروه على اصطحابهم، وانطلقوا بسرعة البرق، طبقاً لرواية اثنان من أمن فندق سفير اللذين شهدا الواقعة، ولكنهما لم يستوعبا ما كان يحدث لحظياً، خاصة وأن السيارة المرسيدس السوداء الفارهة كانت من سيارات السلك الدبلوماسي. وقد مضى إحدى عشر عاماً، منذ اختفاء منصور الكخيا، ولا حس ولا خبر، لا من السلطات المصرية، المؤتمنة على ضيوف مصر، ولا من السلطات الليبية، هذا رغم أن اسرته، والمنظمة العربية لحقوق الإنسان التي كان هو أحد مؤسسيها، ومنظمة العفو الدولية، لم تترك باباً إلا وطرقته، ولم تترك حجراً إلا وقلبته. ولا حياة لمن تنادي. ومن الطبيعي والمنطقي أن تتكاثر التخمينات حول الاختفاء القسري لمنصور الكخيا، بصفته أهم رموز المعارضة الليبية، وأكثرها احتراماً. فضلاً عن أنه وقت اختفائه كان من أبرز الناشطين العرب في مجال الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان.
واستقرت أهم تلك التخمينات، على أن النظام الليبي، بمشاركة عناصر مصرية، وراء اختفاء الرجل. ودعم من هذا الظن سوابق عديدة للنظام الليبي في التعامل مع معارضيه، سواء أكانوا ليبيين أو غير ليبيين. وما زال ماثلاً في ذاكرة الملايين اختفاء الإمام موسى الصدر، الزعيم الشيعي اللبناني، مؤسس وقائد حركة "أمل"، أثناء زيارته لليبيا في أواخر أغسطس 1978. هذا فضلاً عن آخرين ورد ذكرهم في مصادر عديدة.
على أن فشل أجهزة الأمن المصرية، بل وشبهة تورط بعض العاملين فيها في اختفاء الصحفي المصري رضا هلال عام 2003، ومن قبله اختفاء المعارض الليبي منصور الكخيا عام 1993، ومحاولة دفن القضية إعلامياً، ينذر بأخطار جسيمة على مصر والوطن العربي، لا من أطراف خارجية، ولكن من الأنظمة الحاكمة نفسها. فالقرائن التي صاحبت حالات الاختفاء القسري، يوازيها ويتداخل معها تلفيق القضايا للأبرياء، إما لتشويه سمعتهم أحياءاً أو لوضعهم خلف القضبان لعدة سنوات، قبل أن تظهر برائتهم. ولعل قضية مركز ابن خلدون كانت الحالة الدرامية التي كشفت فيها محكمة النقض، وهي أعلى محاكم الديار المصرية عن هذا الاختلال في أجهزة الأمن، بل وضلوع أجهزة تنفيذية أخرى على أعلى مستوى في عملية التلفيق والتلاعب بالمستويات الدنيا للتقاضي، من أجل أهوائها السياسية. ثم بعد براءة ابن خلدون وكل العاملين فيه من كل الاتهامات التي تم تلفيقها لهم (18/3/2003)، أصدرت نفس المحكمة العليا حكماً مشابهاً ببراءة د. محي الدين الغريب، وزير المالية الأسبق، من كل التهم التي تم تلفيقها له. وفي الحالتين التي حظيتا باهتمام واسع، محلياً ودولياً، تضاعف الشبهات في أن الدوافع وراء التلفيق هذه القضايا وغيرها كانت سياسية، للانتقام أو التأديب أو تسوية حسابات مع المعارضين.
إنه سوس ينخر في عظام النظام، وربما يمتد منه إلى عظام المجتمع الأكبر نفسه. إنه الاستبداد الذي قمع، وقهر، وروّع المواطنين. وهو الفساد الذي استشرى، نتيجة غياب المساءلة والمحاسبة. وربما كانت قضية المهندس الاستشاري المصري د. ممدوح حمزة، المنظورة حالياً أمام القضاء الإنجليزي مؤشراً درامياً أخر على التركة الثقيلة للفساد في مصر. فرغم أن القضية في مراحلها الأولى، إلا أن تداعياتها المبكرة تشير إلى تورط عدد من كبار المسئولين المصريين في عمليات رشوة ومحسوبية واستيلاء على أملاك الدولة والتربح من المال العام. لقد طلبت نقابة المهندسين (طبقاً لما نشرته صحيفة المصري اليوم 19/8/2004) بفتح ملفات المكاتب الاستشارية الهندسية، والتحقيق مع د. محمد إبراهيم سليمان، وزير الإسكان والمجتمعات العمرانية الجديدة.
وهكذا نري أن الاستبداد له ألف وجه ووجه، ولكن هذه الوجوه جميعاً تلتقي في مستنقع واحد، هو الفساد، وهذا بدوره يؤدي إلى الخراب. كان الاختفاء القسري للصحفي رضا هلال، حلقة خطيرة في نفس المسلسل الذي شمل تلفيق القضايا لمعاقبة المعارضين، والفساد الكبير للمسئولين.
فلا حول ولا قوة بالله
 

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية