مقالات د. سعد الدين إبراهيم

فقـه الانتخابـات الأمريكيـة
 

تشهد الويات المتحدة بانتخابات رئاسية كل أربع سنوات. ولأن الولايات المتحدة هي القوة الأعظم في الوقت الراهن، فإن من يتم انتخابه رئيساً لها يصبح أقوى صاحب سلطة في العالم، على الأقل لمدة أربع سنوات، وعلى الأكثر لمدة ثماني سنوات. فالدستور الأمريكي يمنع أن يظل أي رئيس في السلطة أكثر من فترتين متتاليتين، مهما كانت عظمته، أو عبقريته، ومهما كانت جاذبيته أو شعبيته.
إن أحد أسرار القوة الأمريكية هي عبقرية نظامها السياسي، وليس عبقرية أي زعيم بذاته. فهذا النظام السياسي هو الذي يسمح بدوران النخبة الحاكمة، والتجديد الدائم لدمائها وحيويتها، ويكفي أن يستذكر القارئ عدد الرؤساء الأمريكيين الذين جاءوا، ومضوا في ظل رئاسة أي زعيم عربي من الذين أتو إلى السلطة بالوراثة، أو الاغتصاب، أو الانتخابات الصورية. وربما كان هذا أحد أسباب القوة عندهم وأحد أسباب الانحطاط عندنا.
إن أحد وسائل إيضاح النظام السياسي الأمريكي وتبسيط فهم العمود الفقري فيه، وهو اختيار الرئيس هو الاستعانة بنموذج دوري كرة القدم، وهي الرياضة الشعبية المفضلة لدى شعوبنا العربية. فكما في دوري كرة القدم تتنافس عدة أندية طول العام، وتحتسب لكل منها نقاط عند الفوز أو التعادل. ثم يتم تجميع النقاط قبيل موسم التصفيات، ثم يتم حصر مباراة البطولة النهائية بين أعلى ناديين أو فريقين. ويكون الفائز منهما هو البطل الذي يحتفظ بكأس البطولة لمدة عام، إلى أن يحل الدوري التالي... وهكذا.
والدوري السياسي الرئاسي الأمريكي يحدث كل أربع سنوات. وتبدأ التصفيات في داخل كل حزب، أولاً، خلال السنة السابقة للانتخابات الرئاسية يوم الثلاثاء الأول من نوفمبر. وتأخذ هذه التصفيات شكل انتخابات أولية على مستوى كل من الولايات الخمسين التي تتكون منها أمريكا، وذلك للمفاضلة بين الطامحين في الترشيح عن كل حزب، أو لاختيار مفوضين ينوبون عن أعضاء كل حزب لاختيار مرشح الحزب في المؤتمر العام للحزب، الذي يسبق الانتخابات النهائية بثلاثة أو أربعة شهور.
وقد جرت العادة خلال القرن الأخير أن تنحصر المنافسة على منصب الرئاسة بين الحزبين الكبيرين: الديمقراطي والجمهوري. ولم يمنع ذلك دخول حزب ثالث أو أكثر إلى حلبة المنافسة، كما حدث في الانتخابات الأخيرة (2000)، التي دخلها حزب البيئة (الخضر) بمرشحه الأمريكي من أصل عربي رالف نادر، الذي ذاعت سمعته كمدافع عن حقوق المستهلكين، والفقراء والحفاظ على البيئة. ولكن لم ينجح أي حزب ثالث في الفوز بالرئاسة خلال القرن الأخير. وخلال الخمسين سنة الأخيرة مثلاً، فاز الحزب الجمهوري بمنصب الرئاسة ثمانية مرات، بينما فاز الحزب الديمقراطي بالمنصب خمس مرات فقط. هذا رغم أن الحزب الديمقراطي هو حزب الأغلبية عادة في مجلس الشيوخ والنواب. ولذلك فرغم السلطات الواسعة التي يخولها الدستور للرئيس الأمريكي، إلا أن الكونجرس (مجلس الشيوخ والنواب) يستطيع أن يعترض على القرارات الرئاسية، بل ويشمل حركة الرئيس تماماً من خلال تحكمه في الميزانية. كما يستطيع الكونجرس بأغلبية الثلثين أن يحاكم الرئيس أو يجبره على الاستقالة ـ كما حدث بالفعل في حالة الرئيس رتشارد نيكسون (1974) في أعقاب فضيحة ووتر جيت، أو كما اوشك أن يحدث مع بيل كلينتون (1998) في اعقاب فضيحة مونيكا لوينسكي. ولكن إجبار الرؤساء على الاستقالة هو أمر نادر في التاريخ الأمريكي ـ حيث حدث ذلك ثلاث مرات فقط في مائتي عام. والسبب في ذلك هو صعوبة الحصول على أغلبية الثلثين في الكونجرس من ناحية، وسهولة الانتظار إلى حلول الانتخابات الرئاسية من ناحية أخرى.
جرت العادة أيضاً على أن الحزب الذي يشغل مقعد الرئاسة بالفعل يتحاشى الانتخابات الأولية داخل الحزب لاختيار مرشح الحزب، اعتقاداً أن ذلك يؤدي إلى الشرزمة والانقسام في مواجهة الحزب المنافس. فمجرد ظهور تحديات للرئيس داخل حزبه معناه إعطاء أوراق رابحة للحزب الآخر.
وهذا ما تعكسه معركة الانتخابات الرئاسية لعام 2004 ـ حيث توحد الجمهوريون خلف الرئيس جورج دبليو بوش، انتظاراً ليوم الحسم في نوفمبر. ولذلك تقتصر الانتخابات الأولية هذا العام على الحزب الديمقراطي للتصفية بين سبعة من الطامحين إلى الفوز بترشيح الحزب، على أمل الفوز بمنصب الرئاسة واستعادة البيت الأبيض من قبضة الجمهوريين. وقد جرت الانتخابات الأولية خلال شهري يناير وفبراير في أربعة عشر ولاية. ومع كل جولة من هذه التصفيات يخرج منافس أو أكثر من الحلبة. وإلى تاريخه (نصف فبراير 2004) خرج من الحلبة رسمياً مرشحان، هما السيناتور جوزيف ليبرمان والجنرال ديزلي كلارك.
إن السناتور جون فوربس كيري، هو الأكثر حظاً في تصفيات الانتخابات الأولية للحزب الديمقراطي إلى الآن. فقد فاز بالمركز الأول على كل منافسيه في 12 من 14 ولاية. وفاز بالمركز الثاني في ولايتين. وجمع من أصوات المفوضين ضعف كل منافسيه مجتمعين. وتشير كل استفتاءات الرأي العام أنه الأكثر ترجيحاً للفوز في ثلاث ولايات كبرى خلال الأسبوع الثالث من فبراير، أهمها ولاية نيويورك. لذلك بات شبه مؤكداً أن يكون جون كيري هو مرشح الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية القادمة ضد الجمهوري جورج بوش (الابن)، والرئيس الحالي. لقد تعمدنا استخدام عبارة شبه مؤكداً، وليس "موكداً"، لأنه في البلدان الديمقراطية يتعرض المرشحون للفحص والتدقيق والاختبار، لا من المعارضين والمنافسين لكل منهم فقط ولكن أيضاً من الأجهزة الرقابية الرسمية ـ مثل مصلحة الضرائب، ومكتب التحقيقات الفيدرالي (الـ F.B.I)، وأهم من هؤلاء جميعاً الصحافة. ويصل التنقيب في ماضي المرشحين إلى سجلهم الدراسي، وعاداتهم في مرحلة الشباب وسلوكهم الجنسي، وحياتهم العائلية، وآدائهم في الوظائف العامة السابقة على ترشيحهم. ويمكن لأي معلومة، أو كشف النقاب عن أحد الأسرار أن يعصف بفرص المرشح للفوز في الانتخابات الأولية أو النهائية. كما يمكن لأي سلوك أو عبارة تبدر من المرشح أثناء الحملة أو تحت ضغط أسئلة الصحفيين أن تفعل نفس الشئ.
من ذلك أن الدكتور هوارد دين، الحاكم السابق لولاية فيرمونت، والذي ظل متقدماً في كل استفتاءات الرأي العام بسبب معارضته للحرب في العراق، والتفاف الشباب حوله، خسر السباق في ولاية "أيوا" الصغيرة نسبياً نتيجة هفوة لفظية، وانفلات عصبي أمام كاميرات التليفزيون... ولم يبرأ الرجل من نتائج هذه السقطة. فلم يفز في أي ولاية، وإن جاء ترتيبه الثاني في معظم الولايات.
نفس الشئ يحدث الآن للرئيس بوش نفسه حيث اكتشفت بعض الأوساط أنه لم يؤد الخدمة العسكرية النظامية في حرب فيتنام، واستعاض عن ذلك بالخدمة محلياً في الحرس الوطني. أي أنه لم يتهرب من الخدمة ولكن اختار أسهلها وأكثرها أماناً. وذلك لا يدينه قانونياً أو معنوياً، ولكن يضعف من مصداقيته، خاصة وهو الذي يرسم لنفسه صورة "الوطني المتشدد" في مسائل الأمن القومي والحرب على الإرهاب، والذي خاض إلى تاريخه ثلاث حروب في ثلاث سنوات! والأدهى أن البعض قد اكتشف أنه حتى أثناء خدمته في الحرس الوطني عام 1972، تغيب لفترات ممتدة عن وحدته في ولاية جورجيا... ومازال التنقيب مستمراً.
ولأن السناتور جون كيري هو الآن أقوى المرشحين لمنازلة جورج بوش. فمن المهم أن تقترب من شخصية الرجل أكثر وأكثر لمعرفة آرائه ومواقفه في القضايا العامة. فقد يصبح هو الرئيس القادم للولايات المتحدة، وبالتالي تؤثر علينا وعلى العالم مواقفه واختياراته ويحتاج ذلك إلى مقال مستقل.

سعد الدين إبراهيم
نيويورك: 14/2/2004

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية