مقالات د.
سعد الدين إبراهيم
فقه انتخابات الرئيس الأمريكي
يقال أن كراهية الرئيس الحالي جورج بوش للزعيم الفلسطيني ياسر
عرفات تعود إلى رحلة قام بها إلى إسرائيل وفلسطين في مثل هذا الوقت منذ أربع سنوات.
وكان وقتها يفكر في ترشيح نفسه عن الحزب الجمهوري. وم تكن فرصة للفوز بهذا الترشيح
تبدو عالية أو محكمة، ناهيك عن فرصة في الفوز بالرئاسة التي بدت وقتها أكثر تواضعاً.
ولكن كعادة معظم الطامحين في مثل هذه الترشيحات في العقدين الأخيرين، فإنهم يقومون
بزيارة إسرائيل، طمعاً في كسب أصوات الأمريكيين اليهود، وتبرعاتهم ودعمهم الإعلامي،
حيث يتركزون في الولايات الكبرى ـ مثل نيويورك، وكاليفورنيا، وأيللنيوي، وبنسلفانيا،
وفلوريدا. وكان من هؤلاء جورج بوش الابن. وبما أنه كان في إسرائيل فقد نصحه بعض
معاونيه برؤية رئيس السلطة الفلسطينية، خاصة وأن جيم كلينتون كان قد زار الأراضي
الفلسطينية، والقى خطاباً تاريخياً في البرلمان الفلسطيني قبيل عام من زيارة بوش
الابن.
ولكن كعادة الرؤساء العرب، فإن ياسر عرفات استبعد أن يفوز بوش الابن بترشيح حزبه أو
بالتالي بالرئاسة. ولذلك لم يلب طلب بوش واعتذر عن مقابلته. واعتبرها جورج إهانة
لاتنسى. ويقال عن أهل تكساس في أمريكا ما يقال عن أهل الصعيد في مصر. أنهم لا ينسون
الإهانة، ويتحينون الفرصة للأخذ بثأرهم عمن وجه لهم هذه الإهانة. ورغم أن الرئيس
كلينتون استقبل ياسر عرفات عدة مرات في البيت الأبيض، وقضى معه ومع أيهود باراك،
رئيس الوزراء الإسرائيلي، أسبوعين في كامب دافيد، وأتى لمقابلته مرة أخرة في شرم
الشيخ وطابا في خريف 2000، إلا أن جورج بوش رفض استقبال ياسر عرفات في البيت الأبيض،
أو مقابلته في أي مكان آخر في العالم. وكان لسان حاله يقول لياسر عرفات "أنت رفضت
مقابلتي وأنا أسعى للترشيح فلن أقابلك وأنا رئيس أمريكا".
وإمعاناً في الثأر من ياسر عرفات وإذلاله، تعمّد جورج بوش ثلاثة أشياء أخرى. أولها
استقباله الدائم لرئيس الوزراء الإسرائيلي أريل شارون في البيت الأبيض، بمعدل مر
تين سنوياً ـ أي اكثر من أي رئيس أمريكي وأكثر من أي رئيس وزراء إسرائيلي. الشئ
الثاني، أنه وإدارته بدأ في شن حملة منظمة لاقصاء ياسر عرفات عن السلطة، واستبداله
بزعيم فلسطيني آخر يمكن التفاوض معه. ولم تتوقف المقاطعة الأمريكية للسلطة
الفلسطينية إلا بعد تعديل النظام الأساسي (الدستور) الفلسطيني الجديد، أبو مازن، في
واشنطن.
ولم يكن ياسر عرفات هو وحده الذي ارتكب هذا الخطأ السياسي مع مرشح رئاسة أمريكي.
فقد فعل الرئيس المصري الراحل أنور السادات نفس الشئ مع مرشح الرئاسة الجمهوري
رونالد ريجان. إن مقابلة الرؤساء لزعماء المعارضة في بلدان أخرى مسألة مألوفة
للغاية في المجتمعات الديمقراطية. فالمعارض اليوم قد يصبح الرئيس غداً. ويقال أنه
في أحد زيارات الرئيس السادات للولايات المتحدة طلب ريجان مقابلته. فاعتذر السادات
ورفض مقابلته، واعتقاداً منه لأن ريجان لا يمكن أن يفوز على صديقه جيمي كارتر في
الانتخابات التالية (نوفمبر 1980)... ولكن ذلك هو ما حدث فعلاً. وقد عانى الرئيس
السادات في سنته الأخيرة (1981)، من المعاملة الجافة والاستقبال البارد له في
زيارته الأخيرة لواشنطون (يوليو 1981)، وسمعت أنا بأذني هذه الشكوى من الرئيس
السادات في مقابلة شخصية معه في استراحته بالمنتزه في الاسكندرية، في أغسطس 1981.
فلأن الرؤساء العرب حينما يأتون للسلطة، يتمرتسون فيها، ولا يتخلون عنها أبداً،
فإنهم يعتقدون أن نفس الشئ يحدث في البلدان الأخرى، حتى لو كانت أنظمة الحكم فيها
ديمقراطية مفتوحة، وحينما قدمت هذا التفسير للرئيس السادات حول أسباب الاستقبال
الجاف له من الرئيس ريجان ـ قال "ربما... ولكن ما كان لي أن اقابله وهو مجرد مرشح
وأحرج مشاعر صديقي الرئيس كارتر في ذلك الوقت"! والذي لم يعيه الرئيس السادات وقتها،
وربما لا يعيه الزعماء العرب إلى الآن هو أن مقابلة زعماء المعارضة في البلدان
الديمقراطية، لا يحرج مشاعر أهل السلطة، لأن أهل السلطة أنفسهم كانوا في المعارضة،
وسينتقلون إلى المعارضة بعد حين!.
لقد قصدنا من هذا الاستطدراد أن ننبه لأهمية التعرف على أكثر الطامحين من الحزب
الديمقراطي ترجيحاً لأن يكون المرشح المنافس للرئيس جورج بوش في الانتخابات القادمة.
وعلى الزعماء العرب وممثليهم في واشنطون ونيويورك أن يسعوا للتعرف على السيناتور
جون كاري، وهو أحد الشيخان اللذان يمثلان ولاية ماسوشيسيت في الشمال الشرقي
للولايات المتحدة، وهذه الولاية مع ولايتي فيرمونت ونيوهامشاير، تسمى بإقليم "نيو
انجلند" (أي انجلترا الجديدة) فقد كانت من أوائل الأراضي الأمريكية التي حل بها
المهاجرون من انجلترا في القرن السابع عشر، فسموها بانجلترا الجديدة. وأكبر مدن
الولاية هي مدينة بوسطن، التي لعبت دوراً هاماً في حرب الاستقلال الأمريكية في
الربع الأخير من القرن الثامن عشر، والتي انتهت بخـروج القوات الانجليزيـة وإعـلان
الاستقـلال (1776). ولذلك لم يكن مستغرباً أن يأتي عدد من رؤساء أمريكا الأوائل من
هذه الولاية تحديداً. وكان آخر رئيس من ماسوشيست هو جون فيتزجيرالد كينيدي، والذي
يختصر اسمه بالحروف الثلاثة الأولى جي.إف.كي. (J.F.K). ولأن كينيدي كان وسيماً،
ومتزوجاً من امرأة أرستقراطية جميلة، وهي "جاكي"، واغتيل وهو في ريعان الشباب
(1963) قبل أن يتم فترة رئاسته الأولى، فقد تحول إلى أسطورة في الخيال الأمريكي.
وتضاعفت هذه الأسطورة بعدة أفلام هوليودية، كان أشهرها بعنوان JFK.
وأول انطباع يتركه المرشح الديمقراطي على من يلتفون به هو أنه يذكّرهم بـ J.F.K.
فهو كثيف الشعر، ممشوق القوام، ذو ملامح دقيقة، ويتحدث مثل J.F.K، فهو من نفس
الولاية، وهو من أصول أرستقراطية، وكاثوليكي، ومتزوج من سيدة ثرية. وهذه كلها قواسم
مشتركة مع JFK. ومن الصدف الإضافية إن اسمه الكامل ـ جون فوربس كيري ـ يختصر
بالإنجليزية إلى نفس الحروف J.F.K .
كان جزءاً من اسطورة كينيدي أنه تطوع في الحرب العالمية الثانية، وأصبح أحد ضباط
البحرية، وقاد قارباً للطوابير في المحيط الباسفيكي (الهادي) وأغرق سفينة يابانية
معادية. واستطاع من يديرون الحملة الانتخابية للسيناتور جون كيري أن يجدوا في سيرته
الشخصية إنجازاً موازيا، وإن كان في حرب فيتنام. حيث قاد جون كيري أيضاً قارباً
للطوابير، اقتحم به أحد معاقل الفيت كونج في وادي نهر المكونر. وخرج في هذا العملية
الانتحارية ونال عليها الوسام البنفسجي، ثم نال ميداليتين آخرتين بشجاعته وأدائه
أثناء خدمته في فيتنام. ولكن ذلك لم يمنعه بعد العودة من فيتنام في الانضمام لحركة
مناهضة الحرب. وفي أحد المظاهرات التي قادها إلى أبواب الكونجرس وهو في شبابه قذف
بالميداليات والنياشين التي حصل عليها على درجات مجلس الشيوخ. أي أنه لبى الواجب
كمجند، وأبلى بلاءاً حسناً كمقاتل، ولكن ضميره بعد ذلك كمواطن أملى عليه أن يحتج،
ويتخلى عن النياشين والميداليات.
وأتوقع أنه حينما تشتد الحملة الانتخابية ستكون المقارنة بن سجله وسجل جورج بوش
أثناء حرب فيتنام أحد الملفات الساخنة. وهنا لن يستطيع بوش أن يزايد على كيري في "الوطنية"
أو في فهم مسائل الأمن القومي في صوت كيري لصالح القرار الذي منح بوش تفويضاً
لاستخدام كل وسائل الضغط على صدام حسين لإجباره على الالتزام بقرارات الأمم المتحدة.
الخلاف الرئيسي بين كيري وبوش سيكون حول الأجندة الداخلية وليس السياسات الخارجية.
فالانتخابات الأمريكية تقررها، مكسباً وخسارة السياسات الخارجية ـ حالة الاقتصاد،
التأمينات الاجتماية والصحية، التعليم، والحقوق المدنية، ومنها حق "اللواطيون" أو
المثليون"، أو من درجنا على تسميتهم "بالشواذ" في الزواج.
المعروف عن جون كيري أنه ليبرالي، وينتصر للفقراء والمحرومين، رغم أنه يأتي من
خلفية ثرية هو وزوجته. وهو مع عدم تخفيض الضرائب على الأغنياء، وفقط تخفيضها على
الطبقات الوسطى والدنيا.
أما سجله في التصويت على ما يتعلق بالشرق الأوسط، فهو لا يختلف كثيراً عن زميله
السيناتور إداورد كينيدي من نفس الولاية والشقيق الأصغر لـ JFK ، وهو تأييد إسرائيل،
كما يمثلها حزب العمل، لا كما يمثلها حزب الليكود، وخاصة في ظل رئاسة أريل شارون.
وأغلب الظن أنه إذا انتخب رئيساً فسيكون أقرب إلى نهجي بيل كلينتون وجيمي كارتر
فيما يتعلق بالسياسة الخارجية عموماً والصراع العربي الإسرائيلي خصوصاً ولكن هذه
الصورة العامة والمبهمة ستتضح أكثر وأكثر، كلما اقتربت الساعة.
سعد الدين إبراهيم
نيويورك 20/2/2004