مقالات د. سعد الدين إبراهيم

فقه الديمقراطية والأصالة الزائفة
 

 
في يوليو 1798، رست سفن الأسطول الفرنسي بقيادة نابليون بونابرت بالشواطئ المصرية، واحتلت الإسكندرية، ومنها زحفت قوات الحملة الفرنسية على بقية الديار المصرية ثم اتجهت شرقاً لغزو بلاد الشام.
كانت مصر وبلاد الشام، بل ومعظم البلدان العربية، في ذلك الحين، ومنذ عام 1517، تحت الحكم العثماني المملوكي. أي أن الاحتلال الفرنسي الوافد في أواخر القرن الثامن عشر، أتى ليقتلع ويحل محل احتلال أقدم بحوالي ثلاثة قرون. وكان هذا الأخير قد وصل إلى أقصى درجات الانحطاط الإداري، والفساد السياسي، والظلم الاجتماعي، والاستغلال الاقتصادي، والجمود الثقافي. وانعكس ذلك كله في وهن الإمبراطورية العثمانية ـ المملوكية في حماية مصر والشام وفي صد الحملة الفرنسية. وبعد معركة خاسرة قرب أهرامات الجيزة، فر المماليك إلى الصعيد، واكتفت القوات العثمانية بموقف الحياد، وانسحبت إلى أحد ضواحي القاهرة.
وهكذا أصبح المصريون، والشوام فيما بعد، بصدد احتلالين. أولهما عثماني ـ مملوكي متخلف ومستبد، ولكنه يحكم باسم "الإسلام". فالسلطات في الأستانة (إسلامبول) يلقب نفسه "بالخليفة" أو "أمير المؤمنين". وثانيهما أجنبي الوجه، افرنجي اللسان، مسيحي الديانة. ولكنه جاء واعداً بتخليص الناس من حكامهم الأتراك والمماليك، ورافعاً لشعارات جديدة وجذابة وإن كانت غامضة، حول "الحرية" و "الإخاء" و "المساواة"!.
وبعد الصدمة الأولى لمشهد الاحتلال الجديد، ورغم كراهية الاحتلال القديم، فإن رد الفعل التلقائي للناس كان مقاومة الاحتلال الفرنسي الجديد، لأنه "أجنبياً" وغير "مسلم". وكانت المقاومة أساساً محلية ـ تمثلت في ثورتين شعبيتين في القاهرة، وحرب عصابات ضد القوات الفرنسية في الصعيد، وفي مقاومة بأسلحة لأحمد باشا الجزار ،حاكم عكا. وهو ما استنزف قوات الحملة الفرنسية، واضطرها في نهاية السنة الثالثة للجلاء والعودة إلى فرنسا.
ولم تعد الأمور إلى ما كانت عليه قبل الحملة الفرنسية. ففي تلك السنوات الثلاثة للحملة مرت مياه كثيرة تحت جسور مصر والبلدان العربية. بدأت محاولات محلية للتحديث: في مصر على يد محمد علي، وفي العراق على يد داوود باشا، وفي لبنان على يد بشير الشهابي، وفي تونس على يد خير الدين باشا. وأنجزت هذه المحاولات تقدماً محسوساً. وكانت أحد وسائله ومظاهره إرسال البعوث إلى أوربا، وجلب الأساتذة والخبراء الأوربيين إلى البلدان العربية. ومع منتصف القرن التاسع عشر، بدأ ما يسميه المؤرخون العرب باسم "عصر النهضة". وكان من رموزه الطهطاوي، وعلى مبارك، والشدياق، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، وشكيب ارسلان.
ومنذ ذلك الحين (منتصف القرن التاسع عشر) وإلى مطلع القرن الحادي والعشرين، ونفس السؤال يتردد، وإن بألفاظ ومسميات مختلفة، "هل نأخذ بالجديد الوافد، أو نتمسك بالقديم المتجذر؟" وفي أمور الشريعة والدين أخذ نفس السؤال صورة مساجلة بين "التجديد" و "التقليد"، أي بين "المجتهدين" و "السلفيين".
المشكلة في صياغة السؤال عبر سبعة أجيال متتالية، هو "اللاتاريخية" و "الإنعزالية". فثمة افتراض ضمني أن العرب، دون بقية الشعوب والمجتمعات، يستطيعون الاختيار الحر، بين هذا وذاك، كما لو كان "الزمن" قد توقف أو تجمد، أو أنكى من ذلك كما لو كان "الزمن" سيظل متوقفاً جامداً، إلى أن ينتهي "العرب" من حواراتهم وسجالتهم. كما أنه ثمة افتراض ضمني آخر، وهو أن "العرب" يستطيعون أن يقرروا أو يختاروا بمعزل عن جيرانهم ـ من الأتراك والإيرانيين والأفارقة. وبصرف النظر عن اختيارات هؤلاء الجيران. أو بمعزل عن القوى الكبرى الحاكمة في النظام العالمي.
إنه منذ سقوط غرناطة، آخر المعاقل العربية في الأندلس، عام 1492، واندحار العثمانيون عند أسوار فيينا عام 1983، ومصير العرب والمسلمين أصبحت تقرره أساساً قوى خارجية، غير عربية وغير إسلامية. وقد باءت معظم محاولات العرب والمسلمين في تقرير مصيرهم الحضاري والسياسي والاقتصادي في استقلال تام عن هذه القوى بالتعثر أو الفشل التام. والاستثناءات القليلة التي أفلتت من هذا الفشل هي التي أدركت القواعد الحاكمة للنظام العالمي. وهي التي دعت منظومة القيم الرئيسية للتقدم الإنساني.
وضمن منظومة قيم التقدم هذه "الحرية"، و "العقلانية"، و "المسئولية"، و "المساواة". وتأتي "الديمقراطية" كتجسيم إجرائي مؤسسي لهذه القيم الأربع. والقراءات المغلوطة للتاريخ العربي الإسلامي، وللتاريخ الأوربي ـ الغربي، هي التي أدت بالمصلحين والمثقفين العرب إلى الدوران العبثي حول "الذات" الجماعية المتخلفة، أو حول "الآخر" المتقدم، دون إنجاز مبهر ومستمر، والذي كثيراً ما كان ينتكس، لنعود إلى بداية نفس الحلقة المفرغة.
والمحزن هو أن الإجابات النمطية التي انتصرت لأحد أطراف الثناءيات الزائفة ـ مثل "الثابت" و "المتغير"، أو "الوافد" و "الأصيل"، أو "الحداثة" و "التراث". أو "التقليد" و"التجديد"، أو "الداخل" في مقابل "الخارج" ـ قد باءت جميعاً بالفشل، لأنها تجاهلت المنظومية القيمية للتقدم، وهي الحرية والعقلانية والمساواة والمسئولية، والتي تتوجها الديمقراطية "كنظام" أمثل لإدارة المجتمع والدولة.
إن الذي انتهى إليه علماء الاجتماع والسياسة، والمشتغلون بالفلسفة والنقد الأدبي، هو أنه لا يوجد نظام سياسي أو اجتماعي مثالي. ولم توجد في الواقع، وربما لن توجد أبداً "مدينة فاضلة" تسودها الفضائل المطلقة ـ مثل الحق والخير والجمال. ورغم التشبث بحلم "المدينة الفاضلة" أو "المجتمع الطوبائي"، إلا أنها لم تتحقق أبداً، إلا في الخيال السياسي.
في الغرب، كانت آخر المحاولات الطوبائية، التي انطوت على هندسة اجتماعية واسعة النطاق هي "النازية" في ألمانيا و "الفاشية" في إيطاليا وأسبانبا، و "الماركسية" في روسيا وأوربا الشرقية. ودفعت الإنسانية ثمناً باهظاً نتيجة هذه المحاولات الطوبائية في القرن العشرين، كما في قرون أخرى سابقة.
وعندنا ـ كعرب ومسلمين ـ تمت تجربة "التقليد"، بالعودة للتراث والنهج على منوال السلف الصالح، في القرن الهجري الأول. وشهد القرنان الأخيران محاولات عدة. كانت أولاها "الوهابية" في الجزيرة العربية، مروراً "بالمهدية" في السودان، والسنوسية، في بلدان المغرب العربي. وكان آخرها في العقود الثلاثة من القرن العشرين هي "الخومنية" في إيران، و"الترابية" في السودان، و"الطالبانية" في أفغانستان. ولم تنجح هذه المحاولات في تحقيق "الفردوس الموعود"، أو في استعادة "الفردوس المفقود". ودفعت شعوبنا ثمناً إنسانياً باهظاً.
وإلى جانب هذه المحاولات "الإسلاموية" بحثاً عن "الفردوس" أو سعياً للمدينة الفاضلة، كانت هناك محاولات "فاشية" قادها العسكر العرب والمسلمين ـ من مصطفى كمال أتاتورك في تركيا إلى عبد الناصر في مصر، وحزب البعث في العراق وسوريا، والقذافي في ليبيا ورغم بداياتها القصيرة الواعدة، إلا أن جوهرها وذيولها الممتدة كانت ومازالت كارثية.
ومرة أخرى غاب عن المحاولات "الإسلاموية" السلفية، كما عن المحاولات "الفاشية" "الشعبوية" المنظومة الحقيقية لقيم التقدم أي تلك التي تبدأ "بالحرية" كقيمة مركزية لتحرير الإنسان، وإطلاق طاقاته المبدعة، وتنتهي بالديمقراطية كنظام "أمثل" لإدارة شئون المجتمع والدولة. وإلحاحنا على نظام "أمثل" وليس "مثالياً"، هو بمعنى أفضل نسبياً، أي أحسن من غيرة. ولكنه ليس مُنزهاً من الأخطاء أو المفاسد البشرية. بالعكس، إن أفضليته النسبية هي أنه يعترف باحتمال وقوع هذه الأخطاء والمفاسد. ولكنه يحتذر لها بآليات واقية ـ مثل حكم القانون، والشفافية، والحساب والعقاب، لا في الآخرة، ولكن هنا في الدنيا، وليس يوم القيامة، ولكن دورياً كل سنة أو أربع أو خمس سنوات.
لقد أدرك الفيلسوف الألماني "وليام كانط" أن المجتمعات الديمقراطية ليست مثالية، ولكنها أفضل ما توصلت إليه الإنسانية في مسيرتها الطويلة وبعد كل محاولات التجربة والخطأ، وبعد أهوال لا تحصى وضمن الفضائل النسبية (وليست المطلقة) لأنظمة الحكم الديمقراطية أنها لا تلجأ إلى الحروب أو الصراعات المسلحة ضد بعضها البعض. ومن هنا كانت أحد أحلام كانط لتجنيب البلدان الأوربية الحروب الممتدة المدمرة. ولم يتحقق هذا الحلم إلا من خلال تجربة الوحدة الأوربية، التي كان شرط الإنضمام لها، هو أن يكون نظام الحكم في البلد الراغب في الانضمام ديمقراطياً. وهكذا شهدت أوربا أطول فترة في تاريخها الحديث بلا حروب، لأكثر من نصف قرن (1945ـ 2004) وكذلك شهدت أوربا الموحدة مع السلام رخاءاً غير مسبوق في تاريخها كله ـ قديماً ووسيطاً، وحديثاً.
والذين يشككون في الديمقراطية من الحكام العرب ومثقفيهم بدعوى أنها تتعارض مع الثقافة أو الدين والتراث هم بالقطع مخطئون في أحسن الأحوال، ومُغرضون في أسوأ الأحوال. فلا المسئولون ولا المثقفون، الهنود ـ وهم أكثر "شرقية" من العرب والمسلمين، واقدم منهم حضارة وتاريخاً ـ خاضوا مثل هذه المعركة الوهمية حول الديمقراطية. ولم ينخرطوا في مثل هذه المفاضلات الزائفة بين "الإصالة" و "المعاصرة". إن الهنود أكثر اعتزازاً بماضيهم وحاضرهم وأكثر تطلعاً إلى مستقبلهم الذي يتوقعون فيه أن يكونوا دولة عظمى في مصاف الولايات المتحدة وأوربا الموحدة. والهنود أكثر قدرة على حماية ترابهم الوطني. وقد أنجزوا كل ذلك في ظل نظام تعددي ديمقراطي، يزداد رسوخاً بمرور السنين.
إن الذين يختبأون وراء التراث والأصالة للتشكيك في قيم التقدم والديمقراطية، لا يستطيعون تقديم بديل مقنع تاريخياً، أو متسق منطقياً، أو تم اختباره تجريبياً. والمثقفون منهم، أي من يحترفون صناعة الكتابة وتوجيه الرأي العام، هم من حيث يقصدون أو لا يقصدون، يزيّفون وعي "الجماهير"، ويقلّصون المبررات المعنوية لاستمرار الاستبداد الشرقي، سواء تحت ستار "الإسلام" أو "العروبة"، أو من خلال فقه مغلوط، هو فقه للنكاية حيناً، وفقه للذرائع أحياناً. فليسامحهم الله على ما يقترفونه من ذنوب وخطايا. أما شعوب الأمة فلن تصفح لهم أبداً، والتاريخ سيقذف بهم في مزابله.

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية